” مافيا المال تحاصر الإصلاح: معركة قانون الفجوة بين البرلمان والمصارف

” مافيا المال تحاصر الإصلاح: معركة قانون الفجوة بين البرلمان والمصارف

 

Telegram

بينما تدخل الأزمة المالية في لبنان عامها السابع بلا محاسبة حقيقية، يطفو على السطح مجددًا مشروع قانون الفجوة المالية كإطار قانوني منتظر لتحديد المسؤوليات وتوزيع الخسائر. غير أن القراءة الدقيقة لبنود المشروع، كما ورد من الحكومة، تُظهر محاولة لتقنين الخسائر بدل معالجتها، وترك الباب مواربًا أمام المصارف للهروب من تحمّل المسؤولية الفعلية عن الانهيار. فالقطاع المصرفي الذي راكم أرباحًا ضخمة من الهندسات المالية وسهّل تهريب الأموال في عزّ الأزمة، لم يقدّم خطة جدية لإعادة الرسملة أو الإصلاح، بل سعى لإفراغ مشروع القانون من مضمونه، والضغط لتعديل بنود تمس أرباحه ومصالحه. ومع النقاش المرتقب في مجلس النواب، تُطرح أسئلة جوهرية حول الاتجاه الذي ستأخذه التعديلات: هل نحو تعزيز العدالة المالية وحماية المودعين؟ أم نحو تمييع المحاسبة وترحيل الكلفة عن أصحاب النفوذ؟

 المحلل الاقتصادي علي نور الدين يجيب عن دور المصارف في تحمّل الخسائر؟ فأوضح أن القانون يُحدّد بوضوح تراتبية الحقوق وتحميل الخسائر، حيث يتحمّل المساهمون في المصارف الشريحة الأولى من الخسائر. وإذا بقي جزء من رأسمال المصرف إيجابيًا ضمن الشريحة الأولى (أي الأسهم)، يُشطَب بالكامل، ويُلزَم أصحاب المصارف بإعادة رسملة مؤسساتهم عبر ضخ أموال نقدية جديدة تؤسس لقاعدة رأسمالية تُمكّنهم من الاستمرار.

من جهة أخرى، يأخذ القانون في الاعتبار الأرباح المتأتية من الهندسات المالية، ويُلزم بالتدقيق فيها، ما يفتح الباب أمام ملاحقة المصرفيين الذين راكموا أرباحًا مفرطة عبرها. وهنا يُطرح سؤال محوري: كيف يمكن تحميل المصرفيين مسؤولية أكبر؟

القانون ينصّ على أن الأموال التي حوّلها أصحاب المصارف إلى الخارج بعد 17 نيسان 2019، أي خلال فترة تُعتبر “زمن الريبة” نظرًا إلى إدراكهم آنذاك لقرب الانهيار، يجب إما إعادتها بالكامل أو دفع غرامة بنسبة 30% من قيمتها. وهناك مطالب متزايدة اليوم برفع هذه النسبة، وهو اقتراح مشروع يجب العمل عليه.

كذلك، يشمل القانون بندًا يُلزم بالتدقيق في ميزانيات المصارف لمراجعة الأرباح والمكافآت التي وُزِّعت قبل العام 2019، خصوصًا تلك التي تُعدّ مفرطة. ويشمل ذلك أنصبة الأرباح والمكافآت التي حصل عليها كبار المصرفيين. غير أن القانون لا يحدّد حتى الآن نسبة واضحة لتعريف “الربح المفرط”، ما يستدعي تدخلًا تشريعيًا لتحديد معيار دقيق (مثل أرباح تفوق 2% من قيمة السهم)، بما يضمن محاسبة عادلة وتحميل المصارف ومجالس إدارتها ما تستحقه من مسؤولية.

وتابع نور الدين: في مشروع القانون، يُفترض التمييز بين شرائح الودائع. فبالنسبة للودائع التي تقل عن 100 ألف دولار، لن يتحمّل أصحابها أي خسائر، بل ستُعوّض بالكامل، بما في ذلك الودائع التي تم تحويلها من الليرة إلى الدولار، أو تلك التي نُقلت بين الحسابات، مع الفوائد. هذه الفئة تشمل صغار المودعين وبعضًا من متوسطي الودائع، أي من يملكون ما يصل إلى 100 ألف دولار أو أقل بقليل.

أما الودائع التي تفوق هذا الحد، فسيُعوّض جزء منها عبر سندات تُسدّد على مدى 10 سنوات، ما يعني تآكلًا فعليًا في قيمتها بفعل التضخم وانهيار العملة. وهذا مؤسف، إذ إن المودعين هم من يتحمّلون الكلفة الأثقل لانهيار النظام المالي، رغم أنهم لم يشاركوا في صناعته. فغياب السيولة اليوم هو نتيجة ست سنوات من دون خطة إنقاذ، ما أدى إلى تآكل القدرة على حماية الودائع. كانت الدولة قادرة على ضمان 500 ألف دولار لكل وديعة، أما اليوم فبالكاد تضمن 100 ألف. الخسارة يتحمّلها المودعون، والتدرّج في ردّ ودائعهم ليس خيارًا بل نتيجة حتمية لغياب الحلول الفعلية.

وتحدث نور الدين عن وجود فئات من المودعين تستحق إنصافًا أكبر. كأصحاب تعويضات نهاية الخدمة التي تتجاوز 100 ألف دولار، وقد اضطروا إلى تحويل أموالهم من الليرة إلى الدولار داخل النظام المصرفي بهدف حماية مدّخراتهم من التآكل، يُصنّفون اليوم ضمن فئة “الودائع غير النظامية”، وكأنهم استفادوا من تحويلات استنسابية غير عادلة، في حين أن ما قاموا به كان بدافع الضرورة، لا الامتياز، نظرًا لعجزهم عن سحب أموالهم بالليرة.

الأمر نفسه ينطبق على صناديق التعاضد، التي يتم التعامل معها كودائع تفوق 100 ألف دولار، من دون مراعاة طبيعتها الخاصة أو وظيفتها الاجتماعية. من هنا، يصبح من الضروري أن يتضمّن النقاش النيابي استثناءات واضحة ومُنصفة لهاتين الفئتين.

وعن غياب أي إجراءات قانونية أو محاسبية بحق المصارف المخالِفة، قال: “للأسف الشديد، نحن لا نتحدث فقط عن مصارف مخالِفة، بل عن حاكم مصرف لبنان السابق نفسه، المتورط في ملفات كبرى، ومع ذلك بقي التحقيق محصورًا ضمن إطار ضيّق، ولم يتوسّع ليشمل أبرز القضايا المرتبطة به. أما المصارف، فقد فُتحت بحقها قضايا عدة، لكنها أُقفلت واحدة تلو الأخرى. فمن دون تقديم أي تبرير لهذا التقاعس، يجب التأكيد أن القوانين النافذة كافية لمحاسبة المصارف وأصحابها على جرائم واضحة، مثل الاحتيال، التلاعب بالميزانيات، الحجز الاستنسابي على أموال المودعين، وتهريب الأموال إلى الخارج لجهات محددة. هذه أفعال يعاقب عليها القانون، ولا تحتاج إلى قوانين جديدة، بل إلى إرادة سياسية وقضائية. يتضمّن مشروع قانون الفجوة المالية مادة تُلزم باستكمال التدقيق الجنائي، لكن يبقى السؤال: هل ستصمد هذه المادة في الصيغة النهائية التي سيقرّها مجلس النواب؟ أم سيتم التراجع عنها مجددًا كما حدث في محطات سابقة؟

الأهم من ذلك، أن ربط المحاسبة بحل أزمة الودائع هو خطأ جسيم، لأنه يؤخر العدالة ويضرّ بحقوق المودعين. فالمحاسبة يجب أن تبدأ فورًا، باستخدام الأدوات القانونية المتوفرة، من دون انتظار القانون الجديد أو ربطها بأي مسار تفاوضي. فاسترداد ما أمكن من الأموال المنهوبة لا يحتاج إلى قوانين إضافية بل إلى تفعيل القوانين النافذة.

وعن الأموال المُحوّلة إلى الخارج، ذكّر بأن القاضي ماهر شعيتو، وبمعزل عن مسار القانون، وجّه طلبات رسمية إلى المصارف لاسترجاع تلك الأموال، لكنها رفضت التعاون، متذرّعة بالسرية المصرفية. هنا، تقع المسؤولية الكاملة على عاتق القضاء والسلطات الرقابية، التي يجب أن تبرهن جديتها بعيدًا عن التصريحات الإعلامية.

أما من جهة إعادة الرسملة، فالواضح أنه لا يمكن التعويل على القطاع المصرفي للمبادرة طوعًا. على العكس، خاضت المصارف معركة شرسة لتعطيل أي بند يُلزمها بضخ أموال جديدة أو تحمّل خسائرها. وهذا ما يفرض تدخلًا تشريعيًا واضحًا لإجبارها على إعادة الرسملة.

وحرص نور الدين على التوضيح بأن القانون لا ينص إطلاقًا على “ضمان” السندات بالذهب، بل يستخدم عبارة دقيقة هي “معزّزة بموجودات مصرف لبنان”، وهو فارق جوهري لا يجوز تجاهله، لتفادي تحريف النص أو تأويله بشكل يخدم المصارف. فالذهب ليس من أموالها، ولا علاقة له بالأزمة، بل هو ملك عام وأصل استراتيجي ورثه اللبنانيون منذ ما قبل الحرب الأهلية، ويُدرج ضمن احتياطات مصرف لبنان.

أما “الموجودات” المشار إليها، فهي تشمل أملاكًا ومساهمات يمتلكها مصرف لبنان مثل كازينو لبنان، شركة إنترا، شركة طيران الشرق الأوسط، وعقارات أخرى، تُسجَّل بمعظمها على السعر الدفتري، باستثناء الذهب الذي يُحدّث سعره دوريًا. وعليه، فإن تحسين قيمة هذه الموجودات أو تصفيتها مستقبلاً قد يوفّر إيرادات تُستخدم لتعزيز قيمة السندات، لكن لا يجوز مطلقًا المساس بالذهب أو التفكير في تصفيته، لما له من أهمية استراتيجية، خاصة أنه سجّل ارتفاعًا بأكثر من 3 مليارات دولار خلال ستة أسابيع فقط، والتوقعات تشير إلى استمرار هذا الاتجاه. والأهم أن القانون ينص بوضوح على أن أي تصرّف بالذهب يحتاج إلى قرار من مجلس النواب حصراً، ما يُبقي هذا الأصل السيادي خارج أي تسوية مباشرة.

ورأى نور الدين أن لا شيء سيتغير فعليًا بشكل فوري بعد إقرار قانون الفجوة المالية، “فالمسار لا يزال طويلًا داخل مجلس النواب، إذ سيمرّ القانون أولًا عبر لجنة المال والموازنة، ثم في اللجان المشتركة، قبل أن يُعرض على الهيئة العامة. وخلال هذه المراحل، من المتوقّع أن يخضع لتعديلات جوهرية، كما جرى في تجارب تشريعية سابقة.

وأكد أن الضمان الوحيد لتنفيذ ما ورد، خصوصًا في ما يتعلّق بردّ الودائع “يكمن في صرامة التنفيذ ومدى الجدية في تطبيق القانون، خصوصًا في ما يتعلّق ببنود المحاسبة والمساءلة. أما في ما يخصّ تحميل المصارف الكلفة الفعلية، فلا يزال هناك مجال لزيادته، من خلال تحديد نسب واضحة للأرباح السابقة، ومحاسبة عمليات تهريب الأموال. ومع ذلك، من الضروري ألّا يتضمّن القانون بنودًا غير قابلة للتطبيق عمليًا، كي لا يُفرغ من مضمونه لاحقًا”.

في ما يتعلق بالسندات “المعزّزة” بموجودات مصرف لبنان، فإن مدى واقعيتها يتوقف على عوامل عدة، أبرزها: أداء الاقتصاد اللبناني في السنوات المقبلة، قدرة المصرف المركزي على تحقيق فوائض بالعملة الصعبة، تحسّن قيمة موجوداته غير الذهب، وإمكانية تصفية بعض الأصول أو خصخصتها. وبالتالي، لا يمكن اعتبار هذه الخطة مجرّد تسويف، لكنها تظل رهينة بتوافر سياسات اقتصادية واضحة وإرادة جدية في التنفيذ.

أما في ما يخص مسار مشروع قانون الفجوة المالية داخل مجلس النواب، فالحسم لا يزال مبكرًا. فالنقاشات البرلمانية ستعتمد بشكل كبير على أداء الكتل النيابية وتوجهاتها. من الواضح أن المصارف تعارض القانون بشراسة، وتخوض معركة مكشوفة لإفراغه من مضمونه، في مقابل ملاحظات جوهرية قدمها صندوق النقد الدولي تدعو إلى تعديلات أساسية في عدد من مواده. لذلك، من المؤكد أن المشروع سيخضع لتعديلات جوهرية خلال مراحله التشريعية. الكتل النيابية الكبرى ستحدد اتجاه هذه التعديلات. والسؤال الحاسم هنا: لمصلحة من ستنحاز؟ هل لصوت المودعين المتضررين، أم لضغط جمعية المصارف، أم لملاحظات صندوق النقد الدولي التقنية؟

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram