نقرأ مع كل آذار عناوين مختلفة لمناسبات عدة من عيد المعلم لعيد المرأة إلى عيد ألام وأعياد النيروز وغيرها من الأعياد الوطنية والقومية وبمعظمها ترتكز على الأصالة والإيمان والتعليم والتنشئة الوطنية عموما وعلاقة الإنسان بالأرض وعلاقة الإنسان بالمجتمع وبخصوصية شاملة علاقة مميزة ترتكز على الروح وأصل الروح والتي هي علاقة الابن بأمه التي ولدته وربته ونشّأته حتى أصبح رجلا يتحدث بين الناس ويتفاخر بتاريخه وعطائه وحياته ويستذكر هذا التاريخ بالتبجيل والتفخيم وأجمل هذا التفخيم بمناسبة عيد : الأم
ولكن هذه المرة سنقدم شرحا جديدا لمعنى الأم بمفهومنا القومي الاجتماعي لحقيقة الأم ودورها البنائي-الإنساني في الحياة القومية عموما وحياة الأسرة-العائلة الصغيرة خصوصا.
تعريف الأم
التعريف العام:
إذا أردنا اختصار تعريف معنى الأم: هي الحبل السري لتوالد الأجيال وتوارثها عبر الأزمنة منذ بدء الخليقة الأزلي إلى السرمدية، هي العلائقية البيولوجية والمورالية بين الوليد والوالدة حيث احتضنته مخلوقاً بشيميا حتى أبصر النور ثم احتضتنه حياتيا حتى بلغ الساعد ثم احتضنته اجتماعيا حتى بلغ الرشد ثم احتضنته وجوديا حتى بلغ مدى العمر ثم احتضنته غيبيا بعد الرحيل حتى بلغ اليأس ثم الرحيل.. وبقي هو الابن وهي ألام التي تَقدْس اسمها في عقلهِ ووجودهِ وتفاصيل حياته. (وفي مقال تحت عنوان: بين الأم والأمة حبل سري فيه نور الحياة يمكنك العودة اليه هنا شرح تفصيل لمعنى الام لغويا واصل الكلمة ومعانيها منشور بتاريخ 21/03/2019 / https://web.facebook.com/hachem.sada.1/posts/822479834758769?notif_id=1616317690232092¬if_t=feedback_reaction_generic&ref=notif)
التعريف القومي الاجتماعي:
الأم في المفهوم القومي الاجتماعي هي ليست مجرد والدة تنجب وتربي أطفالها وتعلمهم معاني الحياة وأصولها وتهتم بمأكلهم وملبسهم ومشربهم وغيرها من الأمور الحياتية الاعتيادية لكل أم تلد طفلاً وتعتني به.
الأم في المفهوم القومي الاجتماعي هي أساس بناء المجتمع الإنساني برمته، هي بانية الجيل الجديد، هي المربي الذي ينشئ الطفل على أساس مفاهيم وعقيدة حياة قومية اجتماعية لتخلق منهم مفهوم الإنسان الجديد في صراع الوجود.
الأم هي الحجر الأساس في البناء القومي الاجتماعي، وهي صانعة النصر العظيم في معارك الوجود، هي مهندس معركة المصير القومي لأنها هي قائد قاعدة بناء الأحداث، وهي المعلم الأول، والمربي الأول، وهي المفوض الأول، والمدير الأول، في هيكلية وبنيوية البناء الاجتماعي-الأسري هي صميم البناء في المتحد مركز التفاعل القومي ونواته لأنها هي نواة الأسرة - العائلة.
إذاً، هي عصب العمل القومي الاجتماعي قبل أي شيء.
وفي هذا الخصوص يقول سعادة "إن ربحتم معركة الأحداث ربحتم معركة المصير القومي"، ونحن نعطف عليه: إن ربحتم بناء الأنثى بناءً قومياً اجتماعياً صحيحاً بنيتم جرمزة، زهرة، رائدة، طالبة، مواطنة ورفيقةً، ثم أمّاً، قائدة في المجتمع وربحتم معركة البناء القومي الاجتماعي في بناء الأحداث على طريق الانتصار في معركة المصير القومي.
الأم القومية الاجتماعية
يتناقل القوميون الاجتماعيون أحيانا كثيرة أقوالاً لسعادة دون معرفة أسباب صدورها عن سعادة أو كتابتها، أو في أي مكان وكيف وردت مما يجعلها مجرد أقوال يتم تردادها دون أن يتم الوقوف على حقيقتها ومعانيها الأساسية وتتحول لمجرد أقوال في ذكرى عابرة دون أن تترسخ عمليا في أذهان الجيل كمرجع للتطبيق والبناء العملي الصحيح والسليم في عملية البناء القومي الاجتماعي.
ومن هذه الأقوال، ونحن نحيا اليوم الاحتفال بمناسبة عيد الأم السورية قوله: "أمي وبلادي ابتدأتا حياتي وستلازمانها إلى الانتهاء. فيا أيها الإله أعنِّي لأكون باراً بهما"
أود في هذه المناسبة أن أبيّن أولاً أين ورد هذا القول لسعادة، وبأي مناسبة، ومعانيه القومية الاجتماعية وارتباطها بفكرة التأسيس للحركة السورية القومية الاجتماعية.
خطرت هذه الجملة في عقل شاب في لحظة توقد وألم يتحرق شوقا لأمه ولأمته بسبب الهجرة التي فرضها على شعبنا في تلك الأيام الظلم التركي أولا، ثم الحرب العالمية الأولى ومآسيها وويلاتها ثانيا، ومَهاجِر السوريين شرقا وغربا في كل أصقاع الأرض بحثا عن الأمان ولقمة العيش.
الأم السورية في مذكرات سعادة وولادة الانسان الجديد
جاءت في مذكراتٍ لسعادة نُشر منها شذرات في النهضة العدد 105 في مناسبة الأول من آذار للعام 1938، وكانت عبارة عن مذكرات استعادت الذاكرة إلى ما قبل تأسيس الحزب السوري القومي الاجتماعي لتضئ على سعادة وهو ما زال في مرحلة بدء التفكير الجلي بحقيقة الأمة وتاريخها ومعاناتها وأزماتها التي تمر بها وقد تكون هذه المذكرات بمثابة القَسَم الأول الذي أطلقه سعادة على نفسه قبل البدء في المعركة القومية الاجتماعية السورية الشاملة، والتي بدأت مع تأسيس الحزب السوري القومي الاجتماعي سنة 1932، فجاء على لسان سعادة وبمناسبة ميلاده الخامس والعشرين كلمات تدل على مقدار القلق الإنساني الذي كان يعيشه هذا الشاب اليافع حينها وهو بعد في أوج شبابه الانفعالي، ولكنه لم يركن كغيره من الشباب لشغف الحياة ونزواتها، ولم يذهب للتلهي بشبابه وإضاعته في الملاهي والمراقص والعربدة كغيره من الشبان في هذا العمر ممن يضيعون حياتهم من دون جدوى.
بل كان الشاب الحالم بحقيقة أمته يراها تتألم أمام ناظريه، فأقسم يمين العطاء، وحوّل ميلاده الخامس والعشرين إلى ميلاد انطلاقة التفكير القومي الاجتماعي الهادف، فكان سعادة المُفكر يُولد للنور، وكان سعادة المؤسس يبدأ مسيرة الحياة الفكرية والبحثية، وكان سعادة القائد المُلهم يسير نحو الفلاح القومي الاجتماعي بأقل من ثلاث سنوات كصاحب أول حركة إصلاحية في تاريخ سورية الحديث، يُقلق الدنيا بمن فيها، ويقارع الانتدابين الفرنسي والانكليزي ويشكل لهما الكابوس الذي انهي وجودهما في بلادنا بعد صراع استمر لخمسة عشر عاماً ملتهبة لم يهدأ فيها لا كتابة لا في القلم ولا بالسلاح..، يبشر بقوميته الاجتماعية يؤسسه نهضة ويبعث حركة في جسد الأمة ثم يؤسس حزبا منظما عالي المفاهيم ثابتا في الصراع يغير مجرى التاريخ، فيطرح مشروع بناء الدولة السورية القومية الاجتماعية التي ستعيد للأمة سيادتها على نفسها وتعيدها إلى حركة الحياة بعد أن ظن أعداؤها أنها قد قضت إلى الأبد، فكان الزعيم الذي استحق رتبة الزعامة عن جدارة ومنحته إياها الأمة وأعداؤها في آن.. اعترافا رسميا بأنه: الزعيم
الزعيم السوري الذي يصارع من اجل أمته وحقوقها القومية العليا وهذا ما تم تحقيقه كأول نصر سياسي لسعادة في محاكمة سنة 1936 والتي اسماها: "المعركة السياسية التاريخية الأولى"
قراءة في شذرات من مذكرات سعادة من العام 1929
جاء في مذكرات النهضة بيروت العدد 105، 01/03/1938 ما كتبه سعادة الشاب اليافع على دفتر مذكراته الخاصة كمدونة يوميات هذا الشاب الألمعي، وذلك في الأول من مارس/آذار 1929، يعايد نفسه، يتذكر بلاده، ويتذكر أمه وأمته في آن واحد معتبرا أن تلازم الحياة بينهما هو تلازم حقيقة وجوده، وما سبب ولادة الأول إلا لولادة الثاني، فقال حرفيا : "ها قد ابتدأ يوم جديد من أيامي. في هذا اليوم يبتدئ شهرك يا مارس وفي هذا اليوم أبتدئ أنا سنتي الخامسة والعشرين وبابتداء هذه السنة ابتدأ التسجيل لحساب الحياة التي أوجدتك وأوجدتني." معلنا إرادة الحياة بنفسه داعيا لها إلى تنكب المسؤولية حيث يكمل، "وفي هذه الدقائق الأولى التي تعيد أول نسماتك وأول أنفاسي أسمع في بلاد غربتي، وسط الليل المخيم، صوتاً رخيماً ما أحلاه يناديني «يا ابني أين أنت؟»، نعم هو شعورٌ بالمسؤولية الإنسانية يسمع نداء الأمة تسأله وتناديه، فيكمل بعقل الابن البار لأمته، "فأرفع رأسي وأنظر في وجه السماء المقنع كوجه إيزيس وأنادي «يا أمي أين أنت؟». وأعود فأسمع صوتاً آخر يناديني «يا ابني أين أنت؟»، فأعود إلى التحديق في وجه الأفق وأنادي «يا بلادي أين أنتِ؟.» أمي وبلادي ابتدأتا حياتي وستلازمانها إلى ألانتهاء، فيا أيها الإله أعنِّي لأكون باراً بهما". نعم هذه هي حقيقة هذه المناجاة التاريخية لسعادة في ذكرى ميلاده الخامس والعشرين، فهي لم تأتِ بمقال أو كتاب أو رسالة أو ما شابه، إنما جاءت في لحظة تجلٍ إنسانية تامة يشعر فيها الإنسان بوجوده التام وكأنه الإلهام يسقط في عقله ليتولد التاريخ الجديد فكان بحق الولد البار لأمته كما كان باراً بوالديه أنها المناجاة الرسولية في زمن العقم التام، فكان له الوحي القومي والبعث الاجتماعي لتحي سورية.
ويؤكد حقيقة ما جاء في هذه الخاطرة التي دونها سعادة في مذكراته يوم بلوغه الخامسة والعشرين هو أفعاله التي أنجزها مع باكورة حياته الفاعلة خلال أربع سنوات لاحقة أنتجت "فكرة وحركة تساويان وجود امة بأسرها"، ولم تكن هذه الخاطرة يتيمة في العقل والإيمان والثقة بالأرض والسماء في عقل سعادة الذي يناجي إلهه بان يعينه على أن يكون بارا بأمته ويساهم في بلسمة جراحها النازفة على أساس حركة مناقبية إنسانية سيشهد لها التاريخ، وفعلا سيعينه الإله بحقيقة الأمر على أن يتم سعادة فعله الإنساني هذا، ويأنس به لرفقة أحبها وناقشها باكورة أفكاره، وهو مثله مثل أي إنسان آخر يأنس للحياة وللرفقة النبيلة التي تشعره بحقيقة انتمائه وبشخصه وبقوته وهذا ما دونه في الليلة الثانية من آذار للعام 1929 وهو كان يعمل على كتابة روايته الأولى، فيكتب : "لم أتمكن من كتابة شيء للرواية التي أُعدُّها، لانصراف أفكاري إلى تذكارات بلادي العزيزة. لقد أنستني رفقة (...) همومي طوال هذا اليوم، وقد أصبحت أشعر أنه وجد أخيراً في بلاد غربتي إنسان، ذو شعور يفهمني وأفهمه". إن رفقته الأنيسة قد أنسته بعض همومه، ولكنها فتحت عليه معاني الحياة والتفكير فيها، ثم يكمل سعادة في الثالث من آذار حقيقة الإلهام التام في عقله لبدء التفكير العملي نحو بلاده والتي يؤكد فيها بأنها ألهبت مشاعر الغربة فيه، ولكنها أوقدت نيران التفكير السليم لانبعاث الفكر في نفسه وتنوير عقله، وهذا ما خطه سعادة في الليلة الثالثة من آذار للعام 1929: " أشعر بحنين ذائب إلى بلادي، إلى الوادي، إلى غابة الصنوبر، إلى النبع، وأحس بنغصة الحياة عندما أتذكر تلك الأشياء الثمينة، وكم أتمنى لو أني أعود إلى مسقط رأسي. ليس قليلاً ما يلاقيه فاقد الوطن في ديار الغربة". هنا ابتدأ العقل في سعادة يعمل أبعاده الإنسانية العالية كشرع أعلى يذيب كل الجهالة في رأسه ويزرع كل العلم والمعرفة من اجل العمل البنّاء لتحي أمته وعلى أساس المناقب التي اعتبرها بأنها مجموع التقاليد التي يتفق عليها الناس بأنها أقدس ما يعتقد به الإنسان في وجوده، ويقول بهذا الشأن مدوناً في الخامس من آذار: " جلست أنا و(...) على شرفة غرفتي البديعة المطلة على مناظر مبهجة وأخذنا نتداول الحديث في مختلف المواضيع بينما نحن نشرب الشاي، وكان أهم حديث لذيذ جرى عن المناقب «مورال» فكان رأي (...) أنّ المناقب هي العواطف الشريفة في الإنسان وكان رأيــي في المناقب كما هو مصطلح على استعمال هذه اللفظة إنما هي العادات التي يتفق المجموع على اعتبارها شريفة أو من الفضائل، ولا أدري تماماً إذا كنت قد أقنعت (...) بصحة نظريتي"، ويكمل مؤكدا صحة شرحه في الليلة الفائتة لحقيقة المورال ويدّون في السادس من آذار: "بعد العشاء تنزهت قليلاً ثم طالعت بعض الجرائد السورية ثم فطنت للبحث عن كلمة «مورال» التي تعني المناقب والتحقيق عن معناها في المعجم .... فوجدت أنها مشتقة من لفظة «مورال» اللاتينية التي معناها العادات أو التقاليد وتيقنت من صحة الرأي الذي أبديته لــ(...) البارحة.
تتوالى الأيام وينمو الفتى في عقله وعياً وإدراكاً، يتابع أخبار بلاده، وتزيده ألماً أحداثها وتحكّم الأجانب فيها بأرضها وشعبها، ويكتب في الخامس والعشرين من آذار التالي: " وردتني هذا الصباح عدة جرائد وكانت نفسي متعطشة لسماع أخبار بلادي لأني لم أكن قد طالعت شيئاً بشأنها في الأيام الأخيرة، ولكن اللهفة إلى تلك الأخبار عادت عليَّ حزناً وأسفاً شديداً، للمصير الذي صارت إليه أمتي، وقد آلمني بنوع خاص أن أقرأ كيفية تعطيل الجمعية التأسيسية التي انعقدت في دمشق في تاريخ التاسع من يونيو/حزيران 1928 وتوقفت أعمالها للمرة الأولى في الحادي عشر من السنة نفسها وتعطلت إلى أجل غير معين بموجب قرار المفوض الفرنسي السيد بونسو في أصيل يناير/كانون الثاني من هذه السنة"، وأمام هذه الأخبار المؤلمة والحرب التي تتعرض لها بلاده كان سعادة يسأل نفسه السؤال البحثي المعرفي المورالي الذي يطرحه على نفسه كل باحث أخلاقي-إنساني:
ما هي قيمة الحياة بدون مبدأ؟
فجاء سؤال سعادة على حلقة تساؤلات مباشرة لنفسه في الثالث عشر من أيار للعام 1929 وفيها: "سألت نفسي اليوم ما هي قيمة الحياة بدون مبدأ؟ ما هي الحياة بدون مثل منشود؟ ما الغرض من وجود الإنسان؟ ما هو القضاء والقدر؟ للحياة غرض من خلق الصعوبات الهائلة للإنسان أم هي تخلقها لإعدام الحياة بإعدام السعادة؟ يقول بعض الفلاسفة إنّ للحياة غرضاً في الإنسان يتم به ورأيــي الخاص أنّ غرض الحياة في الإنسان قائم على وجوده حتماً ولكن إذا انتفى وجود الإنسان فهل يبطل عمل الحياة؟"...
نعم من هنا ابتدأ يُولد سعادة المُفكر، الباحث، الناظر إلى حقيقة الأمة والوجود بالعقل الفاعل، فكانت الأيام الأولى التي شهدت ولادة الإنسان الجديد لولادة الأمة السورية على يديه، فكان البار لأمه وبلاده وكانت الوفية له بان أعلنته زعيمها مدى الحياة.
نعم، لم يسقط من السماء زعيما على رأس الناس والأمة بل صنعها بالبحث والعلم والعمل والصراع والاستشهاد فاستحق الرتبة عن جدارة، فكان انطون سعادة صاحب الدعوة إلى القومية الاجتماعية، وزعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي مدى حياته وزعيم الأمة السورية مدى الحياة.
في تلك الليالي الاذارية الأولى من العام 1929 ، ومن تلك التساؤلات البحثية كان تتولد بذرة النور القومي الاجتماعي، وكان سعادة يبتدئ مسيرة حياته الإنسانية ليس مجرد شابا يلهو في مراتع الدنيا، بل المؤسس لطريق الصراع يبلسم جراح الأمة النازفة على حساب جراحه، وكان يتعالى على آلامه النفسية من اجل آلام أمته ولا هم له ما يجري له لان الحياة قصيرة وتحتاج للعمل، ولا مجال للتلهي والفوضى وإضاعة الوقت، فابتدأ العمل وكان يدّون في التاسع عشر من أيار للعام 1929 رحلة الحياة وبدء المسير، وكُنا نشهد ولادة الزعيم السوري القومي الاجتماعي وهو في مقتبل العمر يرسم مشروع حياته ليبلسم جراح الأمة النازفة، ويقتل الأنانية في نفسه، ويخلق الإنسان الجديد – الإنسان-المجتمع الفرد الذي يذوب في الجماعة من اجل مصلحة الجماعة لا من أجل مصالحه الضيقة ونص حرفيا: "يجب أن أقوم بمطلوب مبدئي مع كل ما يعرض لي من ألم الروح، فالحياة قصيرة لا تسمح بضياع الوقت في البكاء من الألم، وإنّ في الألم لحياة لذوي الفهم. هي الفلسفة التي عرفت حقيقتها بالاختبار. لذلك أنا أرفض أن أكون أنانياً لا يعرف شيئاً غير طلب اللذة والنواح لفقدها. لا. لا يجب ألا أكون أنانياً. بل يجب أن أفتكر بآلام الملايين من بني أمتي أولاً ثم أعود فأذكر نفسي... يجب أن أنسى جراح نفسي النازفة لكي أساعد على ضمد جراح أمتي البالغة"
مكررا: لا. لا يجب أن أكون أنانياً... نعم، هذه هي حقيقة قول سعادة: "يجب أن انسى جراح نفسي النازفة لكي أساعد على ضمد جراح أمتي البالغة"، فكم من سوري اليوم يضع نفسه أمام هذه الحقيقة التاريخية ويرفض أن يكون أنانياً وينسى جراحه النازفة من اجل تضميد جراح أمته؟
لا بل أتجرأ واسأل نفسي اليوم كم من سوري قومي اجتماعي يتعالى على جراح نفسه وينساها من اجل تضميد جراح الحزب النازفة بسبب الجشع والطمع واللامسؤولية والانحراف والمكاسب الشخصية والأنانية الفردية التي تسيطر علينا، وكأننا نهدر كل عظيم أسس له سعادة وكأننا نهين جراحه التي نزفت ليضمد جراح الأمة بتأسيس هذه الحزب وإذ بنا نُدمي الحزب جراحا تلو جراح حتى أنهكناه ألماً قاتلا؟؟!!...
حقيقة الام القومية الاجتماعية
نعم هذه هي حقيقة الأم القومية الاجتماعية التي تلد "إنسانا جديداً" تسلمه راية الحياة من اجل الدفاع عن أمته ، فكان سعادة المؤسس هو ولد بار لأمته قد وفى بوعده، وهو بار بوالدته وهو يتذكرها في تموز من العام 1929 في الثالث والعشرين منه رابطا بينها وبين الوطن بتلك العلائقية البشيمية-الإنسانية التامة وحبلها السري الممدود بينهما بحبل من عقيدة سورية قومية اجتماعية متسائلا: "أين الوطن... إلى هناك تشتاق نفسي ويتزايد حنيني.. هناك حضنتني أمي وهناك ترعرعت"، وفي هذه اللحظة من تلك الليلة التموزية كان سعادة يرسم القدر لتموز 1949 وليرد الوديعة في الثامن منه قد أوفى الحق حقه التام .. فسار إلى الشهادة مبتسما لينتصر إلى الموت خالدا في الحياة في نفس الأمة التي كان بارا لها والتي أعانه الإله لان يكون لها كما أراد..
سعادة الوحيد في غربته:
إن كنت تشعر انك وحيدٌ في غربتك بسبب أفكارك، وبسبب وعيك وإيمانك بأرضك وشعبك وعقيدتك وحزبك ومبادئك، ارفع رأسك وافتخر بانك كإنسان جديد لا تهمك مطالب الدنيا بقدر ما يهمك الوفاء لامتك ولأهلك ولشعبك ولوطنك ولو كلفك ذلك قراراً يُفقدك الناس من حولك ولكن تكسب الوطن والأمة والأهل والوجدان والإيمان والعقيدة ، نعم افتخر بذلك، لانك بحق سوري قومي اجتماعي قد تتلمذت على يد سعادة ولو بعد ألف عام بشعورك الإنساني الرفيع ، هذه هي حقيقة سعادة الذي نذر نفسه وقفاً على أمته .. فكانت الحقيقة المطلقة في حياته، فسار على درب انتصارها ولم يلتفت لأي انتقاد من حوله ولا لأي ذامٍ بغيض.. فسار كما أراد أن يكون : بارا ببلده وبأمه .. وكان كما أراد.
وهو ينصف نفسه بنفسه في الثلاثين من تشرين الأول للعام 1929 بما يلي معزيا نفسه بنفسه بوحدته التي يحياها من اجل أمته: ويقول مدوناً: "ليس كالوحدة للفتى ففيها يكون المرء كله لنفسه. ولكن بعد العزلة تشتاق النفس إلى المعرفة والفهم، بيد أني كلما طلبتهما ورفعت رأسي ونظرت وجدتني دائماً وحيداً بأفكاري غريباً بين معارفي ــــ في محيط الاجتماع المترامي الأطراف تغلب الأنانية المبدأ وتنتصر الشهوة على الحب. ذو الفهم دائماً يعطي والطماع دائماً يأخذ فلا يعترف ولا هو يقنع «والنفوس إذا كانت كباراً تعبت في مرامها الأجسام» والنفس الكريمة لا تكف عن العطاء. البارحة اشتريت (حاكياً) لأني أشعر بصعوبة الحياة بدون موسيقى وكم كنت أودّ لو أني تعلمت هذا الفن الشاق، كأنه لا يكفيني الفن الشاق الذي أعانيه، ولقد نصحني ناصح، أمثاله كثيرون: دعك من هذا العناء، يكفي المرء أن يهتم بخبز يومه. للناس خبزهم اليومي ولي خبزي"
نعم كان لسعادة خبزه اليومي : "فكرة وحركة تساويان حياة امة بآسرها" عجنها جيدا لليال طوال فاختمرت في نفسه حتى ولدت على يديه لما تشتهي الأمة لحياتها مع 16 تشرين الثاني من العام 1932.
وهذا ما يؤكده تدوينه لليوم الأول من العام 1930: "منذ آخر مذكرة كتبتها إلى الآن شهران لم يذهبا عبثاً. ابتدأَت السنة الجديدة منذ نحو ساعتين فتذكرت ماضيّ، فإذا هو جلي واضح كالسفر المفتوح. ثم ذكرت مستقبلي: آمال وأوهام و رغائب وأحلام. وكل هذا سجف من يدري ما وراءها. إني أحب الماضي لأني أعرفه وأفهمه، ولكني أخشى المستقبل وإن كنت أرقبه وآمل لأني إذا نظرت إليه فيا لغرابة ما أرى ويا لعجب ما لا أرى، ومع اعتقادي أنه لا قضاء إلا لما كان، أسلم للقضاء بما هو كائن ويكفيني من حظ الدنيا ما أبقيته"
استنتاج:
إذاً، الأم والأمة في مفهوم سعادة هما متلازمان في الحقيقة، وولادة الأولى هي حقيقة ولادة الثانية والبر بهما هو القداسة التي يجب أن تتوفر في النفس البشرية ومن اجل العمل للبر بهما تقديرا للعطاء الذي تقدمانه للبشرية.
- فالأمة تقدم الحياة للمجتمع
- وألام تقدم الحياة للفرد
وما بين الأمة والأم علاقة إنسانية، وبمقدار رقي هذه العلاقة تنتج مولودا يمكن أن يقدم لهما أرقى ما في نفسه لرقيهما وأجمل الرقي: الِبر
نعم، أن تكون بارا بأمك وبأمتك، يعني أن تكون الإنسان الجديد الذي ولد ليضمد جراح الأمة وينسى جراحه مهما كانت نازفة، لان جراح الأمة هي جراح الوجود الإنساني برمته، فلا قيمة للإنسان ووجوده ما لم يكن لأمته وشعبه ومجتمعه قيمة ووجود.
الخاتمة:
إن قراءة سعادة لا يمكن أن تنتهي بكتاب أو آثاره كلها، إنما قراءة سعادة هي فعل وسلوك إنساني متراكم يُحدثه الفرد بالوعي والإدراك التراكمي من خلال الفعل والاختبار اليومي في حياته وسلوكه وانتمائه ومقدار انعكاس هذا الانتماء على سلوكه كفرد أو كجماعة،
فكلما كان سلوك الفرد سلوكاً مناقبياً في المجتمع ارتقى في نفسه وفهمه وحقيقته وبالتالي أصبح فعلا الإنسان الجديد الذي أراد ببنائه الفكري القومي الاجتماعي كما أراد صاحبه وواضع عقيدته.
وكلما كان سلوك الفرد سلوكاً يبتعد عن المناقبية كان الفرد يسقط بعيداً رويداً رويداً على جانب طريق الصراع ما يلب أن يختفي من الحياة القومية الاجتماعية ومهما بلغ فيها من مرتبة يوما ما. ستجده يختفي كليا من حياتنا القومية الاجتماعية كما خبرنا عبر التاريخ القومي الاجتماعي في مسيرة هذه الحركة الإنسانية الإصلاحية الجديدة في تاريخ سورية الحديث، وبنظرة صغيرة وسريعة على تاريخنا الحزبي يمكننا أن تدرك هذه الحقيقية ، فكم من شخصية تربعت على عرش القومية الاجتماعية حين كانت تتميز بمناقبية وسلوك قويم... وكيف اختفت من الذاكرة القومية الاجتماعية حين سيطرت عليها الأنانية والفردية والسلوك غير ألمناقبي؟
وكلكم يعرف ويدرك جيدا بأن "التاريخ يسجل الأفعال ولا يسجل النيات"..
ان القومية الاجتماعية هي أسلوب حياة تبدأ ببدء التفكير الصحيح في عقل الفرد وتنتهي بانتهاء سلوكه القويم.
فليست القومية الاجتماعية أحداث تراكم عجماوي واستغلالاً للمنصب والوظيفة إنما هي إحداث تراكمي واعٍ مدركٍ للحقيقة التي هي نحن وميزانها العام ليس بمقدار ما تملكه من ثقافة ودماثة وحنكة إنما بمقدار ما تمارسه من وعي في التطبيق و السلوك لهذه الحقيقة التي تؤمن بها،
فكلما كان سلوكك مناقبياً ارتقيت في المجتمع حتى أصبحت قدوة.
وكلما كان سلوكك غير مناقبي انهزمت في المجتمع حتى أصبحت نكرة.
ولكي تكون القدوة عليك أن تشعر شعورا حقيقيا بان جراحك النازفة هي مجرد جراح انتصار لحقيقة الأمة حين تتعالى عليها وتنساها من اجل تضميد جراح أمتك وأمتك هي بمثابة أمك التي وجدت لان تكون بارا بهما في مسير حياتك الإنسانية واقصر طريق البر لهما :
الانتماء..
واردد مع سعادة : "أمي وبلادي ابتدأتا حياتي وستلازمانها إلى الانتهاء، فيا أيها الإله أعنِّي لأكون باراً بهما"
واقسم بشرفي وحقيقي ومعتقدي على أنني انتمي ... للأمة التي أوجدت أمي ومن ترابها كانت جبلتها، فيا أيها الإله اعني لكي أكون بارا بهما.
عميد الثقافة والفنون الجميلة
الرفيق هاشم حسين
![]()
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :