كتب رشيد حاطوم
في بلدٍ تُنهَش فيه مؤسسات الدولة كما يُنهش الخبز اليابس، يقف القضاء اللبناني اليوم أمام لحظةٍ مفصلية: إمّا أن يكون آخر حصون الجمهورية، أو آخر ضحاياها. ليست استقالات القضاة حدثًا عابرًا، ولا مجرّد إعلان تعبٍ من رواتب متآكلة أو مكاتب بلا كهرباء، بل هي الصرخة الأكثر رسوخًا منذ انهيار الدولة. هي اللحظة التي تخلع فيها العدالة ثوب الصمت، وتُشهِر وجهها الحقيقي: دولة تُطعن من داخلها.
لقد حاولت السلطة، طوال سنوات، تحويل القاضي إلى موظّفٍ صغير في ديوانها، وإلى ختمٍ يُستعمل عند الحاجة. لكن ما لم تتوقّعه، هو أن في لبنان ما زال هناك قضاةٌ "لا يُشترون"، لا يُهدَّدون، ولا يُعاملون كأتباع. هناك قضاةٌ ما زالوا يؤمنون بأن العدالة ليست وظيفة بل رسالة… وأن الشرف القضائي ليس تفصيلاً بل عمودًا لا تقوم الدولة من دونه.
ومع ذلك، من الظلم أن نُعمّم. فبين هؤلاء، اختبأ أيضًا "قضاةٌ فاسدون"، أو مخصيّون سياسيًا، أو مُكدَّسون في دهاليز المصالح، يفتحون الأبواب لمن يلوّح لهم بسلطة أو حقيبة أو هاتفٍ من مسؤول. هؤلاء ليسوا قضاة… هؤلاء ملفُّ اتهام يمشي على قدمين.
لكن وسط هذا الظلام، يسطع شيءٌ واحد: **ضميرٌ حيّ يشبه وطنًا كان يمكن أن يكون.**
لقد قال تشرشل ذات يوم:
“إذا ضاع القضاء… فلا يُعوَّل على أي شيء آخر.”
وما يحدث في لبنان اليوم هو التجسيد الحيّ لهذا القول: سلطةٌ تتفرّج على قضاءٍ يُذبح، وكأنها تنتقم من الدولة نفسها.
-
استقالات ليست هروبًا… بل تمرّدًا مشرّفًا
من الخطأ أن نقرأ استقالة القاضي كفعل انكسار.
الانكسار هو أن يبقى صامتًا وهو يرى يدًا سياسية تعبث بملفٍ، أو يوقّع قرارًا لم يقتنع به، أو يخضع لتوجيهات “الأقوى” في الكواليس.
الاستقالة، اليوم، هي أعلى درجات الاحتجاج.
هي أن يقول القاضي للسلطة:
“لا أريد أن أكون شاهد زور على موت العدالة.”
هي صراخ ضمير لا يملك سلاحًا.
هي رصاصة أخيرة في معركة خاسرة، لكنها معركة تُثبت أن في هذا الجسم القضائي ما زال هناك قلب ينبض.
قضاةٌ شرفاء… ولو على حافة الجوع
لا يمكن لأحد أن يطلب من القاضي، مهما كان عظيمًا، أن يبقى فوق البشر.
هو بشرٌ قبل أن يكون صاحب منصة.
يجوع، يتعب، يُهدَّد، يُحارب، يُعاقب… لكن بعضهم اختار أن يبقى "صامدًا".
هؤلاء هم القضاة الذين نستند إليهم اليوم:
من رفضوا الضغوط، من صمدوا رغم الترهيب، من لم يساوموا على ملفات حسّاسة، من وقفوا في وجه منظومات كاملة، وهم يعرفون أنهم وحدهم.
هؤلاء هم ضمير لبنان.
هؤلاء هم من يجب أن تُشاد بهم.
هؤلاء هم من يحمون ما تبقّى من فكرة الدولة.
ومقابلهم… القضاة الذين سقطوا
لا يمكن تجاهل الوجه الآخر.
هناك قضاةٌ:
* رضخوا للاتصالات
* غيّروا مسار تحقيقات
* علّقوا ملفات لأجل “المعالي” أو “الزعامة”
* باعوا توقيعهم مقابل نفوذ
* تلطّخوا حتى العظم
هؤلاء هم من أسقطوا الثقة الشعبية بالقضاء.
هؤلاء هم الذين حوّلوا العدالة إلى ورقة مساومة.
هؤلاء هم الذين يجب أن تُفضَح أسماؤهم يومًا، لأنهم خانوا السلطة الوحيدة التي لا يُسمح بخيانتها: سلطة العدالة.
السؤال الكبير: هل يمكن إنقاذ القضاء؟
نعم، إذا وُجد قرار سياسي شجاع.
نعم، إذا توقّفت السلطة عن التعامل مع القضاء كغرفةٍ خلفية لمصالحها.
نعم، إذا تمّت حماية القاضي لا محاصرته.
نعم، إذا تحوّلت الاستقالات إلى تحذير، لا إلى بداية انهيار شامل.
لكن الحقيقة المُرّة أنّ الدولة لا تفعل شيئًا.
السلطة تتفرّج.
والفاسدون يحصدون المكاسب.
والقضاة الشرفاء يُستنزفون يومًا بعد يوم.
العدالة لا تموت… ما دام لها رجال
اليوم، نقف أمام مفترق طريق:
إمّا دولة تحترم القضاء…
أو دولة تُدار كمتجرٍ للصفقات.
القضاة الشرفاء أثبتوا أن في لبنان ما زال هناك ضوء، ولو خافت.
ولكنّ ضوءهم ليس خالدًا… إذا ما تُرك وحده في هذا الظلام الكثيف.
على السلطة أن تفهم أن سقوط القضاء يعني سقوطها.
وأن إنقاذه هو الفرصة الأخيرة لإنقاذ ما تبقّى من الدولة.
فمن دون قضاة شجعان… لا حقيقة تُقال، ولا ظلم يُرفع، ولا وطن يمكن أن يقف على قدميه.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :