موهوب رفيق: الثقافة العربية تواجه تحديات وجودية

موهوب رفيق: الثقافة العربية تواجه تحديات وجودية

 

Telegram

 

استطاع الكاتب الروائي الجزائري موهوب رفيق أن يصنع بصمة خاصة في خارطة الأدب المعاصر، محليا وعربيا، رغم أن إنتاجه لا يتجاوز عملين اثنين فقط هما " منام ميت" و" الهراب" واللذين يحفران عميقا في التاريخ بحثا عن "المسكوت عنه". وبينما تتناول الرواية الأولى شخصية غرائبية تشهد تحولات مذهلة، يبدو "داوود اليهودي"، بطل الرواية الثانية، مثقلا بالماضي الذي عاصرته عائلته منذ حقبة الاستعمار الفرنسي، وصولا إلى "العشرية السوداء" بفضاءاتها الكابوسية، على المستويين الشخصي والعام. في هذا الحوار، نرصد سر ولع رفيق بالتاريخ وما يحتويه من أحداث مدهشة سقط بعضها سهوا من الذاكرة الجماعية، كما نسعى لفك الاشتباك بين الإبداع الأدبي وخلفيته الصحفية كمدير تحرير وصاحب تجربة ممتدة في بلاط صاحبة الجلالة. تتناول روايتك الأولى "منام ميت" إحدى أكثر المفارقات غرابة ودراماتيكية في تاريخ الجزائر المعاصر، هل تبحث عن الغريب والمثير في أحداث التاريخ؟ يحاول دائما أن يتميز بأسلوب كتابته والزوايا التي يتناول منها قضايا التاريخ أو تلك المتعلقة بالهوية المثيرة للجدل. وأعتقد أن القارئ دائما ما يبحث عن الغريب والمثير في الروايات؛ لأن ذلك يشبع نهمه، فمثلا "منام ميت" تتناول شخصية "على الغسال" التي يهملها كثير من المؤرخين والروائيين، لكن الفترة التي حكم فيها كانت مفصلية وتشير الى انحدار الدولة العثمانية في الجزائر . وحدث العديد من التطورات دوليا والتي انتهت باستعمار الجزائر، فخلال فترة حكمه أرسل نابليون جواسيس ورسموا خرائط للبلاد، علاوة على ظروف الجزائر الداخلية. إلى أي حد يمتلك التاريخ الجزائري الكثير من المناطق "المسكوت عنها" التي تشكل، بالنسبة لك، منبعا مغريا بالكتابة الروائية؟ شخصيا أوظف التاريخ كخلفية فكرية بهدف استلهام العبر، خاصة وأن تكويني الأكاديمي يفرض عليّ ذلك التوجه حيث إنني خريج "معهد التاريخ"، بجامعة الجزائر. كما أن الفترة العثمانية في التاريخ الجزائري مهملة في المنظومة التربوية لعديد الاعتبارات منها احتفاظ فرنسا بالأرشيف الخاص بتلك الحقبة، لكنها تظل حقبة مهمة من حيث وجوب إعادة قراءتها واستخلاص الدروس، بعيدا عن نظرة المدرسة الفرنسية أو الغربية في كتابة التاريخ الجزائري. ما سر توجهك نحو الإبداع الروائي في سن متأخرة نسبيا؟ ربما كان السبب يعود إلى اكتمال فترة النضج على المستوى الفكري والذهني بحيث نستفيد من التراكم المعرفي الذى حصل في فترة الشباب، وربما عانيت فيما سبق من التردد نتيجة غياب الخبرة وعدم الثقة في النفس. لكن بمجرد صدور روايتي الأولى، تحرر القلم خاصة مع الصدى الذي لقيته في الجامعات ومختلف معارض الكتب العربية التي شارك العمل فيها. حين يتجه الصحفيون للكتابة الأدبية فإنهم يواجهون اتهاما تقليديا من نظرائهم الأدباء بأنهم يستفيدون من علاقاتهم الشخصية في الفضاء الإعلامي.. هل واجهت هذا الاتهام ولو بشكل غير مباشر؟ هي تهمة تعتبر وساما على صدري ، فالصحفي الروائي لديه قدرة على الوصول إلى أكبر عدد من الجمهور القارئ؛ نظرا لاتقانه فنون الاتصال خاصة مع شبكات التواصل الاجتماعي على نحو سمح ببروز أسماء أدبية جديدة، وكسر نمطية المشهد التي احتكرها البعض عبر نجومية مزيفة. كما أن الوسط الأدبي ليس حكرا على الأدباء فقط، فالعديد من الروائيين جاؤوا من أوساط أخرى وأبدعوا في الرواية والشعر. هل يعد توجهك نحو الكتابة الروائية مشروعا متكاملا تكرس له حياتك وتخطط له جيدا، أم أنه مجرد "نزوة عابرة"؟ مؤكد أنها ليست نزوة عابرة، أريد توظيف التاريخ وفق النظرة الجزائرية بعيدا عن المدرسة الاستعمارية في كتابة الرواية والتاريخ معا، عبر تسليط الأضواء على " نقاط الظل" في التاريخ الجزائري. أنجزت رواية حول "علي الغسال" وأنا الآن بصدد كتابة رواية حول "علي خوجة" الذي حكم الجزائر 6 أشهر وتوفي بالطاعون قبل أن يسلم السلطة إلى "الداي حسين"، آخر شخصية في العهد العثماني بالجزائر. كما أسعى إلى إبراز معاناة الشعب الجزائري بسبب الاستعمار بتناول قصص إنسانية تعبر عن القهر الذي عاشه الجزائريون طيلة 130 سنة. كيف ترى أزمة تحول الجوائز الأدبية الكبرى إلى "حكم قيمة" على الأدباء العرب حاليا، بحيث لا يتم الاعتراف بهذا الأديب أو ذاك، إلا طبقا لما حصل عليه من جوائز؟ صحيح أن الجوائز تعطي قيمة إضافية لأي روائي ينال جائزة، لكن ذلك لا يعني أن بقية الروائيين منتوجهم ردئ، خاصة وأن العديد من المؤسسات التي توزع الجوائر مطعون في مصداقيتها، لكن الجوائز ذات المصداقية والنزاهة مرحب بها. ما تأثير خلفيتك الصحفية على كتابتك الأدبية، لا سيما أن الأولى تعتمد المباشرة والوضوح عبر لغة سريعة متقشفة بينما تميل الثانية للعمق والجماليات..كيف تعاملت مع هذا التناقض؟ يميل بعض الكتاب الى التعقيد في كتاباتهم ظنا منهم أن ذلك يحدث استجابة فورية لأسئلة القارئ، لكن دمج الأسلوب الأدبي مع اللغة الصحفية يحدث إستجابة أكبر. كما أن أول درس يتعلمه الصحفي في مساره العلمي هو الاجابة عن سؤال: " لمن نكتب" والسؤال ذاته يطرحه الروائي على نفسه، هل نكتب لأساتذة الجامعة أم نكتب لجميع المستويات؟ اللغة الأدبية مهمة وتُظهر تمكن الروائي، لكن الكتابة الصحفية تساعده في الوصف والحوارات، والروائي المبدع هو من يتحكم في الاثنتين ولا يترك إحداهما تطغى على الأخرى. كيف ترى حضور الرواية الجزائرية في الأدب العربي اليوم؟ الرواية الجزائرية تحقق يوما بعد يوم حضورا لافتا في الساحة العربية، بفعل التراكم في النصوص و ظهور جيل جديد تمكن من تحقيق إسهام كبير مؤخرا. ولا ننسى أن جيلا مخضرما من الأدباء الجزائريين تميز بإبداعاته في الرواية العربية على غرار واسيني الأعرج، أمين الزاوي، رشيد بوجدرة، الطاهر وطار، وغيرهم ممن نالوا جوائز مرموقة في الجزائر وفي دول عربية وأوروبية. أخيرا، يشكو بعض الأدباء من تهميش الأدب الجزائري بسبب البعد الجغرافي عن مراكز الثقافة العربية التقليدية كالقاهرة وبيروت وبغداد ..كيف ترى الأمر؟ لا أظن أن البعد الجغرافي عن مراكز الثقافة التقليدية أضحى اليوم مطروحا بعد تحول العالم إلى قرية صغيرة بفعل شبكات التواصل الاجتماعي وكذلك الذكاء الاصطناعي. كما أن التهميش، في حالة وجوده، هو مسؤولية مشتركة بين الناشر الجزائري الذي يعتمد أساليب تقليدية في الترويج لإبداعات الأدباء، وبين المثقفين "المشارقة" الذين يحصرون الأدب الجزائري في صورة نمطية تجعله مقيدا باللغة الفرنسية. وفي النهاية، فإن الواقع الحالي يتطلب تضافر جميع المثقفين العرب، بشقيهم المشرقي والمغربي، لمواجهة التحديات التي باتت تهدد وجود الثقافة العربية على الأصعدة كافة.

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram