كتب رشيد حاطوم
رئيس تحرير موقع "Icon News"
حسان صقر: باكورة الترشيحات النيابية… حين يتحوّل القومي إلى نسخة باهتة عن سياسة النظام
خروج عن النهضة… وانزلاق إلى هوامش اللعبة الطائفية
قراءة نقدية في خطاب وممارسة حسان صقر
ليس الانقسام داخل الحزب السوري القومي الاجتماعي خلافًا في النهج أو الفكر، بقدر ما هو صراع أشخاص ومواقع نفوذ داخل المحور الواحد؛ خلاف بين مرجعيات تتنازع السلطة لا المشروع. ومن هذا المنطلق، لا يمكن مقاربة ظاهرة حسان صقر وخطابه الإعلامي إلا بوصفها أحد تجليات هذا التفكك، لا حالة استثنائية خارجة عنه.
فحملته الانتخابية، التي انطلقت قبل أن يعلن أي مرشح آخر في لبنان دخوله السباق النيابي لعام 2026، تكشف اندفاعًا متسرّعًا نحو منطق الانتخابات، وانفصالًا واضحًا عن المفاهيم التأسيسية للحزب القومي الاجتماعي التي أرساها أنطون سعاده. إذ يظهر هذا المسار انجرافًا متزايدًا نحو السياسة اللبنانية التقليدية، الخالية من أي مضمون قومي–اجتماعي، والمجرّدة من بعدها الصراعي النهضوي.
لقد أسّس أنطون سعاده الحزب ليكون حركة نهضوية شاملة، لا منصّة إعلامية، ولا إطارًا انتخابيًا، ولا ذراعًا لأي قوة طائفية في نظام طائفي. وحدّد بوضوح أن القومي الاجتماعي لا يتعاطى السياسة بوصفها إدارة مصالح فئوية أو تسويات ظرفية، بل باعتبارها صراعًا وجوديًا على هوية الأمة ووحدتها ودورها الحضاري.
وعليه، فإن الخطاب الذي يتجاهل هذا البعد، ويستبدله بلغة عمومية فضفاضة أو بمفردات السياسة اللبنانية السائدة، يشكّل خروجًا صريحًا عن جوهر النهضة. فبينما يغيب أي مشروع أو برنامج انتخابي حزبي واضح، يُسوّق حسان صقر لخطاب انتخابي شخصي، يخوض فيه منافسة مع ذاته بدل أن ينخرط في حوارات وندوات تعريفية بالحزب وبرنامجه. وتتحوّل الحملة إلى نشاط فردي يتكئ، عشية الاستحقاق، على التقديمات النقدية والخدمات المختلفة، في سلوك أقرب إلى الزبائنية الانتخابية منه إلى العمل العقائدي المنظّم.
وما يلفت في مواقف حسان صقر الإعلامية هو الغياب شبه الكامل للمفاهيم القومية الأساسية: لا حديث عن الأمة بوصفها وحدة حياة، ولا عن الصراع القومي في مواجهة المشروع الصهيوني كصراع تاريخي وجودي، ولا عن النظام الطائفي كأداة تفتيت، ولا عن الدولة القومية الاجتماعية كبديل نهضوي. في المقابل، يطغى خطاب واقعي تقليدي يختزل السياسة في توازنات داخلية وتسويات ظرفية ولغة “إدارة الممكن”، وهي اللغة ذاتها التي حذّر سعاده مرارًا من السقوط فيها.
الأخطر أن هذا الانجراف لا يقتصر على الخطاب، بل يطال وظيفة القومي الاجتماعي نفسها: من حامل لمشروع تغييري نهضوي، إلى مشارك في مشهد سياسي مأزوم، يعيد إنتاج نفسه ويفرغ أي مشاركة فيه من معناها القومي. فالقومي الاجتماعي، وفق فكر سعاده، لا يطلب الاعتراف من النظام القائم، ولا يسعى إلى التكيّف معه، بل يعمل على تفكيكه فكريًا وتاريخيًا وبناء البديل.
ومن هنا يبرز التناقض الفاضح في مواقف حسان صقر، حين يدعو – من موقع يفترض أنه ثوري رافض للتفاوض مع العدو – إلى “تحصين موقف الدولة لكي تتمكن من التفاوض”، ويسترسل في خطاب مائع يدعو إلى “الالتفاف حول موقف رئيس الجمهورية لتقوية الجبهة الداخلية”. وأي قومي اجتماعي يدرك أن خطاب رئيس الجمهورية وحكومته يتناقض جذريًا مع الخطاب القومي الصحيح، ولا يرقى لا إلى المستوى الوطني ولا، بالأحرى، إلى المستوى القومي المطلوب. فكيف يُطلب الالتفاف حول مواقف تُناقض جوهر النهضة؟
وتزداد الصورة وضوحًا عند التوقف أمام الشكل والمضمون معًا: فحملة المرشح “القومي” تخلو من أي إشارة جدية إلى الحزب أو زعيمه أو حتى شعاره. تغيب المقاومة ومنطق الصراع، في محاولة توحي بالخجل من الهوية الحزبية، يجري طمسها لمصلحة هوية ملتبسة صُرفت أموال طائلة على تصنيعها، تحت عناوين جديدة كـ“نهضة الكورة” و“منصة المواطنة”. حتى التحية الحزبية “تحيا سورية” جرى تجنّبها، إلى حد استهلال كلمة في احتفال تأسيس الحزب في أميون بعبارة “مسا الخير”، ما أثار استياءً واسعًا في صفوف القوميين الاجتماعيين.
إن الظهور الإعلامي بحد ذاته ليس موضع إشكال. الإشكال يكمن في مضمون ما يُقال، والموقع الفكري الذي يُقال منه، والمشروع الذي يخدمه. وعندما يغيب الخطاب القومي الواضح، لتحلّ مكانه عبارات مطاطة لا تختلف عن خطاب الجمعيات والمنظمات غير الحكومية والقوى التقليدية، يتحوّل هذا الظهور إلى مساهمة – عن قصد أو عن غير قصد – في تعويم الواقع القائم، لا في مواجهته.
إن هذا النقد لا يستهدف الأشخاص، بل يهدف إلى حماية النهضة من التمييع، وصون فكر سعاده من الاختزال أو الاستخدام الانتقائي. فالحزب ليس ملكًا لأحد، ولا يُختصر باسم أو موقع، بل هو أمانة فكرية ونضالية. وكل من يتصدّر المشهد باسمه، مطالب بأن يكون أمينًا على هذه الأمانة، لا أن يفرغها من مضمونها.
من هنا، فإن مواجهة هذا الانحراف الفكري والسياسي ليست ترفًا تنظيميًا، بل ضرورة نهضوية. والعودة إلى سعاده ليست شعارًا يُرفع، بل التزامًا فكريًا وسلوكيًا يبدأ من الخطاب ولا ينتهي عند الممارسة. فإما أن نكون حركة نهضة وصراع، أو نتحوّل – كما حذّر سعاده نفسه – إلى “أفراد يتعاطون السياسة بلا قضية”.
في كواليس الحزب، لا يُقرأ هذا المسار بوصفه اجتهادًا انتخابيًا أو “تطويرًا” في الخطاب، بل كمؤشر مقلق على محاولة إعادة تعريف القومي الاجتماعي بما يتلاءم مع شروط النظام لا مع متطلبات الصراع. فالسؤال الذي يتردّد همسًا بين القوميين ليس عن فرص الفوز ولا عن حجم الأصوات، بل عن الثمن الفكري المدفوع سلفًا: هل المطلوب إيصال نائب إضافي، أم تدجين فكرة بكاملها؟
المفارقة الأخطر أن هذا الخطاب “الناعم” يأتي في لحظة إقليمية تعود فيها لغة الصراع إلى الواجهة، بينما يُدفع القومي الاجتماعي – أو بعض من يتصدّر باسمه – إلى التماهي مع مفردات التسوية وإدارة الممكن. وهنا يستعيد القوميون الاجتماعيون تحذير أنطون سعاده المبكر من تفريغ النهضة من بعدها القتالي، حين قال بوضوح لا لبس فيه:
> “علاقتنا باليهود ليست علاقة سلام ولا تعايش، بل علاقة صراع: النار بالنار، والحديد بالحديد.”
قولٌ لا يُستحضر للتعبئة الخطابية، بل ليذكّر بأن الصراع ليس تفصيلاً قابلًا للتأجيل، ولا بندًا تفاوضيًا، بل جوهر العقيدة. ومن يتجاوز هذا الجوهر، أو يحاول تمييعه تحت عناوين براقة ومنصّات مُلفّقة، إنما يضع نفسه – عن قصد أو عن جهل – خارج منطق النهضة، ولو ارتدى اسمها.
وفي مكان ما من هذا المشهد، يتنامى قلق صامت: هل نحن أمام حملة انتخابية، أم أمام محاولة منهجية لإعادة إنتاج القومي الاجتماعي كنسخة مهذّبة من سياسيي النظام؟ سؤال لا يُطرح علنًا بعد، لكنه يضغط بثقله على كل خطاب، وكل صورة، وكل كلمة تُقال باسم الحزب… أو خارجه.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :