أيام وليالي أم كلثوم في لبنان

أيام وليالي أم كلثوم في لبنان

 

Telegram

 

يسألونك عن أم كلثوم، قل إنه الصوت العربي الأول في القرن العشرين وسيدة غنائه الأولى وعنوان طربه الأصيل الذي لم تبدله السنون أو يعبث به الزمن، رغم مرور نصف قرن على الرحيل. كل مستمع عربي عاش أوانها كان يشعر أنها تغني له، فتشجيه وتطربه وتقوده إلى آفاق روحية لم يكن يشعر بها قبل أن يصادف صوتها أذنيه، وربما يفسر ذلك حالة الوجد التي كانت تحيط بأم كلثوم في حلها وترحالها عندما كانت تطأ قدماها أي بلد عربي، أما هي فقد بادلت الشعب العربي حبا بحب، وأخلصت لعروبتها، ولم تكن - مثلما صرحت عديد المرات – تشعر بأي غربة وهي تجوب أرجاء الوطن العربي شرقه وغربه تغني وتطرب، فيسعد الملايين من عشاقها بهذا الأداء الرفيع.

ورغم امتداد جولاتها العربية من المغرب غرباً، وحول المحيط الأطلنطي، إلى أبوظبي شرقاً على الخليج العربي، فقد كان للبنان مكانة خاصة في قلب كوكب الشرق. يكفي أنها الدولة الأولى التي زارتها أم كلثوم في بواكير شبابها، وأكثر دولة في العالم زارتها وغنت فيها خارج الحدود المصرية. فبين أيلول 1931 وتموز 1970، تعددت رحلات أم كلثوم الغنائية إلى لبنان، وعادت منها بأجمل الذكريات. ففي العام 1931 وقتما كانت لا تزال مطربة شابة، لبت دعوة المتعهد اللبناني أحمد الجاك لتغني على الأرض اللبنانية في بداية سلسلة من الحفلات في بلاد الشام قادتها بعد ذلك إلى القدس وحيفا ويافا وسوريا، لتعود ثانية إلى لبنان قبل أن تعود إلى مصر في أولى رحلاتها الخارجية خارج المملكة المصرية. وتصف مجلة "الصباح" المصرية استقبال الشعب اللبناني لها وتقول إن عشاق أم كلثوم ركبوا الزوارق والفلايك المزدانة بالأعلام المصرية واللبنانية والمحاطة بالورود والرياحين وظلوا ينتظرون باخرتها عند قدومها إلى الميناء. وفي السادسة صباحاً دخلت الباخرة الميناء فالتفت حولها الزوارق، فيما صعدت أم كلثوم إلى سطح الباخرة تحيي مستقبليها، ثم ركبت لنشاً تحوطه الزوارق حتى وصلت إلى رصيف الميناء حيث كان ينتظرها مئات المستقبلين ولم تتمكن من شق طريقها بين الصفوف المحتشدة إلا بشق الأنفس ومساعدة رجال الشرطة.

في هذه الرحلة أحيت كوكب الشرق أولاً ثلاث حفلات ناجحة، اثنتان منها في مسرح "التياترو الكبير" في بيروت، وثالثة في صالة فندق الجبيلي بعاليه، حسبما ذكر إلياس سحاب في موسوعته المشتركة مع شقيقه فيكتور عن أم كلثوم. وبعدما استأنفت رحلتها إلى سوريا، عادت وأحيت مجموعة من الحفلات في طرابلس ومسرح منشية البلدية في عاليه وكازينو ألفونس في بيروت، مع إقامة حفلة نهارية للنساء فقط، وفق المؤرخ محمود الزيباوي.

وفي أربعينيات القرن الماضي زارت كوكب الشرق لبنان مرة أو مرتين لقضاء بعض أيام الصيف من دون أي اتفاقات غنائية، لكنها عادت إليها بدعوة رسمية في العام 1954 في أول رحلة خارجية لها أيضاً بعد عام كامل من التوقف الفنى على أثر رحلتها العلاجية إلى الولايات المتحدة الأميركية بحثاً عن علاج لعلة إصابتها بالغدة الدرقية، كانت الزيارة هذه المرة من أجل أحياء حفلة زفاف الأمير طلال بن عبد العزيز على كريمة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رياض الصلح الذي كان قد رحل قبل هذه المناسبة بقليل. وفي مطار بيروت، ووسط الجموع التي كانت في استقبالها، صرحت أم كلثوم بأنها جاءت تقديراً لذكرى الرجل العظيم رياض الصلح ومحبة لأسرة آل سعود التي لها مكانة كبرى في قلب كل عربي.

لكن شيئاً مهماً وقع في تلك الأثناء حال دون غناء أم كلثوم في حفلة الزفاف، فقد أبرق الملك سعود بن عبد العزيز إلى شقيقه طلال يثنيه عن إقامة أية مظاهر غنائية تنافي التقاليد الأصيلة، وعلى ذلك لم تغنّ أم كلثوم في تلك الليلة. غير أن نقابة الموسيقيين في لبنان أقامت لها حفلة كبيرة بحضور رئيس الوزراء وبعض الوزراء وكبار الأدباء والفنانين، وقلدها صابر الصفح نقيب الموسيقيين آنذاك، وسام النقابة فيما منحتها حكومة لبنان وساماً رفيعاً بحسب مجلة "الكواكب" التي أضافت في عدد آخر أكتوبر 1954 أن أم كلثوم غنت في تلك الحفلة بناء على رغبة الحضور أغنية "يا ظالمني" لمدة ساعة وربع الساعة وسط تطاير الطرابيش طرباً، على حد وصف المجلة. وفي نهاية الحفلة، شدّ رئيس الوزراء سامي الصلح على يديها قائلاً: "كنا نتمنى أن تمكثي في لبنان شهراً وشهرين والعمر كله إن أمكن، وقد أعطاني البرلمان الأسبوع الماضي سلطة إصدار المراسيم التشريعية، وكم كان بودي أن أصدر المراسيم بمصادرتك، لكني أخاف أن تقوم بيننا وبين معجبينك في الوطن العربي أزمات متواصلة".

بعد هذه الحفلة، عادت أم كلثوم إلى القاهرة في صباح 23 تشرين الأول 1954، ثم تكررت زياراتها الغنائية إلى لبنان، فأحيت في 12 و14 أيار 1955 حفلتين في مسرح اليونيسكو، وحفلتين أخريين في 19 و21 تموز من العام التالي في بيسين عاليه، ثم عادت ثانية إلى مسرح اليونيسكو لتحيي في 19 و 1 تشرين الثاني حفلتين تحت رعاية رئيس الوزراء آنذاك رشيد كرامي بمناسبة عيد استقلال لبنان.

وأحيت أم كلثوم حفلتين أيضاً في بيسين عاليه في آب 1962 ثم حفلتين في مسرح سينما ريفولي في تشرين الثاني 1964، وفي إحداهما حدثت الواقعة الشهيرة حينما تعطل الميكرفون وهي تشدو بأغنية "ح اسيبك للزمن" فأكملت سيدة الغناء العربي الغناء من دونه، ليصل صوتها إلى آخر الحاضرين في الصالة اعتماداً على قوته وقدرته على الوصول إلى الناس من دون الحاجة إلى مكبرات للصوت. ثم كان أسوأ حفلاتها في لبنان في 7 آب 1965 بسبب سوء التنظيم وتعطل أم كلثوم في الطريق إلى بيسين عاليه على أثر نشوب حريق، ثم تدافع الناس من أجل حضور الحفلة وفشل الشرطة في السيطرة على الموقف، الأمر الذي أغضب أم كلثوم وكاد يدفعها إلى عدم الغناء في تلك الليلة، لكنها اكتفت بعد هذه الرحلة بإنهاء تعاملها مع متعهدها الدائم في لبنان حسن الجاك، وبانتهاء تلك العلاقة التعاقدية مع الجاك، بدأت مرحلة مشاركات أم كلثوم في مهرجان بعلبك.

في 15 و17 تموز 1966 أحيت كوكب الشرق حفلتي افتتاح الدورة الحادية عشرة لمهرجان بعلبك وسط حفاوة بالغة من الشعب اللبناني ومسؤوليه وكبار مبدعيه. وبحسب الصحافة اللبنانية أرسلت فيروز والأخوان رحباني في الليلة الأولى باقتين من الورود إلى كوكب الشرق كتبت فيروز فى بطاقتها: إلى أم كلثوم سيدة الغناء نورت لبنان، تعيشي وتسلمي، وإن شاء الله دايماً بالنجاح الكبير، فيما كتب عاصي ومنصور: إلى التي صار غناؤها مجداً، إلى السيدة أم كلثوم..

وبدأت المطربة الكبيرة الغناء في التاسعة مساء تحت خيمة من تصميم المهندس بيارو خوري في مدخل معبد جوبيتر، وفي حضور رئيس الوزراء عبد الله اليافي، والوزراء وأعضاء مجلس النواب وكبار الشخصيات العامة في لبنان والدول العربية، وفي مقدمتهم فيروز والأخوان رحباني، وغنت في تلك الحفلة "أمل حياتي" و"بعيد عنك" و"للصبر حدود"، فيما شدت في الحفلة الثانية بعد يومين بـ"الأطلال" و"سيرة الحب" و"أنت عمري". وبعدما أطربت أم كلثوم الجميع، أهدتها فتيات بعلبك شالاً من صنعهن مع عبارة رقيقة جاء فيها: إلى أسطورة العصر أم كلثوم رافقتك السلامة يا من أسرت العقول والقلوب.

وعلى أثر نجاح حفلتي أم كلثوم في بعلبك كتب الصحافي المصري كمال الملاخ في "الأهرام" عن نجاح لم يحدث من قبل، فيما اعتبر الصحافي فوميل لبيب في مجلة "المصور" الحفلتين إعجازاً جديداً يضاف إلى رصيد سيدة الغناء العربي.

وكان من المفترض أن تحيي أم كلثوم افتتاح ليالي بعلبك في العام 1967 غير أن أحداث هزيمة حزيران حالت دون ذلك لتأتي مشاركتها في العام التالي 1968 مكتسية في إطار مساهمتها في دعم المجهود الحربي. وفي 10 تموز من العام نفسه وصلت كوكب الشرق إلى مطار بيروت لتجد في استقبالها آلاف الحاضرين، واقتحم الصحافيون صالون المطار يتقدمهم نقيبهم بعدما منعتهم السلطات من الدخول، وأكدت أم كلثوم لمحرر "الشبكة" أنها لن تتمكن من غناء قصيدة الشاعر جورج جرداق "هذه ليلتي" لأنها ما زالت في مرحلة التلحين. وبعد أكثر من ساعة، غادرت مطار بيروت بصعوبة متجهة إلى مقر إقامتها في فندق بارك أوتيل، وبعد يومين من وصولها، وفي السابعة والنصف تحديداً، وقف ظريف لبنان نجيب حنكش على المسرح يقدم كوكب الشرق إلى جمهور الحاضرين، لتشدو أم كلثوم بعد ذلك بقصيدة الأطلال في واحدة من أفضل تجلياتها، وفي الاستراحة بين الوصلتين صعد إلى غرفتها كل من الأمير عبد الله الفيصل، وفيروز والأخوان رحباني، ونائلة بن عمار شقيقة السيدة وسيلة بورقيبة، وحشد من الشخصيات العامة.

ثم كانت حفلتها الثانية فى 14 من الشهر نفسه، فغنت "أمل حياتي" و"بعيد عنك". وأذكر أن الكاتب الراحل أحمد بهجت الذي حضر الحفلة قال لي لاحقاً أن جلال المكان أشعر الحاضرين بأن أم كلثوم قد خرجت لتوها من رحم الأساطير أو كأنها آتية حالاً من قلب التاريخ. وفي أثناء تلك الزيارة، قلذها رئيس الوزراء عبد الله اليافي، وسام الأرز من رتبة قائد أكبر، خلال حفلة أقامتها لها وزارة السياحة في مقر إقامتها، ثم حضرت حفلة أخرى أقامها لها القائم بأعمال السفارة المصرية في لبنان السفير فتحي قنديل في فندق فينيسيا، بحضور عدد من الشخصيات الفنية المصرية واللبنانية، حسبما جاء في مجلة "الموعد"، ومنهم فيروز والأخوان رحباني وفريد الأطرش ومحمد الموجي وأحمد رمزي والمنتج رمسيس نجيب والأديب عبد الحميد جودة السحار. ثم قضت ليلتها الأخيرة في منزل أحد أصدقائها من عائلة الشوربجي في حضور المطربة صباح، وفقاً لمجلة "الموعد"، وحرصت أم كلثوم في تلك الرحلة على زيارة الراقصة بديعة مصابني في مزرعتها في شتورة وأمضت معها ساعة من الزمان.

وفي الدورة الـ15 لمهرجان بعلبك في تموز 1970 كانت المرة الأخيرة التي صدح فيها صوت أم كلثوم في لبنان، ويبدو من نافل القول تكرار الحديث عن الحفاوة التي استقبلت بها وعن الحاضرين لحفلتيها فى 8 و11 من هذا الشهر، لكن تجدر الإشارة إلى أنها غنت في الحفلى الأولى "هذه ليلتي" و"اسأل روحك"، وفي الليلة الثانية "دارت الأيام" و"أقبل الليل"، وسط نجاح لافت اعتادته كوكب الشرق في لبنان.

يقول كريم جمال في كتابه المهم "أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي"، نقلاً عن الصحافة اللبنانية في ذلك الوقت، أن الليلتين اللتين أحيتهما في هياكل بعلبك التاريخية كانتا البداية الحقيقية لموسم الاصطياف في لبنان العام 1970، وأن الحفلتين بجوار أهميتهما الفنية كان لهما دور سياسي إذ أنزل غناء أم كلثوم في بعلبك هزيمة كبيرة بأجهزة الدعاية الصهيونية التي أعلنت الحرب الدعائية على لبنان فى المجال السياحي، فكان هم تلك الأجهزة منذ بداية العام 1970 هو نشر أخبار ومواضيع في الخارج عن وجود اضطرابات في لبنان والتأكيد على عدم الاستقرار الذي يعيشه المجتمع اللبناني، فإذا بوجود أم كلثوم في لبنان وحضور عشاقها من كل مكان ينسف هذه المزاعم، لا سيما بعدما وجهت الحكومة اللبنانية الدعوة إلى الصحف ومحطات التلفزيون العالمية لتسجيل الحدث الكبير. 

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram