بدأت الأزمة الاقتصادية في لبنان تشتد وتخنق اللبنانيين دون ان يلوح في الأفق أي نجم ينذر بنهاية الظلام الذي ينتشل البلد من عتمته ويحول دون تحول البلد إلى جزيرة معزولة عن العالم إذا ما انقطعت الاتصالات.
فمشاهد الطوابير أمام المحطات والأفران والصيدليات تعكس حجم الذل غير المسبوق الذي يعانيه الشعب، فيما تستمر السلطة السياسية في تقاذف المسؤوليات ومحاولة كل طرف تبرئة نفسه. حتى قرار رفع الدعم لم يسلم من الاستغلال السياسي، فالتيار الوطني الحر رأى ان القرار يعقّد مسار تشكيل الحكومة ويؤخر ولادتها. في المقابل، خرج حاكم مصرف لبنان عن صمته مفنداً بالوقائع والأرقام حقيقة قرار رفع الدعم وخلفياته وأسبابه، متهما رئيس التيار الوطني الحر بأنه حاكم البلد، ليرد الأخير: «لو صحيح انا حاكم لبنان، ما كنت تركتك من زمان».
حكوميا، قبيل زيارة الرئيس المكلف نجيب ميقاتي بعبدا الثلاثاء، حاملا مبدئيا، مسودة متكاملة الى رئيس الجمهورية ميشال عون، طمأن الأخير الى ان «مسار تشكيل الحكومة العتيدة سالك»، آملا ان «يخرج الدخان الأبيض قريبا». غير ان دعوة رئيس الجمهورية حكومةَ الرئيس حسان دياب الى الاجتماع استثنائيا، وضعها المراقبون في خانة المؤشر السلبي «تشكيليا».
الجيش يتدخل
في غضون ذلك، معاناة الناس للحصول على المحروقات تتجاوز الوصف. فيما يفترض ان ينعكس التفاهم الذي تم التوصل اليه بين المصرف المركزي والشركات المستوردة والمديرية العامة للنفط ويقضي بتسليم المحروقات على سعر صرف 3900 ليرة للدولار، انفراجا جزئيا، وقد بدأت تظهر نتائجه امام المحطات. كما ان تدخل الجيش وقيامه بمداهمة المحطات المقفلة ومصادرة كميات البنزين التي تمّ ضبطها مخزّنة، دفع ببعض أصحاب المحطات إلى اعادة الفتح وتزويد المواطنين بالوقود. في وقت، قالت قوى الامن الداخلي انها لن تبقى مكتوفة الايدي امام ما يعانيه المواطن.
حياة المرضى في خطر
وفي نداء استغاثة، وجّهه المركز الطبي في الجامعة الأميركية، حذر من كارثة قد تحدث بحال لم يتم تأمين المازوت اللازم لعمل المستشفى. ونشر المركز بيانا يشرح فيه المأساة التي يعيشها نتيجة انقطاع الكهرباء والمازوت، مشيرًا إلى أن 40 مريضاً بالغاً و15 طفلاً يعيشون على أجهزة التنفس سيموتون على الفور. 180 شخصًا يعانون من الفشل الكلوي سيموتون بالتسمم بعد أيام قليلة من دون غسل الكلى. ودعا إلى الحصول على الإمداد العاجل للمازوت قبل الإغلاق الإجباري غداً الاثنين.
«الإنترنت» مهدد
فيما تستمر تداعيات أزمة المازوت بتهديد القطاعات الحيوية من المستشفيات الى الأفران والإنترنت وسواها، مسرعة من تهاوي القطاعات كافة، فبسبب عدم توافر التغذية الكهربائية واطفاء المولدات الخاصة، توقفت خدمات الإنترنت والاتصالات في بعض المناطق لا سيما في عكار شمالي لبنان.
وكانت «أوجيرو» أعلنت منذ يومين عن توقف خدماتها في عكار بسبب تعذر تعبئة خزانات المازوت في عدد من المراكز الهاتفية. وبالإضافة إلى الشمال تعاني مناطق لبنانية أخرى من غياب خدمة الإنترنت. ففي منطقة حاصبيا جنوبي لبنان اطلق الأهالي صرخة مدوية بسبب الانقطاع شبه المتواصل لخدمة الانترنت العائدة لاحدى شركات الخليوي، مما انعكس سلباً على أعمال المواطنين بشكل عام.
حيث تواجه شبكات الخليوي أزمة كبيرة بسبب شح المازوت المخصص للمولدات. ويشكو الكثير من المواطنين انقطاعات متفاوتة في خدمة الانترنت الخاصة بالهواتف المحمولة ومن انقطاع الإرسال عن شبكة الاتصالات.
أعمال «أوجيرو»
مدير عام هيئة أوجيرو عماد كريدية شدد على ان وضع الانترنت مرتبط بإمكانية الحصول على مادة المازوت. موضحا ان هيئة اوجيرو وبسبب انقطاع الكهرباء المتواصل، تعتمد بشكل رئيسي على المولدات الخاصة لتسيير سنترالاتها. وفي تصريح لـ القبس أشار كريدية الى ان قرار رفع الدعم وتداعياته على توزيع المحروقات أدى الى فقدان مادة المازوت، وبالتالي لم تتمكن اوجيرو من الحصول على المازوت لتشغيل مولداتها.
أمل كريدية ان تكون الأزمة ظرفية متوقعا إيجاد حلول لها خلال الـ 48 ساعة المقبلة باستثناء بعض مناطق عكار لم يحصل انقطاع انترنت في البلد يقول كريدية ويضيف «أتوقع ان يحل موضوع توزيع المازوت هذا الاسبوع بما يمكننا من تعبئة خزاناتنا وتشغيل السنترالات كالمعتاد.. وإلا سنكون مقبلين على كارثة ليس في قطاع الاتصالات فحسب وانما بقطاعات حيوية اهمها القطاع الصحي». مؤكدا ان فلاق أوجيرو تعمل كل ما يمكن لعدم توقف خدمة الانترنت. لافتا إلى ان هذه الفرق استطاعت ان تعيد الاتصال بالانترنت في بعض المناطق من خلال تأمين كمية من المازوت لا تزال غير كافية. منوهاً الى مشكلة هي اعتراض بعض الاهالي لصهاريج المازوت المتجهة الى بعض السنترالات للاشتباه بأنها تهرب هذه المادة.
الحاكم يفند ويهاجم
وبعد الحملة التي تعرض لها واتهامه بالتفرد في اتخاذ قرار وقف الدعم، أكد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ان جميع المعنيين كانوا يعلمون بالقرار، الحكومة ورئاسة الجمهورية ومجلس النواب، وبالتالي القرار ليس كما يصوّر له. وطالب المسؤولين بالذهاب الى مجلس النواب واقرار قانون يمول الاستيراد من الاحتياطي الالزامي لتحويل الدولارات المتبقية الى مازوت وبنزين، بدل القيام بهذه «المسرحية»، متابعا: «التنظير جميل، ولكن إذا تعدى استعمال الاحتياطي الالزامي لدى البنك المركزي الخط الاحمر نكون نخالف القانون».
وردّ سلامة على النائب جبران باسيل قائلاً: «انا حاكم المصرف المركزي، ولكن رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل حاكم البلد، وانا لا اريد ان آخذ محله»، مؤكداً أنه «من غير المقبول ان نستورد 820 مليون دولار للمحروقات ولا نرى لا مازوتاً ولا بنزيناً ولا كهرباء، هذا هو الذل بحد ذاته بحق اللبنانيين، وليست المواقف المتخذة من قبلنا.
ونفى سلامة ان يكون «مغطى» من احد، لافتا الى ان احتياطي مصرف لبنان هو 14 مليار دولار اضافة الى 20 مليار دولار كموجودات خارجية.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :