كتبت صفاء درويش في "السياسة":
تفوّق الرئيس المكلّف تشكيل الحكومة سعد الحريري على نفسه وعلى ابن بطوطة في آن، عندما جال في الأيام الماضية على ثلاث عواصم طارحًا أزمة يملك هو وحده مفتاح حلّها. فبعد ما اطمأنّ أن فريقه والمحيطين فيه قد تلقّوا جرعتي اللقاح التي تمكّن من استقدامها خصيصًا لسكان وعاملي بيت الوسط، حلّق الحريري من بيروت إلى القاهرة مقترحًا على الجانب المصري بشخص الرئيس عبد الفتاح السياسي وبحضور كل من وزير الخارجية ومدير المخابرات العامة التوسّط لدى الجانب السعودي للسماح للحريري بتشكيل الحكومة في بيروت. سمع الحريري من الجانب المصري وعودًا ايجابية مقترحين عليه بدورهم اقناع حزب الله عدم المشاركة في الحكومة، الأمر الذي يعتقد الحريري أنّه ممكنًا من دون احداث مواجهة سياسية مع الحزب.
في الإمارات سمع الحريري الوعود الإيجابية نفسها، حيث بات متيقّنًا أنّه شكّل جبهة عربية للضغط على ولي العهد السعودي الرافض لوجوده بأي شكل من الأشكال. من هناك انتقل إلى فرنسا ليبلغه الرئيس ماكرون أنّه تمكّن من اقناع الجانب الأميركي بمنح الحريري ضوءًا أخضر لتشكيل الحكومة.
عاد الحريري إلى بيروت ومنها توجه إلى قصر بعبدا مقدّمًا التشكيلة عينها للرئيس عون، تلك التي كان قد قدمها له قبل ثلاثة أشهر وكانت هي شرارة الخلاف بين الجانبين. قيام الحريري بهذه الخطوة يفسّره أكثر من مصدر متابع لجولة الرئيس المكلّف أنّه دفع للأزمة إلى الأمام وتمرير للوقت ريثما تكون الجهود المصرية الإماراتية قد نجحت باحداث تڨب في جدار الرفض السعودي لتشكيل الحكومة. يراهن الحريري أيضًا على زيارة ماكرون للسعودية، والتي ستحصل خلال ايام، حيث سمع في الإليزيه كلامًا يوحي بأن الفرنسي سيحاول ممارسة ضغط ما على السعودية متسلحًا بالتفويض الأميركي الجديد.
فإذًا، بعد هذه الجولة المكوكية، وبعد لقاء الحريري برئيس دولة عظمى كفرنسا، وبعد زيارتين لماكرون إلى لبنان وأكثر من زيارة إلى الشرق الأوسط، ما زالت ولادة حكومة لبنان متعثرة. هل يُلقى اللوم هنا على الحريري وحده؟ بالطبع لا. فهو رغم عجزه الأكيد أن الرئيس الفرنسي هو من لم ينجح حتى الساعة في تثبيت مبادرته، ودخل اليوم في مرحلة الحديث عن تعديلها. الرئيس الفرنسي نفسه، ورغم موافقة الولايات المتحدة، تراه لم يحسم بعد عملية الزام دولة اقليمية صديقة وحليفة بقراره، وكأن صورته التي اهتزّت في أعين اللبنانيين والمجتمع الدولي لا تعنيه!
مصدر متابع لما حصل في فرنسا يصف خطوة الحريري بتقديم التشكيلة نفسها لرئيس الجمهورية بأنها اهانة لشخص الرئيس الفرنسي، كاشفًا أن اقتراح فرنسا تسمية وزيرين مسيحيين من اصل تسعة وزراء "عدم احترام" لحقوق المسيحيين، حيث تأتي بشكل متعارض مع كلام رأس الكنيسة في الفاتيكان والذي كان قد أكد على ضرورة الحفاظ على الحقوق والوجود المسيحيين في لبنان. يتساءل المصدر، لماذا لم تقترح فرنسا تسمية وزير مسلم وآخر مسيحي، وهل تلعب فعلًا دور الساعي إلى الحل أم أنّها تسعى لمحاولة تحسين وضعية الحريري تجاه دول المحور المراهن على محاصرة العهد وفريق رئيس الجمهورية؟
في هذا الإطار تفيد المعلومات، بأن حزب الله لا يُعد نفسه طرفًا في السجال الحاصل، وأنّ هدفه تشكيل حكومة تحرّك عجلة الإقتصاد وايجاد الحلول، وأنّه مستعد لتقديم كل ما يمكنه من أجل تبديد العراقيل، ولكن في الوقت عينه يرى الحزب أن حقوق المسيحيين وصلاحيات رئيس الجمهورية غير قابلة للمس من قبل أحد، وهي مصنفة لديه ضمن خانة الخطوط الحمر.
في الخلاصة، ما زال الحريري يراوغ ريثما يحصّل موافقة سعودية على تشكيل الحكومة، فيما بات ماكرون تحديدًا في سباق فعلي لحفظ ماء وجهه بعدما تمكن فريق سياسي في لبنان ومعه بضع دول عربية من افشال مساعيه لتشكيل حكومة تضم الجميع، فهل تكون زيارته للسعودية هي المخرج الحقيقي له من اجل الدفع نحو تشكيل حكومة اختصاصيين بمعايير واضحة تضمن حقوق الجميع؟ الإجابة هذا الأسبوع.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :