تتقلّب المنطقة على صفيح ساخن في ظل التصعيد الإسرائيلي ضدّ غزة والضفة ولبنان وسوريا والهجمات الأميركية على اليمن، بالترافق مع تهديد إيران بضربة كبيرة لم يسبق لها مثيل منذ الحرب العالمية الثانية. فكيف يمكن لبنان الموجود في عين العاصفة أن يحمي نفسه؟
يحاول الكيان الإسرائيلي أن يستفيد من المرحلة الانتقالية التي يمرّ فيها الوضع اللبناني لفرض معادلات جديدة، أخطرها معادلة «بيروت في مقابل الجليل»، معطوفة على استهدافاته للمناطق الأخرى.
والمفارقة أنّ تل أبيب لم تَعُد تربط هذه المعادلة بالصواريخ فقط بل بـ«النيات» أيضاً، وهي إذا كانت في المرّة الأولى قد عمدت إلى قصف مبنى سكني في الضاحية الجنوبية وتدميره بذريعة الردّ على إطلاق صواريخ «مكتومة القيد» السياسي على شمال فلسطين المحتلة، فإنّها في المرّة الثانية استهدفت الضاحية وقتلت أحد كوادر الحزب في منزله بذريعة أنّه «وجّه مؤخّراً عناصر من «حماس» وساعدهم في التخطيط لهجوم كبير ضدّ مدنيِّين إسرائيليِّين»، وفق البيان الصادر عن العدو الذي أوحى بأنّه بات يعطي نفسه حق استهداف العمق اللبناني لمجرّد «الشبهة».
وعلى رغم من أنّ «حزب الله» لا يزال يعتمد حتى الآن سياسة «الصبر الاستراتيجي» إزاء الاعتداءات الإسرائيلية المتنقلة، إلّا أنّ العارفين يؤكّدون أنّ الحزب يحتسب لأسوأ الاحتمالات، وأنّه يستعد لمواجهتها متى لزم الأمر وطفح الكيل، لكن في الوقت الذي تجده قيادته مناسباً وليس على التوقيت الإسرائيلي - الأميركي.
ولعلّ أكثر ما يُقيّد الحزب في هذه المرحلة هو حرصه على عدم تعريض بيئته الحاضنة لأهوال الحرب مجدّداً، وسعيه إلى تجنيبها معاناة التهجير والنزوح مجدّداً، خصوصاً أنّ الواقع الداخلي والمحيط الإقليمي أصبحا أكثر تعقيداً بالمقارنة مع ما كانا عليه خلال حرب أيلول.
وبهذا المعنى، تبدو البيئة الحاضنة للمقاومة عنصر قوة الحزب ونقطة ضعفه في آنٍ واحد، بل أنّ البعض يذهب إلى حدّ القول إنّ المقاومة لم تعُد فقط هي التي تحمي البيئة الحاضنة، بل إنّ هذه البيئة أصبحت تحميها كذلك من خلال الالتفاف حولها والتمسك بها كما يؤشر نبض الأرض.
والمهمّ بالنسبة إلى الحزب الآن هو الحؤول بكل الوسائل الممكنة دون تكريس المعادلة المُحدثة التي يحاول الإسرائيلي تثبيتها، عبر تكرار الاستهدافات للضاحية والجنوب والبقاع، مع ما يتطلّبه هذا المسعى من رفع منسوب الضغوط السياسية والشعبية بالترافق مع التلويح بالعودة إلى خيارات أخرى، وفق ما نبّه الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم.
ويلفت المطلعون إلى أنّ الحزب يعتمد حالياً خيار إلقاء الحجة على الدولة اللبنانية، إذ إنّه منحها كل التفويض اللازم والفرص الضرورية لتحرير الأرض ومنع الاعتداءات بالوسائل الديبلوماسية، على رغم من معرفته سلفاً بأنّ هذه الوسائل لن تكون مجدية.
لكنّ تل أبيب وحليفتها واشنطن تُصرّان في المقابل على إحراج الدولة وإعطاء الحزب ما يكفي من الأسباب لعدم التخلّي عن سلاحه، ذلك أنّهما تعتمدان مع السلطة قاعدة «الأخذ بلا عطاء»، غير آبهتَين حتى بحفظ ماء وجهها على الأقل. فلا انسحاب من التلال اللبنانية الخمس ولا تسليم للأسرى ولا وقف لانتهاكات وقف إطلاق النار ولا فعالية للجنة الإشراف على تطبيق الاتفاق ولا تسهيل لعملية إعادة الإعمار.
في المقابل، المطلوب من الدولة وفق دفتر الشروط الأميركي - الإسرائيلي الذهاب إلى مفاوضات ببعد سياسي حول المسائل العالقة، ونزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني وشماله طوعاً أو قسراً، من غير مراعاة حساسية الوضع الداخلي المعروف أنّه هش وسريع العطب، مع تحميل تلك السلطة الطرية العود مسؤولية أي صاروخ لقيط يُطلق من الأراضي اللبنانية، فيما يتمّ تجاهل سيل الخروقات الإسرائيلية «الرسمية».
ولعلّه يمكن اختصار طبيعة التحدّي الراهن الذي يواجه لبنان بالمشهد الآتي: الدولة عاجزة والمقاومة صابرة، وما بينهما يسعى الاحتلال الإسرائيلي إلى الإمساك بالمبادرة وفرض إيقاعه على الميدان والديبلوماسية معاً.
إلّا أنّ المطلعين يؤكّدون أنّ هذه الحلقة المفرغة تظلّ قابلة للكسر في اللحظة التي يشعر فيها «حزب الله» أنّ الظرف بات مؤاتياً لتعديل قواعد الاشتباك واستخدام حق الدفاع عن النفس، إذا لم ينجح الترويض الديبلوماسي لـ«الثور الإسرائيلي» الفالت في لبنان والإقليم.
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegramنسخ الرابط :