كتب رشيد حاطوم
ليست المرة الأولى التي يواجه فيها تيار المستقبل موقفاً انتقاصياً من رئيس حزب القوات اللبنانية، سمير جعجع. فكما أشار الأمين العام للتيار، أحمد الحريري، مؤخراً: "ليست المرة الأولى التي يحاول فيها الدكتور سمير جعجع الفصل بين الأكثرية السنية وبين قيادتها السياسية". وقد تجلّى هذا النهج مجدداً في تصريحات النائب عن الحزب، جورج عقيص، حول "المائدة" و"المواصفات" الخاصة بمرشحي الطائفة السنية في البقاع الأوسط، والتي أشعلت غضباً عارماً وكشفت عن أزمة ثقة عميقة. محاولات الحزب اللاحقة لاحتواء هذا الغضب، عبر لقاء "قب إلياس" واستعارة وجوه من الماضي، لم تكن سوى "عملية تجميل" فاشلة، لأن الجرح هذه المرة ناجم عن رؤية سياسية تعامل السنّة كهامش يمكن هندسته، وليس كشريك مؤسّس في الدولة.
كلام عقيص: خطاب وصاية يستفزّ الغالبية السنية
لم يُقرأ تصريح النائب جورج عقيص حول من "يحقّ له الترشّح" للطائفة السنية في البقاع الأوسط كزلة لسان عابرة، بل كإعلان صريح عن عقلية "قواتية" تمنح نفسها صلاحية تحديد أدوار السنّة ومواقعهم بعد غياب الرئيس سعد الحريري وتياره. هذا الخطاب، الذي أعاد إلى الساحة السياسية "خطاب الوصاية بصيغته الأكثر استفزازاً للغالبية العظمى من الطائفة السنية", أثار نقمة واسعة في البقاع وخارجه، لأنه لمس شعوراً متراكماً لدى شرائح سنية عريضة بأن جعجع يتعامل مع غياب الحريري كفرصة لملء الفراغ، لا لحماية الشراكة الوطنية.
محاولات الاحتواء الفاشلة: من "قب إلياس" إلى استعارة الوجوه
أمام حدة الغضب، سارع الحزب إلى تنظيم لقاء في بلدة "قب إلياس" بحضور النائبين عقيص وإلياس اسطفان، في محاولة لتقديمه كـ"تصحيح التباس". إلا أن المشهد بدا للكثيرين محاولة تجميل عاجلة وليست مراجعة سياسية حقيقية، لأنه لم يجب على السؤال الجوهري: بأي حق يحدد طرف سياسي مواصفات مرشحي طائفة ليست طائفته؟.
ولم تتوقف المحاولة عند هذا الحد،بل لجأت القوات إلى خطوة أكثر إثارة للجدل، تمثلت في الاستعانة بوجوه منسقة سابقة من تيار المستقبل، في سعي لإظهار أن علاقتها مع السنّة "سليمة". لكن هذه الصورة جاءت بعكس المراد، حيث فسرها كثيرون على أنها محاولة استدراك متأخرة وسعياً للحصول على "غطاء سني مفقود" في وقت يعلم الجميع أن التمثيل الشعبي لا يُستحضر من الماضي. وقد كشفت هذه الخطوة عن تناقض صارخ بين خطاب الانفتاح الذي تروّج له القوات وبين ممارسات توحي بعكس ذلك تماماً.
أزمة رؤية: السنّة شريك مؤسّس وليس تابعاً
المشكلة، في جوهرها، تتجاوز شخص النائب عقيص أو تفاصيل اللقاء. إنها أزمة في الرؤية السياسية، حيث تتعامل قيادة القوات مع البيئة السنية "باعتبارهم هامشاً يمكن هندسة دوره وفق قواعد لا يشاركون في وضعها". إن حديث "المائدة" و"المواصفات" لم يكن مجرد تفصيل لغوي، بل مؤشر على "خلل بنيوي في نظرة بعض القوى إلى شريك أساسي في البلد". فالطائفة السنية، شريك مؤسّس في الدولة، ترفض أن يُحصر موقعها على "مائدة" أحد أو أن يُقاس حجمها بمعايير الآخرين.
خلفية متراكمة: علاقة متدهورة وشرخ تاريخي
لا يمكن فهم حدة الرد السني على كلام عقيص بمعزل عن السياق التاريخي للعلاقة المتوترة بين جعجع والتيار المستقبلي. فالتوتر بين الرجلين ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة "تراكمات" سياسية بدأت منذ سنوات، حيث شعرت القوات بأنها "مستهدفة" بفعل تفاهمات الحريري مع خصومها، ورفض جعجع لاحقاً تسمية الحريري لرئاسة الحكومة. وقد بلغ هذا التوتر ذروته في سجالات علنية شخصية، حيث اختلف الرجلان حول التعاطي مع الحكومة ومع رئيس الجمهورية. هذا الشرخ العميق جعل شرائح سنية واسعة ترى في أي موقف "قواتي" استفزازي امتداداً لنهج يهدف إلى إضعاف الموقع السني الأول في الدولة، لا إلى التعامل معه كشريك أصيل.
بقي كلام عقيص، وبقي الجرح الذي كشفه. لقد فشلت محاولات معراب لاحتواء الأزمة لأن المسألة لم تكن يوماً مجرد "هفوة" يمكن تلافيها بلقاء أو صورة، بل هي أزمة رؤية تحتاج إلى مراجعة جذرية. الطائفة السنية في لبنان لا تنتظر من يحدد لها دورها أو مواصفات مرشحيها، وهي ترفض أي خطاب وصاية يأتي من أي طرف كان. الشراكة الحقيقية تُبنى على الاحترام والمساواة، وليس على "مواصفات" يضعها فريق لطائفة أخرى. وقد حان الوقت لجميع الأطراف أن تدرك أن لبنان لا يُقام بشركاء مُضعَفين، بل بشركاء أقوياء يتمتعون بكامل إرادتهم وكرامتهم.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :