عندما يغيب سعد الحريري… ويُختصر التمثيل السُنّي بـ«أبو عمر»: سقوط الهيبة وفضيحة الوصاية الجديدة

عندما يغيب سعد الحريري… ويُختصر التمثيل السُنّي بـ«أبو عمر»: سقوط الهيبة وفضيحة الوصاية الجديدة

 

Telegram

كتب رشيد حاطوم

رئيس تحرير موقع "iconnews"

 

ليست قضية «أبو عمر» تفصيلاً عابراً في روزنامة العبث اللبناني، ولا حادثة إعلامية يمكن طيّها بتصريح أو تبرير. ما كُشف أخطر من ذلك بكثير: انكشاف فجّ لفراغ القيادة في الساحة السُنّية، وسقوط مدوٍّ لمفهوم التمثيل، وتحول السياسة إلى ملاحقة أسماء طارئة لا تملك وزناً ولا مشروعاً ولا أهلية.

في غياب الرئيس سعد الحريري، لا بصفته شخصاً بل بصفته حالة وطنية جامعة، تَرك المشهد بلا سقف. لا مرجعية تضبط الإيقاع، ولا عنوان يمنع الانزلاق. فاندفع الطامحون إلى النيابة والوزارة والرئاسة، وكلٌّ يجرّب حظه في العتمة. والنتيجة واحدة: سقوط عند أول اختبار، وانكشاف عند أول مفترق، وتحول بعض «القيادات» المزعومة إلى شهود زور على انهيار دورهم.

الفضيحة لا تكمن في بروز «أبو عمر»، فالتاريخ السياسي اللبناني مليء بالظواهر الطارئة، بل في الطريقة التي كُتب لها أن تتحول إلى محور اهتمام سياسي ودبلوماسي. أن تبلغ دولة كبرى، تملك سفيراً قديراً وموفداً خاصاً، حدّ الركض خلف اسم بلا تمثيل ولا قاعدة ولا عمق، فهذه ليست سياسة، بل ارتباك استراتيجي، وسوء تقدير فادح، وإساءة مباشرة لمفهوم الدولة والكرامة السياسية.

لكن الطامة الكبرى، التي لا يمكن القفز فوقها، هي انزلاق سمير جعجع نفسه خلف هذه الظاهرة، في مشهد يُسقط كل الادعاءات السابقة عن «الاستقلالية» و«السيادة» و«القرار الحر». فالقوى السياسية في لبنان تتداول منذ سنوات عمق العلاقة بين جعجع والسفير السعودي في بيروت، لكن ما يجري اليوم تجاوز حدود التداول إلى الوقائع. بل يذهب مصدر سياسي مطّلع أبعد من ذلك، فيؤكد أن جعجع سعى بشكل ممنهج إلى إزاحة الرئيس سعد الحريري عن موقعه، مقدّماً نفسه رأس حربة للمملكة في لبنان، وممثلاً سياسياً لها، بل ناطقاً غير معلن باسمها في الشأن السُنّي.

هذا السلوك لم يمرّ بهدوء. الشارع السُنّي، الذي يعرف جيداً معنى التمثيل ويدرك حساسية الموقع، رأى في هذا المسار محاولة فظة لمصادرة قراره، والتعدّي على موقعه الوطني، واختزال دوره التاريخي بأدوات مستعارة. فجاءت ردّة الفعل قاسية، حنقاً وغضباً ورفضاً، وإن لم تُترجم بعد في الشارع، لكنها تتراكم في الوعي العام، وتكبر مع كل مشهد إذلال جديد.

المفارقة القاتلة أن من يلاحق «أبو عمر» اليوم، ويفتح له المنابر، ويضفي عليه صفة «الحدث»، هو نفسه من كان يتهم الآخرين بتفريغ الدولة من معناها. فإذا بالفراغ يُدار، لا يُملأ، وإذا بالوصاية تعود، لا بالدبابة هذه المرّة، بل بالوسيط، وبالرسالة، وبالشخص الطارئ.

القضية إذاً ليست شخصية ولا ظرفية. هي أزمة تمثيل عميقة داخل الساحة السُنّية، وأزمة صدقية لدى من يدّعي ملء الفراغ من خارجها. فحين يغيب الكبار، لا يصعد البديل تلقائياً، بل تُختبر الأحجام، ويسقط من لا يملك وزناً، ولو علت نبرته.

كان سعد الحريري، رغم كل الملاحظات والاختلافات، خط الدفاع الأخير عن كرامة الموقع السُنّي في المعادلة الوطنية. غيابه اليوم لا يُقاس بعدد المقاعد الشاغرة، بل بحجم الانكشاف الذي سمح للآخرين بالتجرؤ على الدور، وبمحاولة إعادة إنتاج وصاية سياسية بثوب جديد.

لبنان، في لحظته الأخطر، لا يحتاج إلى وكلاء ولا إلى ناطقين ولا إلى ظواهر مصطنعة. يحتاج إلى رجال دولة يعرفون أن التمثيل لا يُختصر، وأن الطوائف لا تُدار بالهاتف، وأن الكرامة السياسية لا تُستعار.

في الصالونات المغلقة، يُقال إن ما جرى لم يكن زلّة، بل تجربة محسوبة لقياس ردود الفعل. التجربة نجحت في شيء واحد فقط: كشف هشاشة من ادّعوا القدرة على الحلول مكان الحريري. أما السؤال الذي يتردّد همساً اليوم، فهو أخطر: إذا كان هذا هو المشهد في أول اختبار… فكيف سيكون المشهد حين تُفتح الاستحقاقات الكبرى؟ وهل ما ظهر هو القاع فعلاً… أم أن ما خفي كان أعظم؟

واللافت في هذا المشهد المربك، أنّ الشخصية الوحيدة التي لم تنطلِ عليها خدعة «أبو عمر»، منذ لحظاتها الأولى، كانت من داخل بيت الحريرية السياسية نفسها. بل يتداول أكثر من مصدر سياسي أنّ السيدة بهية الحريري كانت أول من التقط الخيط الرفيع الذي قاد إلى سقوط هذه الخديعة، ورفعت إشارات تحذير مبكرة من تحويل اسم بلا وزن إلى عنوان سياسي. هذا الوعي المبكر، الذي غاب عن كثيرين ادّعوا الخبرة والحنكة، أعاد التذكير بأن الحريرية لم تكن يوماً مجرد زعامة ظرفية، بل مدرسة قراءة عميقة للتوازنات، وفهم دقيق للفارق بين التمثيل الحقيقي والظواهر المصطنعة.

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram