المدّ الأميركي.. حدوده.. وتحدياته

المدّ الأميركي.. حدوده.. وتحدياته

 

Telegram

 

عاد رئيس الجمهوريّة جوزاف عون من باريس. وعاد رئيس الحكومة نواف سلام من مكّة المكرّمة، لكن الإنجاز لم يعد، كونه مُصادَر.
لبنان مُصادَر، لا يُنظر إليه من قبل الإسرائيلي، والأميركي، والإيراني، كوطن، بل مجرّد ساحة لتصفية الحسابات. أو ورقة ضغط يحاول كلّ طرف أن يستخدمها لتحسين شروطه عند بدء المفاوضات الجديّة، حول الملفات العالقة، بغية الوصول إلى حلول ومخارج.
“حزب الله” مُصادَر. قراره ليس عنده، بل عند المرجعيّة التي تدعمه، وتُسلّحه، وتُموّله، وتنسّق معه لفتح جبهة المساندة لـ”حماس”، والعودة منها للإنخراط في جبهة المساندة لإيران في المواجهة المكشوفة مع “إسرائيل” والولايات المتحدة.
النظام العالمي مُصادَر، لم تعد شرعته طبقاً لمعايير الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، بل طبقاً لمزاجية الرئيس دونالد ترامب، وتقلّبات مواقفه بين تصعيد وتسهيد.
غادرنا الفراغ بقدرة قادر، بعد نيّف وعامين من العثث، لكن الهيمنة لم تغادرنا. لا يزال القرار الوطني مصادراً، ولم يتمكّن زعماء الطوائف من إخراج لبنان من الساحة، إلى الوطن. وما لم يتفاهم الأميركي والإسرائيلي مع الإيراني، فإن عقدة السلاح ستبقى متلازمة مع عقدة المدّ الإيراني باتجاه العواصم العربيّة الأربع.
ولبنان، المستباح بين أشداق إسرائيليّة – إيرانيّة، لم تسعفه العناية الأميركيّة لغاية الآن، لأن طموح ترامب أبعد، وأوسع، وأشمل. وليس صحيحاً أن البرنامج النووي الإيراني هو الذي يقضّ مضجعه، بل ما يؤرقه هو “الحزام والطريق” وإستراتيجيّة الزعيم الصيني شي جين بينغ في هذه المنطقة الغنيّة بالنفط، والغاز، والثروات الدفينة.
ما يؤرقه هو الإتفاق النفطي المبرم ـ ولعشرات السنين ـ ما بين بكين من جهة، وكلّ من طهران والرياض من جهة أخرى.
ما يؤرقه هو توثيق عرى التحالف بين كلّ من روسيا، وإيران، والصين. لا يستطيع رئيس “أميركا أولاً”، أن يرى تحالفاً نوويّاً يقف له بالمرصاد، قوامه دول ثلاث صاحبة إمكانات إقتصاديّة وعسكريّة هائلة.
حتى أن غيرته على أوكرانيا، وفتح أبوابه المقفلة على روسيا، ليست نابعة من اعتبارات إنسانيّة، بل من منطلقات مصلحيّة. لا يطيق ترامب أن يرى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في مكتب بطرس الأكبر يوقّع مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تحالفاً إستراتيجيّاً لمدة ربع قرن.
لا يطيق أن يرى أواصر الصداقة والتعاون تشتدّ أطنابها ما بين الرئيسين الروسي والصيني… عملاقان نوويان نافذان في مجلس الأمن الدولي، وصاحبا حق النقض “الفيتو”، يقفان سويّة في الضفّة المقابلة. إن مثل هذا التحالف يقلقه، كونه يقف مستنفراً في مواجهة جموح “أميركا أولا”.
ما يريده ترامب، بوصفه مطوّراً عقاريّاً ناجحاً، وما يطمح إلى بلوغه، من خلال توطيد علاقاته مع موسكو، هو حمل الرئيس الروسي على فكّ تحالفه مع الصيني أولاً، ومن ثم مع الإيراني، مقابل تسهيل مهمته في أوكرانيا، وحمل كييف على القبول بوقف لإطلاق النار يسمح للرئيس بوتين بضمّ الأقاليم الأربعة.
ويبدو أن الرياح الروسيّة لا تهب وفق ما يشتهي الشراع الأميركي، ذلك أن بوتين يدرس كل الخطوات والإحتمالات بتأن، ويرفض الإمتثال لكل ما يطمح إليه ترامب. وموقف موسكو واضح لغاية الآن: “أيّ تفاهم محتمل مع واشنطن حول أوكرانيا، يجب أن يكون متحرّراً من أي شروط، او أيّ نقض للتحالفات”. فهل يقبل البيت الأبيض، ويمضي قدماً بمساعيه لوقف الحرب، أم يتراجع ترامب عن موقفه، وإستطراداً عن إلتزاماته؟
والعائدان من باريس ومن مكّة المكرمة، مطالبان بتنفيذ ما وعدا به من إصلاحات، وفي طليعتها حصر السلاح بالدولة ومؤسساتها الشرعيّة. حتى أن الأميركي ـ الذي يعوّل لبنان على وساطته ـ ذهب نحو الأبعد، وطالب الحكومة بتجريد “حزب الله” من سلاحه، كي يبادر إلى إقناع “إسرائيل” الإلتزام بإتفاق وقف إطلاق النار.
ويبدو أن “الحبيب” قد عرف مكانه “فتدلّل”، ذلك أن الحزب يدرك تماماً بأن إستخدام القوّة قد يشعل حرباً أهليّة تقضي على البقية الباقية من وحدة أرض، وشعب، ومؤسسات، ولذلك يلجأ إلى مراعاة الظرف بإزدواجيّة مكشوفة. فمن جهة يقول بأنه يقف خلف الدولة، وخياراتها، ومن جهة أخرى يتمسّك بسلاحه لمواجهة الأطماع الإسرائيليّة، وحجّته أن الجيش اللبناني لا يملك السلاح للقيام بهذه المهمّة.
وتحت عباءة الإزدواجيّة هذه، تتغلغل مصالح، ومشاريع معلّبة:
أولاً، أن “إسرائيل” لا تريد أن يسلّم “حزب الله” سلاحه، كي تتخذ منه ذريعة للاستمرار في إحتلالها، وإعتداءاتها. وهي لا تريد أن تتوقف، إلاّ بعد أن تحسم إدارة ترامب أمرها، فإما مواجهة عسكريّة مع إيران تغيّر الكثير من المعادلات الراهنة، أو إلى حوار يقود إلى معالجة الكثير من الملفات العالقة.
ثانياً، أن إيران لا مصلحة لها في أن يتخلّى “حزب الله” عن سلاحه، ودوره، خصوصاً في هذه المرحلة الحبلى بالمخاطر والتحديات الأميركيّة ـ الإسرائيليّة، والتي تعكسها تصريحات ترامب الناريّة.
ثالثاً، أن الولايات المتحدة لا تريد أن تلتزم بما وعدت به، إن لجهة وضع إتفاق وقف إطلاق النار موضع التنفيذ، أو لجهة تطبيق القرار 1701. بل تذهب نحو الأبعد في تبنّي المطالب الإسرائيلية، والضغط على الحكومة اللبنانية لتجريد “حزب الله” من سلاحه كشرط مسبق للإنتقال في ما بعد إلى المفاوضات المباشرة!
وأمام هذا الكمّ من التحديات، هل من وحدة وطنيّة فعليّة لإنقاذ لبنان، قبل فوات الأوان؟!
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram