كتب رشيد حاطوم
خصومة بنيوية تتجاوز الخلافات اليومية
النائب السابق وليد جنبلاط لا يرى علاقته برئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع مجرد خلاف سياسي مرحلي أو اختلاف أسلوبي. المصادر المقربة تؤكد أن خصومتهما بنيوية، تتجاوز التباين اليومي لتلامس جوهر البوصلة الوطنية لكل طرف.
جنبلاط يجاهر بدعمه لقضية فلسطين، ومناصرته للمقاومة، وتصديه للعدو الإسرائيلي، ويضع هذه المبادئ في قلب حساباته السياسية الداخلية والإقليمية، لتصبح معيارًا أساسيًا لتقييم أي حزب أو شخصية سياسية أخرى.
خيارات جعجع: رهانات ملتبسة وفاشلة
في المقابل، يرى جنبلاط أن خيارات جعجع السياسية غالبًا ما تكون متناقضة مع هذه البوصلة. مواقفه، بحسب مصادر المختارة، غير واضحة وتبتعد عن الخط الوطني الجامع، مع رهانات خارجية تتناقض أحيانًا مع مصالح لبنان والمكوّن المسيحي.
بعض السياسيين يصفون هذه الخيارات بأنها «غير وطنية»، لما تحمله من انعكاسات سلبية داخل لبنان، وتضعف المكوّن المسيحي، بينما لا تضيف أي قيمة لموقع لبنان في المعادلة الإقليمية أو لتعزيز قوة الدولة.حتى ان البعض ذهب الى حد تسمية جعجع ب"صاحب الرهانات الفاشلة" التي تعود نتائجها خاصة على الصعيد المسيحي بالكوارث .
التوتر المحلي: القوات اللبنانية كعنصر توتير
يمتد النفور الجنبلاطي أيضًا إلى أداء القوات اللبنانية في مناطق الشوف وعاليه وبعبدا والبقاع الغربي، حيث تُعتبر القوة السياسية هناك عنصر توتير دائم، وليس شريكًا في إدارة التوازنات الحساسة.
أي تقاطع انتخابي محتمل مع معراب، إن فرضته الضرورة، يبقى ترتيبًا تقنيًا مؤقتًا، محدود السقف والوظيفة، بعيدًا عن شراكة استراتيجية أو التزام طويل المدى.
الواقع الإقليمي: لبنان بين سوريا والخليج
لا تنفصل هذه الرؤية عن الحساب الإقليمي لجنبلاط. سوريا تعود تدريجيًا إلى المشهد العربي، ومسار إعادة تطبيع العلاقات معها أصبح واقعًا لا يمكن تجاهله.
في المقابل، الخليج، ولا سيما المملكة العربية السعودية، يعيد ترتيب أولوياته تجاه لبنان على أساس الاستقرار والحسابات الدقيقة. أي تصعيد داخلي أو خطاب استفزازي قد يُفسّر خارجيًا على أنه مغامرة سياسية يهدد الثقة الخليجية ويضع لبنان في موقع خطر.
في هذا الإطار، تتحوّل خصومة جنبلاط مع جعجع إلى انعكاس لرؤية استراتيجية أوسع: فلسطين كمعيار ثابت، سوريا كواقع يجب التعامل معه ببرودة، والخليج كشريك استقرار لا يجوز المساس به. أي خيار آخر مغامرة بلا ضمانات وتهديد مباشر لمصالح لبنان الوطني.
محاولات القوات للتأثير على لوائح الجبل
في سياق التحضيرات الانتخابية، تسعى القوات اللبنانية إلى التطاول على تشكيل اللوائح في مناطق الجبل، بما في ذلك محاولة إبعاد النائب راجي السعد عن لائحة المختارة في عاليه، مع تسريب معلومات مغلوطة تفيد بأن جنبلاط لا يريده بسبب خلافه مع قريب السعد، أنطون الصحناوي.
مصادر مقرّبة من المختارة أكدت أن الثابت الوحيد على لائحة جنبلاط في عاليه يبقى راجي السعد، وأن الحديث عن تبديله لا يمت للواقع بصلة، ويأتي ضمن الحملات الإعلامية لمحاولة التأثير على الرأي العام المحلي قبل الانتخابات.
هذه المحاولات تعكس حجم التوتر بين المختارة والقوات اللبنانية، ومدى السعي لتقويض الاستقرار المحلي والتحالفات الانتخابية، بينما يبقى حساب جنبلاط متوازنًا بين الضرورة الانتخابية والثوابت السياسية والاستراتيجية التي يعتمد عليها في إدارة تحالفاته.
تساؤلات حول التحالفات المقبلة
في خضم هذه الحسابات الدقيقة، يطرح تساؤل جوهري: هل يعيد جنبلاط النظر في التحالف مع القوات اللبنانية بعد فضيحة ملف أبو عمر وما رافقها من استياء سعودي؟ أم أنّه يفضل التوجّه نحو التيار الوطني الحر، مستندًا إلى قدرة هذا التحالف على توسيع قاعدة نفوذه الداخلي وضمان مكاسب انتخابية أوسع؟
المصادر المقربة من المختارة تؤكد أن جنبلاط لا يقطع خيار التحالفات بشكل دائم، طالما أن أي تفاهم يبقى انتخابيًا في جوهره، مع مراعاة الثوابت الوطنية والإقليمية، وحرصه على عدم المساس بالثقة الخليجية التي أصبحت عنصرًا حاسمًا في معادلات الداخل اللبناني.
هذا التساؤل يفتح الباب أمام متابعة دقيقة للمشهد الانتخابي في الأشهر المقبلة، حيث تبدو الحسابات الجنبلاطية مركّزة على التوازن بين الطموح الداخلي والموقف الإقليمي، بين الضرورة الانتخابية والحفاظ على الثوابت الوطنية.
حين تُقاس السياسة بالبوصلة لا بالمقامرة
جنبلاط لا يساوم على الاتجاه، ولا يغامر في زمن التحوّلات الكبرى. يفضّل خصومة واضحة على تحالفات ملتبسة، وبراغماتية انتخابية مضبوطة على رهانات أثبتت التجربة فشلها.
السياسة اليوم، في نظره، ليست لعبة انتصارات سريعة، بل فن إدارة المخاطر وتقليل الخسائر وحماية الموقع الوطني في لحظة إقليمية دقيقة، يُعاد فيها رسم الخرائط أكثر من اختبار النيات.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :