قالت الأرض ، ربيعي هذه السنة يشبه جفاف الأرض حين لا تمطر السماء طيلة فصل الشتاء ، غارت الماء حتى أصبحت المسافة بيني وبين الجذر كالمسافة بين الحياة والموت .
قال التراب ، اشتقت الى مطر الأرض ، فمطر السماء أفقدني نعمة الولادة وسرق مني أثوابي المزركشة ، أشتقت الى مطر من رحمي يهديني فرح اللون الأخضر وانتشار شقائق النعمان ، وعودة مياه الحياة الى باطني كي أُعطي البشر سرّالجمال ولقمة العيش وهناء الحياة وأفراح المناسبات .
قال التراب ، هزمتني رتابة العيش ، وانكفاءات أيادي الخير ، هزمتني حروب الردّة وحكايا الماضي وعنتريات الحاضر التي تشبه عرير الصراصير في مواسم الحصاد
قالت الدروب ، أفتقد أصوات أقدام العزّة ، أفتقد حرارة الأجساد وهي تركض لتسجّل وقفات العزّ في وجه هذا الموت الآتي من أعدائي ، أفتقد الأنفاس الطيبة التي تملأ فضائي عطرا برائحة التراب عند المطرة الأولى ورائحة الزيزفون والليمون فتلاقي صباحي مع نسائم الهواء المنعشة للروح .
أفتقد صدى الأصوات يتصادم مع الجدران فيولّد زوبعة عز تريحني من عفونة الهياكل العظمية التي تملأ حوافي الأرصفة .
قال المساء للصباح ، خُذني إليك لم أعد أطيق اللون الأسود ولم تعد تغريني نجوم السماء ولا حتى ضوء القمر ، خذني إليك فقد تهت في مسالك الظلام ، تعبت من الليل ، أريد أن أكون معك حتى يكون أمر مفعول يسلبني إرادتك وإرادتي .
تكاثف الضباب وصارت العين لا ترى الإصبع ، وتاهت مجامر النار في المسافة الفاصلة بين الضوء والجمر ، وأصبحت على حافة الأفول نحو الرماد ، وقبل
أن تتجه هالات الأرواح نحو السماء صعد صوت من الأرض أقفل كل الدروب المؤدية الى الهلاك وقال :
أنا سناء
أنا ابنة الأرض ، أنا طوفان الخير ، أنا آدون الربيع ، أنا هالة الشمس ، دمي للتراب أنهار الماء ، ووللأرض أثواب الألوان ، أنا عروس آذار ، أنا صوت تشرين ، أنا سنا عينيه في ليل الثامن من تموز .
أناسناء.
أنا إبنة سعاده الاستشهادي الأول ورفيقة حبيب قاطع رأس الأفعى ورفيقة وجدي ، وجدي النسر الذي حلقت خلاياه في فضاء الوطن وصارت شظايا عمليات أستشهادية زرعت الهوان في معسكر الأعداء .
أناسناء ، وجسدي ألسنة من نار ، قضى على شهوة معاقل الخنازير البرية ، أحرق عوسجهم المندّس لتراب بلادي .
أنا سناء ، عروس الجنوب وطرحت عرسي من شهباء الشام ، وزينتي من أسواق دمشق االقديمة ، ونخب سهرتي من ملتقى دجلة والفرات ، والضيافة من ليمون حيفا ويافا ،والزفّة من شوارع القدس العتيقة ، وصالة العرس على معبر باتر جزين .
قال الصوت :
أنا سناء ، فابتسمت الأرض ، وزلغط الشجر ، وأنشدت الأنهار نشيد العطاء ، وعادت الحساسين الى صنوبرات الغابة تغني مواويل السهل والجرد والوادي ويردد صداها قمم صنين وزغروس والبختيار ، عادت النوارس تحلّق فوق البحر السوري وتنشد نشيد سفر السفن المحمّلة بكنوز البلاد ، عادت النسور الى القمم تنشد نشيد نحن النسور .
أنا سناء ، مشيت إلى قدري ويدي مرفوعة الى فوق زاوية قائمة ،وأمامي صورة الفادي سعاده التي رافقتني الى معبر باتر جزين .أنا وشوشة ما قبل عصبة العينين ورصاصات الغدر والحقد . أنا بعض من تنهيدة ما قبل الاستشهاد ، أنا بعض من إرادة الحياة التي هزمت الرصاصات والجلاد والقاضي الجبان ورؤوس المؤمرة ، أنا الارادة الباقية الى أبد الأبدين وهم وسخ مستوعبات الزبالة .
قال الصوت :
أنا سناء
أنا ندى الصفصاف الصباحي ، مطر الأجساد ،وهي تداعب بمعاولها تراب الحقول الجميلة . أنا شمعة جديدة من شموعك المنتشرة على درب نهضتك .
قال الصوت :
أنا عروس الجنوب
قال الناس ، سناء ليست عروس الجنوب ، سناء عروس البلاد .
سامي سماحه
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :