إن تاريخ الإباء غير نائم، يكتب عن أرضنا.. أرض الملاحم

إن تاريخ الإباء غير نائم، يكتب عن أرضنا.. أرض الملاحم

 

Telegram

 بتول أرسلان 

“إن تاريخ الإباء غير نائم، يكتب عن أرضنا.. أرض الملاحم”

بهذه الكلمات يُفتَح المشهد على جنوب لبنان، حيث لم تكن القرى الحدودية يومًا مجرد خطوط تماس، بل كانت ساحة تاريخ يُكتب بالدم والصبر، وموطن ذاكرة لا تعرف النسيان.
منذ عامين، دمّرت هذه القرى بالكامل، نزح أهلها قسرًا إلى مناطق أخرى، تاركين خلفهم بيوتًا مهجورة، شرفات خاوية، وأزقة صامتة لم تعد تسمع صوت خطوات الأطفال ولا ضحكات النساء. فيما لا يزال الاحتلال الإسرائيلي يواصل تفجير ما تبقّى من منازلها، كأن الحرب لم تشبع من الحجر بعد، ولم تكتفِ بمحو الحياة اليومية، بل حاولت طمس تاريخ يمتدّ في صمود أهل الجنوب على مدار سنوات طويلة.

لكن وسط هذا الخراب المفتوح، لم يُهزم المعنى. هنا، في قلب الركام والدمار، كتب أهل الجنوب حكاية بطولة وصمود.. وإرادة لا تنكسر. وبين القصف المستمر، والدموع المختبئة خلف الأبواب الموصدة، يظل الجنوب عنوان صمود لا ينام، ونجاح يولد من قلب الفقد، وذاكرة لا تقبل أن تُمحى، وقلوبًا معلّقة بأمل العودة.

رؤساء بلديات الجنوب يقرعون جرس الإنذار
كشف رؤساء بلديات القرى الحدودية حجم الدمار الواسع الذي خلّفته الحرب، مؤكدين أن القرى المتاخمة للحدود مع فلسطين المحتلة ما زالت تعاني من آثار كارثية على المستويات المعيشية، الاقتصادية، والخدماتية، في ظل غياب شبه كامل للدولة وتأخر مسار التعويضات وإعادة الإعمار.

العديسة: دمار بنسبة 90%.. ونزوح 600 عائلة

رئيس بلدة العديسة محمد رمال أكد لموقع “الجريدة” أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية في البلدة بلغت نحو 90 في المئة، وطالت شبكات المياه والطاقة، خزانات المياه الرئيسية، شبكة الاتصالات، إضافة إلى تدمير المرافق العامة، من المبنى البلدي إلى عين البلدة وسواها.

وأشار رمال إلى أن نحو 600 عائلة، أي ما يقارب 1900 نسمة من أهالي العديسة، ممن كانوا يقيمون في البلدة صيفًا وشتاءً، باتوا اليوم نازحين في قرى عدة وفي بيروت، ويعيشون ظروفًا صعبة نتيجة ضعف الاهتمام الرسمي، وهو ما يظهر جليًا في كثرة الشكاوى المقدمة إلى البلدة.
كما أضاف أن المساعدات المتوافرة حاليًا تقتصر على مساعدات عينية محدودة تأتي عبر بعض الجمعيات وبواسطة البلديات المضيفة، فيما لا تزال تقديمات الجهات الرسمية “خجولة” مقارنة بحجم الكارثة.

صورة أرشيفية تظهر حجم الدمار في بلدة العديسة (صحيفة الشرق الأوسط)                                                  

أما على صعيد المحال التجارية والمؤسسات المتضررة، فلفت إلى أن المعالجة تقع ضمن صلاحيات وزارة الاقتصاد، إلا أنه لم يُسجَّل حتى الساعة أي تحرك جدي بهذا الاتجاه.

وأكد رمال أن البلدية وضعت خطة للعام الجديد ترتكز على تكثيف التواصل مع الجمعيات المحلية والدولية وبرامج الأمم المتحدة، بهدف الدفع باتجاه إعادة الإعمار وإعادة الحياة إلى البلدة.

ميس الجبل: سوق تجاري تحوّل إلى مدينة منكوبة
من جهته، قال رئيس بلدية ميس الجبل حبيب قبلان إن البلدة كانت قبل الحرب سوقًا تجاريًا كبيرًا بحجم مدينة ذات اقتصاد حيوي ومنتج، لكنها تحولت بعد الحرب إلى مدينة مدمّرة بشكل واسع.

وأشار إلى أن إرادة الأهالي بالعودة موجودة رغم المخاطر، إلا أن مقومات الصمود باتت شبه مفقودة، ما يفاقم الوضع الإنساني للمقيمين والنازحين على حد سواء. وعدّد قبلان أبرز التحديات، وفي مقدمتها الخروقات والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، غياب التعويضات، تأخير الإعمار، غياب الدولة ومؤسساتها، قلة فرص العمل، تدهور القطاعات الاقتصادية، وارتفاع كلفة السكن والمعيشية والتدفئة.

وأوضح قبلان أن الجهود الحالية تقتصر على مبادرات فردية محدودة الأثر، إضافة إلى جهود البلدية وبعض الخيرين وعدد قليل جدًا من الجمعيات التي تقدم مساعدات عينية بسيطة، معتبرًا أن كل هذه الجهود لا تزال غير كافية لتلبية الحاجات الأساسية.

جرافة تعمل بمربع سكني دمرته “إسرائيل” في بلدة ميس الجبل (صحيفة الشرق الأوسط)

وفي المقابل، لفت إلى خطوات بلدية سريعة، أبرزها إنشاء مجمع مدارس مؤقت في وقت قياسي حرصًا على حق الأطفال في التعليم، تأهيل حدائق عامة، وتأمين قرطاسية ولوازم مدرسية، كما أطلقت لجنة شؤون المرأة في البلدية ورش توعية ودعم للنساء، فيما تنفذ اللجنة الصحية أيامًا صحية مجانية مرتين شهريًا بالتعاون مع منظمات طبية دولية، تشمل دعمًا نفسيًا ومعاينات للأطفال والنساء والحوامل.

وشدد قبلان على أن أهالي الجنوب “يعلمون العالم معنى الصمود والإرادة في الحياة”، محذرًا من أن الهاجس الأمني المستمر وغياب الدولة وتأخير الإعمار ينعكس سلبًا على الواقع الاجتماعي والمعيشي.

حولا: زلزال دمار.. وبلدية تواجه المستحيل
أما رئيس بلدية حولا علي ياسين ، فشبّه المشهد بعد العودة إلى البلدة بـ”زلزال دمّر كل شيء”، موضحًا أن نحو 500 منزل دُمرت بالكامل، فيما تعرّضت باقي المنازل لأضرار جزئية أو تصدعات تحتاج إلى ترميم، إضافة إلى تدمير شبه كامل لمباني الخدمات العامة، من مركز البلدية والمدرسة الرسمية، إلى الدفاع المدني، النادي الحسيني، والمستوصفات.

وأكد لموقع “الجريدة” أن جميع الآليات الخدمية دُمّرت، بما فيها سيارات الإسعاف والنفايات والإطفاء ونقل الموتى، مشيرًا إلى أن “حولا دُمّرت ولم يتبق شيء.

صورة عبر الأقمار الإصطناعية تظهر حجم الدمار في بلدة حولا (أرشيفية)

وأوضح ياسين أن البلدية باشرت فورًا برفع الركام وفتح الطرقات، وعملت على ترميم مركز رعاية صحية واتخاذه مقرًا للبلدية وعيادة طبية، إضافة إلى إعادة فتح المدرسة الرسمية من الروضة حتى الصف السابع، وصيانة البئر الارتوازي الوحيد الذي نجا جزئيًا من التدمير وتأمين المياه عبر الصهاريج.

وأشار إلى تفعيل عيادة مجانية، وإصلاح شبكة الكهرباء بالتعاون مع مؤسسة كهرباء لبنان، مؤكدًا أن البلدية تعمل على تأمين الحد الأدنى من الخدمات لتشجيع الأهالي على العودة، بالتنسيق الكامل مع الجيش اللبناني، وبالاعتماد على المؤسسات الإنسانية والدولية لدعم العائدين قدر الإمكان.

الطيبة: لا بيوت بِلا أضرار.. وغياب كامل للدولة

بدوره، قال رئيس بلدة الطيبة جواد قشمر لموقع “الجريدة” إن الوضع في البلدة “غير سليم على الإطلاق”، مشيرًا إلى أن جميع منازل الطيبة تضررت بين هدم كلي وجزئي وأضرار جسيمة، ولا يوجد أي بيت خالٍ من الأضرار.
أوضح أن البنية التحتية تضررت بالكامل، بما في ذلك الكهرباء، اشتراكات المولدات، محطة النهر التي يُعمل على صيانتها، إضافة إلى تدمير خزان “العين التحتا”.

وأشار قشمر إلى أن المدارس الثلاث في البلدة (مدرستان رسميتان وواحدة خاصة) تضررت بشكل كبير، وقد أُعيد ترميم المدارس الرسمية عبر مجلس الجنوب، فيما رمّم صاحب المدرسة الخاصة جزءًا منها.

صورة تظهر حجم الدمار في مدرسة الطبية الرسمية (أرشيفية)                                                            

أما صحيًا، فأكد أن القطاع الصحي دُمّر بالكامل مع تدمير مستوصف الزهراء ومركز الانتقاء البلدي ومستوصف الشؤون الاجتماعية، ما دفع البلدية إلى إنشاء مستوصف صغير بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية.

كما قال قشمر :” إن الزيارات الرسمية شبه معدومة باستثناء زيارة وحيدة لوزير الزراعة”، معتبرًا أن الدولة “غائبة تمامًا”، ومطالبًا بإعادة الكهرباء والمياه وإطلاق ورشة إعادة الإعمار وافتتاح مركز الأمن العام.

مركبا: غياب الامان.. وبنية تحتية معدومة
ولا يختلف المشهد كثيرًا في بلدة مركبا، حيث تتقاطع معاناة الأهالي مع واقع أمني هشّ وبنى تحتية مدمّرة، إذ قال رئيس بلدية مركبا محمد حمود لموقع “الجريدة” إن شعور عدم الأمان وعدم الاستقرار ما زال يخيّم على البلدة، ما ينعكس قلقًا دائمًا لدى الأهالي ويحدّ من إمكان عودتهم الطبيعية.

وأوضح، في حديثه أن البنية التحتية في مركبا دُمّرت بالكامل، إذ لا تتوافر الكهرباء ولا المياه، كما فُقدت آليات الإسعافات والخدمات والصحية شبه خالية من مقومات الحياة الأساسية.

صورة ملتقطة حجم الدمار في بلدة مركبا (أرشيفية)                                                                          

وأشار حمود إلى أنه مع بدء عودة بعض الأهالي، باشرت البلدية بإعادة ترميم شبكات المياه بالتعاون مع مؤسسة مياه لبنان الجنوبي، وبالعمل البلدي تم تنفيذ عمليات تعبيد طرقات وإزالة الردم، على أن تُستكمل هذه الأعمال تباعًا في الأحياء والطرقات المؤدية إلى القرى الحدودية.

وأكد أن كل الخطوات التي تقوم بها البلدية تتم بتنسيق كامل مع الجيش اللبناني، لافتًا إلى أن الجيش يواكب عمليات إزالة الردم وكل الأعمال الميدانية، في إطار تعاون وتجاوب “ممتاز” يراعي السلامة العامة.

وفي ما يتعلق بالمساعدات، أوضح حمود أن المنظمات الإنسانية والجمعيات تقدّم مساعدات غذائية، إلى جانب دعم من قوات “اليونيفيل”، فيما تؤمّن جمعية “وتعاونوا” الأدوية، مساعدات مالية، ومستلزمات الحياة الأساسية ووسائل التدفئة للأهالي.

مدرسة الخيام تصمد وسط الدمار

كشف مصدر من مدرسة الخيام لموقع “الجريدة” أن إدارة المدرسة نجحت في الإبقاء على أبوابها مفتوحة رغم الظروف الأمنية والمعيشية القاسية، وذلك بفضل التعاون الكبير بين أفراد الأسرة التربوية، مؤكدًا أن الوضع الأمني، رغم هشاشته، يقتصر في الغالب على أطراف البلدة.

وأوضح المصدر أن وضع الخيام بات شبيهًا بسائر المناطق الحدودية، حيث تؤدي الأصوات الأمنية المتقطعة إلى حالة من الهلع لدى الأهالي، ما يدفعهم أحيانًا إلى طلب اصطحاب أولادهم فورًا من المدرسة، خشية تدهور الأوضاع.

وأشار إلى أن من أبرز العقبات التي تواجه المدرسة هو المبنى المشترك مع مدرسة ثانية، ما يزيد من التعقيدات اللوجستية والتنظيمية.

وفي ما يتعلق بأعداد الطلاب، أكد المصدر أنه لا تغيير يُذكر في عدد المسجّلين، إلا أن المستوى التعليمي شهد تراجعًا ملحوظًا، نتيجة تراكم الأزمات، ولا سيما التعليم عن بُعد، وعدم الاستقرار المكاني والنفسي، إلى جانب الظروف الاقتصادية الصعبة.

ولفت إلى أن لولا الأمان الهشّ لما كان من الممكن إعادة فتح المدرسة، مشيدًا بدور مجلس الجنوب وبالمساعي التي بذلها المجلس البلدي، والتي أسهمت في تأمين حدّ أدنى من البيئة الآمنة والمستقرة لاستئناف التعليم الحضوري.

وأكد المصدر أن المدرسة بحاجة إلى كل أنواع الدعم، سواء من وزارة التربية أو من الجهات المعنية الأخرى، إذ إن الحرب دمّرت مبنى المدرسة بالكامل بكل محتوياته.

واعتبر أن اللافت هو غياب الاهتمام الذي يتناسب مع حجم الكارثة، مشيرًا إلى أن مدارس في المنطقة لم تتعرض حتى لكسر لوح زجاج واحد تحصل على التقديمات العينية نفسها التي تُمنح لمدرسة الخيام.

وشدد على أن المدرسة تحتاج إلى تجهيزات شاملة، إضافة إلى برامج دعم نفسي اجتماعي، في ظل حاجة الطلاب إلى مساندة أكاديمية ونفسية وتربوية متكاملة تعوّض ما فاتهم خلال سنوات الأزمات المتلاحقة.

طلاب مدرسية الخيام الرسمية يحملون الدفاتر وسط الركام (أرشيفية)                                          

كما كشف المصدرنفسه أن هذه الظروف ضاعفت حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقه، في وقت كان هو نفسه بأمسّ الحاجة إلى الدعم على المستوى الشخصي..

وأشار إلى أن أصعب قرار اتخذه كان العودة إلى التعليم الحضوري داخل مدرسة مدمّرة، لم يبقَ فيها أي نوع من التجهيزات، باستثناء سبع غرف تحتاج إلى ترميم، وفي بلدة منكوبة تفتقر إلى البنى التحتية ومقومات الحياة، وذلك فور انتهاء هدنة الـ66.

حين يصبح التعلم معركة بحد ذاته

كشف مصدر من مدرسة العديسة لموقع “الجريدة” أن الطلاب تأثروا نفسيًا ومعنويًا بشكل كبير نتيجة الاعتداءات ونزوح الأهالي، ما تسبب في حالة خوف دائم وضعف التركيز لديهم، إذ أصبح الترقب المستمر للأحداث يشغل جزءًا من اهتمامهم ويؤثر سلبًا على مستوى تحصيلهم العلمي.

وأوضح المصدر أن أكثر ما يحفز الطلاب على الاستمرار في التعلم هو توفير بيئة تعليمية آمنة وصالحة، مع منحهم مساحة كافية للأنشطة التربوية والترفيهية، إضافة إلى برامج دعم نفسي وتربوي تساعدهم على مواجهة آثار النزوح والدمار.

وكشف المصدر أن المدرسة اضطرت لإغلاق أبوابها مؤقتًا، واعتمد قسم كبير من الطلاب على التعليم عن بُعد، بينما التحق القسم الآخر حضورياً ببعض المدارس الرسمية القريبة من مناطق سكنهم.

صورة أرشيفية تظهر حجم الدمار في بلدة العديسة (جريدة الأخبار)

وأشار إلى أن كليهما واجه صعوبات كبيرة، منها مشاكل في الإنترنت والكهرباء وعدم توفر الكتب المدرسية، بالإضافة إلى تحديات النقل وتغيير أماكن السكن، ما انعكس سلبًا على التحصيل العلمي رغم جهود الهيئة التعليمية والإدارية قائلاً:” مبنى المدرسة تضرر بشكل كبير ويحتاج إلى الترميم وإعادة بناء القسم الكبير منه “الذي تهدم بفعل التفجيرات..

وأكد المصدر نفسه أن المدرسة لم تتلق أي دعم من الجمعيات أو الجهات الرسمية بسبب موقعها غير الآمن، في حين تم ترميم باقي المدارس المتضررة والبعيدة عن الحدود بواسطة مجلس الجنوب، ما أثر إيجابيًا على الطلاب فيها، فيما المدارس المدمرة كليًا ما تزال تنتظر إعادة الإعمار الكامل.

من كفركلا إلى صدارة لبنان

أكدت رباب فارس، الحائزة على المرتبة الأولى في لبنان، لموقع الجريدة” إن عامها الدراسي تزامن مع بداية جبهة الإسناد، حيث كانت “تتابع دراستها في معهد النبطية، قبل أن تفرض الحرب واقع النزوح القسري من بلدة كفركلا نحو بيروت.

وأشارت إلى أنها في المرحلة الأولى لم تتمكن من متابعة دروسها أو الانتظام في المعهد، وكانت تعود إلى كفركلا وتقضي فيها أيامًا رغم خطورة الأوضاع.

وأضافت فارس أنها لم تكن على دراية بالمواد التي تُدرَّس خلال تلك الفترة، قبل أن تنتقل لاحقًا إلى بلدة النبطية وتعود إلى المعهد، حيث عملت على تحصيل أكبر قدر ممكن من المعلومات استعدادًا للامتحانات الرسمية، رغم الظروف القاسية التي عاشتها، لافتة إلى أن منزل عائلتها كان أول منزل في كفركلا يتعرض للقصف، واستُشهد عدد من أقربائها.

وقالت لموقع “الجريدة” إن الشعور بعدم الأمان، وأصوات الغارات، وأخبار الاستشهاد، كانت ترافقها يوميًا، في ظل حالة ضياع وخوف دائم، معتبرة أن الهدنة شكّلت بصيص أمل، رغم تدهور الأوضاع يومًا بعد يوم.

وكما اكدت أن هذا النجاح لا يُسجَّل باسمها الشخصي فقط، بل باسم بلدة كفركلا، قائلة إن ظهور اسم فتاة من بلدة حدودية في المرتبة الأولى على لبنان، رغم التهجير والمعاناة والاستشهاد، شكّل مصدر فخر لأهالي البلدة، وأضافت :” رفعتيلنا راسنا… نحن أقوياء، صامدين، نحنا قدمنا شهداء وأراضي وعم نقدم علم”.

حجم الدمار في بلدة كفركلا (أرشيفية)

وأشارت إلى أن طلاب القرى الحدودية، ورغم الحرب والدمار والتهجير، حصدوا مراتب متقدمة على مستوى لبنان، معتبرة ذلك فخرًا وطنيًا في وجه العدو الإسرائيلي، وقالت:” شوف يا عدو نحنا مين، نحنا شو منقدر نعمل، لو دمرت الدنيا فوق راسنا نحنا صامدين”
وبعد نيلها المرتبة الأولى، شددت فارس على أنها لن تتوقف عند هذا الإنجاز، مؤكدة عزمها على متابعة اختصاصها واستكمال مسيرتها المهنية، رغم اضطرارها للابتعاد عن أهلها، في وقت لا تزال بلدتهم كفركلا تعيش تحت وطأة الاحتلال. وقالت إن هدفها الوصول إلى مرحلة ترفع فيها رأس أهلها وبلدتها، مؤكدة: لا حرب ولا اعتداءات قادرة على إيقافها.

ووجهت من القلب إلى طلاب الجنوب، وخصوصًا أبناء القرى الحدودية الذين ما زالوا يعانون من النزوح وانعدام الاستقرار، داعية إياهم إلى عدم السماح لأي ظرف بعرقلة مسيرتهم التعليمية، وقالت:”العدو بدو نكون مكسورين وضعاف، بس كل اللي عم يعملوه بالجنوب عم يزيدنا عزيمة وإصرار ،
مؤكدة أن “كل ما حاول العدو يخلينا صعفاء نخنا ما رح نستلسم بوجه مسيرتنا الدراسية”

من العديسة وبليدا والخيام.. قرى مدمرة وأرواح معلقة بإنتظار العودة
في شهادات إنسانية مؤثرة تعكس حجم المعاناة التي يعيشها أبناء القرى الحدودية، نقل مواطنون من عديسة وبليدا والخيام لموقع الجريدة” تفاصيل النزوح القسري، وانعكاس الحرب على حياتهم النفسية والتعليمية والاجتماعية، وسط استمرار الاعتداءات وغياب الأفق الواضح للعودة..

وقال علي فقيه من بلدة العديسة لموقع الجريدة: “عندما غادرنا عديسة، شعرت وكأن جزءًا مني قد انفصل عنّي، كأن روحي تركت جسدي. تركنا طفولتنا وأزقة لعبنا وذكرياتنا الجميلة، لكن عديسة ستبقى دائمًا في القلب. ارتباطنا بها عميق؛ أرضها وترابها ومياهها تمثل حياتنا وروحنا، ومهما ابتعدنا ستبقى عديسة فينا، ولا تهدأ أرواحنا إلا بالعودة إليها”.

وأضاف أنّ الحرب أثّرت بشكل مباشر على مسيرته التعليمية والمهنية، موضحًا“كنت أتابع دراسة الماجستير خلال الحرب، لكن التركيز كان صعبًا في ظل القلق المستمر على القرية والدمار والغارات،  كما أن عملي كمدرس في قرية حدودية أصبح مستحيلًا، واضطررنا إلى التعليم عن بُعد بعيدًا عن طلابنا. ورغم توفر فرص عمل أكثر في المدينة، تبقى الغربة قاسية، خاصة مع صعوبة التنقل وتراجع الدخل مقارنة بما كنا نعيشه في عديسة. ومع كل ذلك،إستطعنا إكمال دراستنا بإصرار.

صورة عبر الأقمار الإصطناعية تظهر حجم الدمار في بلدة العديسة (أرشيفية)

وفي رسالة مباشرة، شدد فقيه على ضرورة التحرّك العاجل، قائلًا : نطالب بالانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة في عديسة، ووقف كل أشكال الاستهداف من غارات ومسيرات وتفجيرات، وهي خروقات واضحة لوقف إطلاق النار كما نطالب بإعادة إعمار سريعة وتسهيل عودة الأهالي، فبلدتنا اليوم مهجورة، والعودة باتت حاجة إنسانية ملحّة”..

كما قال : “لا أستطيع أن أبني حياة حقيقية خارج عديسة، أول ما سأفعله هو إعادة بناء القرية، بيتًا بيتًا وشارعًا شارعًا. رسالتي للشباب أن يتمسكوا بأرضهم ووطنهم، وألا يتركوا العلم رغم الحرب و أبناء الجنوب أثبتوا أنهم قادرون على التألق، فالأرض تكبر بأبنائها، وسنعود”..

من جهتها، قالت إسراء غازي من بلدة بليدا لموقع “الجريدة”: “فقدنا كل شيء تقريبًا. منازلنا دُمرت بالكامل، وكل ذكرى جميلة تحولت إلى رماد. الصور، الأثاث، تفاصيل الطفولة، وحتى بعض الأقارب والأصدقاء، بعضهم لا نعرف مصيرهم حتى اليوم. هذا الفقد جعل حياتنا اليومية صعبة للغاية، ولم يعد الشعور بالأمان موجودًا في أي مكان”.

وأضافت أنّ الأثر النفسي كان بالغًا، قائلة: “نعيش يوميًا بين الحزن والقلق، والنوم بات صعبًا بسبب الكوابيس. نشعر أحيانًا وكأننا منفصلون عن الواقع. عائلتي تحاول التأقلم، لكن التعب النفسي واضح على الجميع، والعيش في أماكن مؤقتة لا يوفر الحد الأدنى من مقومات الحياة.

صورة توثق حجم الدمار في بلدة بليدا (وسائل تواصل إجتماعي)

وأشارت غازي إلى أن أصعب لحظة عاشتها كانت أثناء مغادرة البلدة، موضحة: “بعد تفجير معظم المنازل، شعرت بعجز كامل. لم نكن نعرف إلى أين نذهب، وكل ما حولنا يحترق. الخوف على إخوتي كان مضاعفًا، وأكثر ما آلمني أن أرى عائلات تفقد كل شيء أمام عينيّ دون أن أستطيع مساعدتها.”

أما فاطمة عطوي من بلدة الخيام، فقالت لموقع “الجريدة” إنّ الحياة تغيّرت جذريًا بعد الاعتداءات الأخيرة، مضيفة: “شعرت أن الأرض التي نشأت عليها لم تعد آمنة. أصعب لحظة كانت عندما سقطت القذائف قرب منزلنا، ورأيت الخوف في عيون أهلي وسمعت صراخ الجيران. منذ ذلك اليوم، لم يعد النوم سهلًا، وكل صوت مفاجئ يعيد الخوف من جديد”..

وأضافت: “أفتقد كل ما كان يجعل الخيام بيتًا دافئًا: الشوارع، السوق، أصدقاء الطفولة، وروائح المنزل الذي أصبح أطلالًا. أفتقد الطمأنينة وبساطة الحياة التي تحولت إلى قلق دائم.

طفلة تلعب وسط الركام في بلدة الخيام (صحيفة الشرق الأوسط)

وأوضحت أنّ النزوح أثّر بشكل مباشر على تعليمها وحياتها الاجتماعية، قائلة: “الدراسة أصبحت متقطعة بسبب التنقل والخطر، والعلاقات الاجتماعية تراجعت بعدما تشتت الأصدقاء. هذه الظروف جعلتني أقوى نفسيًا، لكنها أرهقت قلبي، ودفعتني لمواجهة واقع قاسٍ في سن مبكرة”.

ووجهت عطوي رسالة قائلة فيها:”نحن لسنا أرقامًا في تقارير. نحن بشر نريد أن نعيش بسلام، أن ندرس بلا خوف، وأن نعود إلى بيوتنا. أحلم أن تعود الخيام وطنًا آمنًا لأبنائها، مكانًا للحياة لا للدمار..

الحرب لا تنتهي بانتهاء القصف، بل تبدأ فصولها الأثقل في ذاكرة الناس وحياتهم اليومية. هنا، يُختبر الإنسان في بيته، في مدرسته، في عمله، وفي قدرته على الصمود بلا سند. شهادات الأهالي والطلاب والبلديات لا تروي فقط حجم الدمار، بل تكشف حقيقة الغياب الطويل للدولة، وتأجيل العودة، وترك الإنسان وحيدًا في مواجهة الخوف والانتظار. ومع ذلك، لم تُكسر الإرادة. الجنوب الذي قدّم الشهداء، واحتمل النزوح، وأنجب المتفوّقين رغم الركام، لا يطلب تعاطفًا بل اعترافًا بحقه في الحياة. فالعودة ليست حلمًا، بل ضرورة إنسانية، وإعادة الإعمار ليست منّة، بل مسؤولية. وبين الركام والذاكرة، يكتب أبناء القرى الحدودية روايتهم الأخيرة: هنا كنا، وهنا سنعود… مهما طال الطريق.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram