الانفعالات النفسية هي ليست مجرد حالة عابرة في حياة الفرد، إنما هي جزء من طبيعته وتكوينه البيولوجي ومركّبه النفسي، ولهذا علينا إدراك حقيقة نفسية الفرد من خلال فعله أو رد فعله في الظرف الذي هو فيه وطبيعة الفعل القائم، وكلما ارتفع مستوى سمو الفرد كان رد فعله بمستوى هذا السمو وهذا الرقي الذي هو فيه مقداراً واتجاهاً ، وكلما دنا مستوى وعي الفرد وتخلفه كان رد فعله متدنياً يُعبّر عن حقيقة نفسيته وحقيقة الحالة التي هو فيها مقداراً واتجاهاً.
الفعل ورد الفعل
كل ما يختلج في نفسه الفرد من أفكار ويدور في عقله من تفكير وتحليل ودرس هو جزء من هذه الانفعالات ، لا بل قد ترتكز عليها بكليتها، فغالبا ما تأتي رسائل الناس والأفراد من كتابات ومنشورات وأحاديث على أساس الحالات النفسية التي هي فيها ويمكن توصيفها عموما ب(الفعل ورد فعل)، فردّ الفعل هو ناتج عن فعل..، والفعل هو أساس رد الفعل، فكلما كان الفعل صائبا، كانت ردود الفعل على نفس المستوى بالسلب أو الإيجاب.
وكلما كان الفعل خائبا أو مخطئا، كانت ردود الفعل على نفس المستوى بالسلب والإيجاب
إذا، رد الفعل هو مبني على أساس الفعل وطبيعته بالسلب والإيجاب، كما هو مبنيٌ على صوابية أو خطأ الفعل نفسه.
الوعي والحالة النفسية:
الحالة النفسية ترتبط ارتباطا وثيقا بمستوى وعي الفرد، فكلما كان مستوى الوعي لدى الفرد مرتفعاً، جاءت ردود فعله على أساس هذا الوعي، وبالتالي استطاع أن يمتص الحالة ويحولها إلى حالة وظيفية، يوظف من خلالها ردود الفعل للفعل على أساس ما يريد من خلال هذا التوظيف، فيحقق نجاحا باهرا في مواجهته ثم يحوّل هذا التوظيف إلى شأن عام يمارسه في محيطه ما يلبث أن يتحول إلى سلوك عام يُعرف بمُسمى: القدوة
وكلما كان مستوى الوعي لدى الفرد متدنياً، جاءت ردود فعله على أساس هذا الوعي المتدني، ومستوى التدني كلما زاد، زاد الخلل معه، وبالتالي اختلطت الأمور وتأرجحت بين الفوضى والخلل والسقوط لعدم إمكانية الفرد على استيعاب الحالة القائمة، فتتحول الحالة إلى إرباك وخلل ما يلبث أن يصبح أزمة لا يمكن الخروج منها إلا بنتائج قد تكون كارثية.
وهنا يصبح التوظيف للحالة ليس بعاملٍ ذاتي، أي أن توظيف الحالة سيطرأ عليه عامل ثالث يقوم بتوظيف الحالة لحسابه ويستغلها وغاياته واستهدافاته، فتصبح الأفراد وسيلة له تحقق له أهدافه إن كان عن قصدٍ أو عن غير قصد، وتتحول كل تصرفاتهم وسلوكهم ونتائجها إلى حالة وظيفية تخدم الطرف الثالث وهذا ما يمكن أن نسميه : الانحراف.
القدوة والانحراف:
إذاً، القدوة: هي الإمكانية الفاعلة القادرة على توظيف الفعل ورد الفعل في الاتجاه الصحيح وتحقيق الغاية الأسمى للفعل في عملية العمل و البناء والتطور وتوظيفها في الأهداف العليا للفعل نفسه والغاية من وجوده التي نشأ أو حدث من اجلها وعلى أساس حقيقة المكان والزمان للفعل ورد الفعل نفسه وتلك الحقيقة التي ارتكز عليها كفعل بحد ذاته.
والقدوة لها اتجاه واحد: المصلحة الجمعية أو مصلحة الجماعة التي تذوب فيها مصلحة الفرد.
الانحراف: هي عملية الخروج عن حقيقة الفعل وتوظيفه في الاتجاه المعاكس له جراء انحرافه عن حقيقته التي نشأ من اجلها أو حدث الفعل من اجلها فبالتالي تَحوّل إلى حالةٍ منافيةٍ للواقع والحقيقة التي كانت هي سبب نشوء أو حدوث الفعل نفسه.
والانحراف له اتجاهان:
1- اتجاه يخدم مجموع أفراد تتفق على نزعة معينة تخدم منطلقاتها الخصوصية، فتعمل لتحقيق مصالحها القريبة ولو تتطلب الأمر المس بمنظومة القيم والأخلاق والنظم دون أن يردعها رادع، فتُحوِّل كل المكتسبات العامة إلى مكتسباتٍ جزئيةٍ ذات نظرة خصوصيةٍ أو مصلحيةٍ قريبةٍ او ضيقة.
2- اتجاه يخدم فرداً واحداً تتوّلد فيه نزعة فردية قاتلة تسيطر على نفسيته، فيحوِّل كل شيء في سبيل هذه النزعة الفردية فيه، ثم يدّمر كامل مكتسبات المجموع العام لحسابه ولو أدى ذلك إلى انحراف الجماعة بكليتها لحساب أنانيته وفرديته، فتنشأ المماحكات والخلافات التي ما تلبث أن تتحول إلى صراع مرير ينتهي بالجماعة نفسها إلى مجموعاتٍ متناحرةٍ قد تقضي على كل خيرٍ عام لأي فعل بالأساس.
إذاً، الانحراف، قد يكون انحرافاً مجموعياً، وقد يكون انحرافاً فردياً يولد انحرافاً جماعياً وفي كلتا الحالتين الانحراف هو خلل نفسي قبل أي شيء لأنه يوّلد نزاعاً ما يلبث أن يتحول إلى فوضى عارمة قد تقضي على مكتسبات الجماعة العامة لحساب المكتسبات الفردية الضيقة أو القريبة أو المصلحة القريبة.
التأسيس هو فعل:
في الإسقاط القومي الاجتماعي، التأسيس هو حركة فعل نشأت من اجل حقيقة تامة ارتكز عليها المؤسس لخلقة حالة اجتماعية جديدة ترتكز على أساس مفاهيمٍ نهضويةٍ لبناء المجتمع بناءً صحيحاً يرتكز على أساس مصلحة الأمة التي عيّنها المؤسس بأنها "فوق كل مصلحة".
وتحوّل فعل التأسيس إلى حركة نهضةٍ شاملةٍ هدفها بعث الأمة من ثباتها إلى حقيقتها الإنسانية لتعود على مسرح الإنسانية لاعباً أساسياً في البناء الحضاري-الثقافي-الاجتماعي-المعرفي المتماهي والحياة الإنسانية وحداثتها وتطورها القائم بارتكازها على حقيقتها التاريخية وعلى تاريخها وارثها الثقافي الحضاري التاريخي الفاعل القائم على وحقيقة ووحدة الشعب الذي عيّنه المؤسس بأنه "يعود إلى ما قبل الزمن التاريخي الجلي".
ولهذا جاء فعل التأسيس على أعلى درجات القدوة في الفعل الإنساني على الإطلاق، حيث أصبح المؤسس بطبيعة الفعل هو المُعلم الذي يسهر على بناء التلميذ ليزرع فيه بذرة التفوق من اجل صيانة حياته وبالتالي صيانة مجتمعه، وعلى اعتبار بان تفوقه ينعكس تفوقاً في مجتمعه والعكس صحيح، فكلما كان المجتمع متفوقا نشأ مع هذا التفوق أفرادٌ متفوقون في طبيعتهم يقدّمون مصلحة المجتمع على مصالحهم الخصوصية أو الضيقة أو القريبة.
الانتماء هو فعل ورد فعل:
جاء الانتماء في الفكر القومي الاجتماعي بطبيعته يخالف النواميس الحقيقة للفعل أو لرد الفعل.
صحيح ان التأسيس هو سبب الانتماء ، وبمكانة رد فعل على استكمالية التأسيس، إلا أن هنا حقيقة علمية أثبتت نفسها من خلال مفهوم التعاقد، حيث أصبح الانتماء فعلاً قائماً بحد ذاته ورد فعل في نفس الوقت، فالتأسيس جاء رد فعل على واقع الأمة القائم، فأصبح فعلاً مطلقاً وهذه هي حقيقة تامة أعلنها سعادة بأنها الحقيقة المطلقة الوحيدة ألا وهي: "حقيقة الأمة".
أما الانتماء، فأصبح فعلاً يمارسه الفرد بالوعي، فينتمي إلى الحقيقة المطلقة التي هي: "الأمة"، ويصبح كل فعل يمارسه هو رد فعل على أساس هذا الانتماء لهذه الحقيقة المطلقة، فلهذا تحول القوميون الاجتماعيون إلى حالة قدوة جماعية في المجتمع، وذلك بطبيعة الوعي والانتماء لهذه الحقيقة، وعرَّف عنهم المؤسس بأنهم : مجموع أفراد إن ساروا على الطريق أُشِير إليهم بالبَنَان : هؤلاء قوميون اجتماعيون..
إذاً، القدوة في القومية الاجتماعية هي حالة وعي وإدراك تام ولها حقيقتان:
- في حقيقة المؤسس جعلته معلماً، هادياً و زعيماً... فأعطته صفة القدوة والفرادة
- وفي حقيقة الأفراد جعلتهم مجموعاً يتميز بالوحدة النفسية التي تُولد وحدة اجتماعية صلبة متينة تميزهم عن سواهم فأعطتهم صفة التفوق النفسي والقدوة الجماعية الاجتماعية.
الحقيقة المرة
سؤال يطرح نفسه:
هل فعل التأسيس وفعل الانتماء أنتجا رد فعل على مستوى هذا التأسيس وهذا الانتماء؟
للوهلة الأولى قد نقول لا، لِما نشاهده من فوضى عارمة تسيطر على المشهد القومي الاجتماعي العام، وعلى مساحة امتداد المؤسسة القومية الاجتماعية، وما يختلج فيها من ويلات ومصائب وتراكمات تهدد وجودها بالشكل طبعاً.
ولكن الحقيقة الجواب هو: نعم
التأسيس والانتماء أنتجا رد فعل رفيع المستوى ويكاد يكون الوحيد على مساحة المسكونة برمتها لان هذا التأسيس جاء ولأول مرة يرتكز على أساس حقيقة مطلقة وحيدة هي "حقيقة الأمة"، والانتماء جاء من اجل هذه الحقيقة، فيصبح أي خلل هو خللاً طارئاً وسطحياً يزول بزوال أسباب الخلل نفسه، لان الخلل هو رد فعل لسلوك، وليس رد فعل للتأسيس نفسه، أو للحقيقة التي نشأ عليها فعل التأسيس بحد ذاته، فمن هنا يصبح أي خللٍ هو عبارة عن خللٍ طارئٍ يزول بزوال الخلل نفسه وينتهي بانتهاء أسباب نشوء الخلل .
مصير القومية الاجتماعية أبدا ليس بخطر كما يتوهم البعض، بل مصير الأفراد وأفعالهم وردود أفعالهم الطارئة هي التي بخطر، وهي تزول بزوال أسباب نشوئها أو أسباب وجودها بحد ذاتها،
إذاَ، الأفراد الذين يمارسون الانحراف هم الذين يصبحون بخطرٍ في هذه الحالة، لان زوالهم حتمي كما شهدنا عبر تاريخ الحركة السورية القومية الاجتماعية، فكانت كل الأفراد التي مارست الانحراف كفعل أو كرد فعل تنتهي بانتهاء أسباب نشوئها أو ولادتها أو وجودها أو المتأثرين بها، والأمثلة كثيرة لن نعطيها هنا منعا من اخذ الموضوع إلى غير حقيقته وهدفه الأساس، وليست الحالة القائمة حاليا إلا حلقة ضمن مسلسل ما تلبث أن تنتهي وتزول ولو بعد حين كما زالت حالات عديدة قبلها، والتي برمتها كانت ترتكز على الحالة النفسية للمنحرفين أنفسهم والمتأثرين بهم، والذين زالوا بزوال الحالة نفسها، وان بقي لها بعض رواسب..، ففي حالات البناء القومي الاجتماعي الصحيح ستزول تلك الرواسب حتماً. صحيح بان ولادة هذه الحالات هي حقيقة مرة ومؤلمة، ولكنها تبقى هذه الحقيقة من طبيعة الحركات الإصلاحية في المجتمعات ومن طبيعة المجتمعات نفسها وطبائع الأفراد وأهوائها.
في الاستنتاج والخلاصة:
الحالة النفسية للإفراد هي عنصر أساسي في عملية تولد انعكاسات سلوكهم العام، فكلما كانت حالاتهم النفسية راقية متقدمة متقدة علوماً ومعارف ترتكز على حقيقة انتمائهم ووعيهم لهذه الحقيقة، كان سلوكهم يرتقي ويتقدم ويصبح فاعلا في المجتمع، فيتحولون إلى المجموع: القدوة
وكلما كانت حالتهم النفسية متخلفة، متأزمة، مترهلة، تفتقد للسمو والرقي وتفتقد للوعي والمعرفة، وتركن إلى المكتسبات الجزئية والضيقة، وتعتمد على الوعي المتلون للحقيقة وتغيب عنهم حقيقة الانتماء والوعي الحقيقي لهذا الانتماء، كان سلوكهم ينحدر ويتراجع ويتقهقر ويصبح عاملا مدمرا، فيتحولون إلى المجموع: المنحرف
وبين القدوة والانحراف ترتكز حقيقة الوعي القومي الاجتماعي العام.
خاتمة:
إذاً، وارتكازاً على ما تقدم أعلاه، نجد، بان الحالة النفسية للأفراد هي عنصر أساسي في بناء الوعي القومي العام في المجتمع عموما، وفي نفسية الفرد نفسه خصوصا، فكلما كان البناء صحيحاً جاءت النتائج مبهرةً وفاعلةً، وكلما كان البناء غير صحيح وضعيف ومتدكدك جاءت النتائج متهالكة كارثية أدت إلى انهيار الُبنيان وبالتالي إلى الخراب والدمار وأول الدمار هو: الانحراف، ..
فالقومية الاجتماعية هي حالة فعل ورد فعل بين البناء الحقيقي لطبيعة الإنسان الجديد وتفوقه النفسي والاجتماعي وبين الحالة النفسية المَرَضية للأفراد الذين لم يخرجوا من أمراضهم بعد، فدخلوا إلى القومية الاجتماعية يحملون في نفوسهم رواسب أمراضهم الاجتماعية والنفسية التي كانت قبل اختبارهم للقومية الاجتماعية وقبل الانتماء وبفعل بناء إذاعي ضعيف هش ، دخلوا محملين بهذه الرواسب ما لبثت أن عادت لتنشط في خلايا عقولهم وتعود لتسيطر عليهم من جديد، فتتحكم بهم وتدفع بهم إلى الانحراف، فيقع الخلل، وتبدأ عملية السقوط التي لا يمكن أن نختصرها إلا بجملة واحدة:
الانحراف هو سلوك غير قويم و خلل نفسي مرضي يسيطر على الفرد يوقع به في أتون الأنانية والفردية فيحوله إلى عنصرٍ مدمر فتولد له ردة سلبية تدفعه للتراجع من اليقين إلى الشك ومن الوضوح إلى البلبلة.
لهذا يصبح الصراع قائما بين المفاهيم القومية الاجتماعية وغايتها وأهدافها التي نشأت من اجلها كفعل بناء وتقدم من ناحية، وسيطرة الأنانية والفردية على سلوك الأفراد من خلال سيطرة حالة نفسية مرضية عليهم تحولهم إلى عناصر تخريب كرد فعل تدمير وتخلف من ناحية أخرى.
اختم:
الانفعالات النفسية للأفراد هي جزء من طبيعة حياتهم، وهي المحرك الأساس في وجودهم، وهي المسيطر على أحداثهم اليومية القريبة والبعيدة، فكلما كانت الانفعالات النفسية راقية ومتزنة جاءت أفعالهم وردود أفعالهم راقية ومتقدمة فتكون قدوة.
وكلما كانت الانفعالات النفسية تسيطر عليها حالات مرضية ووهم وتخلف جاءت أفعالهم وردود أفعالهم متخلفة مترهلة تولد الانحراف وبالتالي الخلل والفوضى وسوء المصير وبالتالي الردة السلوكية والنظامية والأخلاقية والاجتماعية المولدة التخلف.
أيها المتابع الكريم
أيها القومي الاجتماعي المحترم
لاتخشيّن على نهضة نشأت من اجل حقيقة تامة ومطلقة آلا وهي حقيقة الأمة ووجودها، فهي منتصرة حتما لأنها القضاء والقدر.
بل الِخشية هي على الأفراد الذين يسقطون في معارك الارتقاء والتقدم غير مأسوف عليهم وليعلم الجميع بان لا حاجة للأمة للمترهلين، بل الأمة تحتاج كل إمكانية واعية مدركة لحقيقتها في صراع الوجود
صراع الحرية وحق التقدم لتنتصر
عميد الثقافة والفنون الجميلة
الرفيق هاشم حسين
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :