تضغط حالة "عدم اليقين" التي يشهدها الاقتصاد العالمي تحت وطأة تنامي التوترات الجيوسياسية على أسعار النفط، وتفرض عديداً من السيناريوهات على المستويات السعرية التي يُمكن أن تصل إليها خلال العام الجاري.
وعلى الرغم من أنّ الأسواق قد استوعبت "بشكل نسبي" صدمة الصراع في منطقة الشرق الأوسط، إلاّ أنّ الاضطرابات الحالية في البحر الأحمر والسيناريوهات الأكثر خطورة المتعلقة بتمدّد وتوسّع الحرب على جبهات أخرى، تعزز المخاوف حيال ضغوطات أكثر حدّة، قد تذهب معها أسعار الخام بعيداً لتتجاوز مستوى 100 دولار للبرميل ومستويات أعلى في سيناريو "الحرب الإقليمية".
منذ بداية العام الجاري 2024 وحتى منتصف شباط (فبراير)، ارتفعت أسعار العقود الآجلة لخام برنت بنسبة أكثر من 7 في المئة، كما ارتفع خام غرب تكساس الأميركي بنحو 11 في المئة.
وكان خام برنت قد أنهى العام الماضي عند مستوى 77.04 دولاراً للبرميل، بينما أنهى الخام الأميركي تعاملات العام الماضي عند 71.65 دولاراً للبرميل.
عوامل مختلفة
من لندن، يقول خبير اقتصادات الطاقة، نهاد إسماعيل، في تصريحات خاصة لـ"النهار العربي"، إنّ التوترات الجيوسياسية والتصعيد العسكري بين إسرائيل و"حزب الله" يثيران مخاوف السوق من أنّ رقعة الحرب قد تتسع؛ الأمر الذي يهدّد الإمدادات النفطية. ويبدو أنّ الأسواق استوعبت صدمات اضطراب الشحن في البحر الأحمر وقناة السويس، وبقيت الأسعار في نطاق ضيّق، حيث بقي خام برنت في حدود 83 دولاراً للبرميل وخام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنحو 79 دولاراً للبرميل.
ووفق إسماعيل، هناك عوامل تدعم الأسعار؛ مثل تخفيضات أوبك وحلفائها، ومخاوف من تعطّل الإمدادات بسبب التوترات في منطقة الشرق الأوسط. كذلك على الجانب الآخر هنالك عوامل تضغط على الأسعار وتحدّ من وتيرة صعودها؛ مثل ارتفاع الدولار ومخاوف من تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي، علاوة على ارتفاع المخزونات الأميركية التي شهدت زيادة الأسبوع الماضي تبلغ 12 مليون برميل... كما أنّ ارتفاع الإنتاج في دول خارج أوبك بلس، مثل البرازيل والمكسيك والنرويج، يكبح ارتفاع الأسعار.
ويضيف خبير اقتصادات الطاقة: "يمكن القول إنّه طالما هناك تجاذبات بين عوامل تدعم الأسعار وعوامل تمنع الصعود، فستبقى الأسعار في نطاق ضيّق بأوائل الثمانينات لخام برنت وأواخر السبعينات للخام الأميركي".
الطلب العالمي
ويشير إسماعيل إلى أنّه "من المهمّ الإشارة إلى توقعات السعودية بارتفاع الطلب العالمي على النفط إلى 104 ملايين برميل يومياً خلال 2024، و105 ملايين برميل خلال 2025.. ومن اللافت أنّ وكالة الطاقة الدولية التي مقرّها باريس، تقول إنّ الأسواق قد تحقق فائضاً خلال العام".
وفي منتصف شباط (فبراير) الجاري، خفّضت وكالة الطاقة الدولية توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط عن العام الجاري، من مستويات 1.24 إلى 1.22 مليون برميل يومياً.
وتباطأت مستويات نمو الطلب من 2.8 مليون برميل يومياً في الربع الثالث من العام الماضي 2023 إلى 1.8 مليون برميل يومياً في الربع الأخير من 2023، وهو ما شكّل إشارة على أنّ الطلب يفقد الزخم. وبلغ إجمالي النمو في الطلب العالمي على النفط على مدار العام الماضي، مستويات 2.3 مليون برميل يومياً.
وتراجع إنتاج أوبك 350 ألف برميل يومياً إلى 26.3 مليون برميل يومياً في كانون الثاني (يناير) الماضي. لكن المنظمة أبقت على توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط من دون تغيير عند 2.2 مليون برميل يومياً خلال العام الجاري.
حالة عدم اليقين
وبحسب خبير اقتصادات الطاقة، فإنّ حالة عدم اليقين تبقى حاضرة.. وإذا تدخّلت إيران وأغلقت مضيق هرمز وقام الحوثيون باستهداف ناقلات النفط وإغلاق مضيق باب المندب، فقد تقفز الأسعار إلى مستويات 100 دولار للبرميل أو ربما فوق 120 دولاراً، "وأسعار بهذا المستوى تهدّد الاقتصاد العالمي".
وتشير أحدث التقديرات الصادرة عن معهد التمويل الدولي، إلى أنّ أسعار النفط يُمكن أن ترتفع بنسبة تصل إلى 40 في المئة خلال العام الجاري 2023، حال تطور الصراع في الشرق الأوسط لمنعطف أسوأ، إلاّ أنّ خبراء المعهد يقلّلون من احتمالية تصاعد الصراع. كما يشيرون إلى أنّ فرص اندلاع حرب إقليمية غير واردة إلاّ بنسبة أقل من 30 في المئة فقط.
تتزامن تلك الزيادة مع الضغوطات التي تواجهها أسعار الشحن والتأمين -وعلاوة المخاطر- الأمر الذي من شأنه أن يدفع إلى ضغوط تضخمية أوسع.
المخاطر الجيوسياسية
وفي تصريحات خاصة لـ"النهار العربي"، يقول الباحث الاقتصادي المتخصّص في شؤون النفط والطاقة، عامر الشوبكي، إنّ المخاطر الجيوسياسية تزداد تباعاً في العالم، وتذبذبات أسعار النفط تتجّه معها في سياق صعودي؛ سواءً ارتباطاً بالصراع في الشرق الأوسط وكذلك الحرب في شرق أوروبا، والعوامل التي ترفع حدّة التوترات.
ومن بين تلك العوامل أيضاً استمرار الأزمة في البحر الأحمر من جهة، وكذلك احتمال تمدّد الحرب في غزة إلى لبنان، حيث التوترات تحتدم في تلك المنطقة، وبما يحمل مخاطر جديدة ترفع من العلاوة التي تلقتها أسعار النفط نتيجة تلك المخاطر الجيوسياسية، وفق الشوبكي، الذي يوضح أنّ تلك العلاوة تدور في نطاق بين 2 إلى 7 دولارات للبرميل نتيجة هذه المخاطر، والآن هي مرشحة للزيادة على حسب التوترات التي يحملها السيناريو الحالي.
وبينما لا تزال المخاطر لم تؤثر بعد على الإمدادات ومناطق الإنتاج النفطي في الشرق الأوسط، ولكن -بحسب الشوبكي- فإنّ استمرار الوتيرة على الواقع الحالي (دون تمدّد الحرب في غزة لتشمل مناطق أخرى) يعني إضافة دولارين على الأقل على سعر البرميل لقاء هذه التوترات المتزايدة.
أما إذا امتد الصراع ليشمل أطرافاً أخرى مثل إيران وبما يهدّد مضيق هرمز، فهذا السيناريو يقود أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل الواحد.
ويُبرز الباحث الاقتصادي المتخصّص في شؤون النفط والطاقة، في معرض حديثه مع "النهار العربي"، مجموعة من العوامل الأساسية التي تحدّد اتجاهات الأسعار؛ أهمها ما يتعلق بالإنتاج من خارج أوبك بلس، جنباً إلى جنب وقرارات أوبك المنتظرة في اجتماع آذار (مارس) المقبل، وما إذا كانت سوف تُمدّد دول أوبك بلس قرارات خفض الإنتاج الطوعي البالغة 2.2 مليون برميل في الربع الأول من العام الجاري.
ويُشار إلى أنّه في 30 تشرين الأول (أكتوبر) من العام الماضي 2023، كانت منظمة الدول المصدّرة للنفط "أوبك"، قد أعلنت عن أنّ عدداً من دول "أوبك بلس" سيقوم بخفض إنتاج النفط طوعاً في الربع الأول من 2024 بمقدار 2.2 مليون برميل يومياً، للحفاظ على استقرار سوق النفط. ووفق بيان صادر عن المنظمة، فإنّه بعد الربع الأول، ستعود أحجام إنتاج النفط التي خفّضتها دول "أوبك+" تدريجياً إلى السوق العالمية اعتمادًا على وضع السوق.
ويعتقد الشوبكي، أنّه إذا ما استمرت هذه التخفيضات، فإنّها سوف تضغط على المخزونات العالمية، وبالتالي هذا يحافظ على أسعار النفط عند أكثر من 80 دولاراً إلى 85 دولاراً للبرميل في النصف الأول من العام الجاري "من دون زيادة في المخاطر الجيوسياسية المذكورة".
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :