بتاريخ 10/11/2020، أنجزت لجنة الإدارة والعدل النيابية اقتراح القانون الرّامي إلى "تجريم التحرّش الجنسي وتأهيل ضحاياه" وأرسلته إلى مجلس النواب الذي أقره أخيراً. ورغم أنه من الجيد إقرار هذا القانون، إلا أن لبنان يعتبر متأخراً نسبياً في تجريم هذا الفعل، الأمر الذي جعلنا ننتظر نصوصاً أكثر دقة وتماسكاً.
عرّف اقتراح النائب عزّ الدين التحرّش الجنسي على أنه "أي سلوك سيّئ متكرر خارج عن المألوف، غير مرغوب فيه من الضحية، ذو مدلول جنسي يشكّل انتهاكاً للجسد أو للخصوصية أو للمشاعر، يقع على الضحيّة في أي مكانٍ وُجِدَت، عبر أقوال أو أفعال أو إشارات أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية وبأي وسيلة تمّ التحرّش بها بما في ذلك الوسائل الإلكترونية". ويعتبر الاقتراحُ أيضاً تحرّشاً جنسياً "كلّ فعل أو مسعى ولو كان غير متكرر يستخدم أي نوع من الضغط النفسي أو المعنوي أو المادي أو العنصري يهدف فعلياً للحصول على منفعة ذات طبيعة جنسية يستفيد منها الفاعل أو الغير". لا يبعد هذا التعريف كثيراً عما ورد في قانون العقوبات الفرنسي (Art. 222-33 Code pénal).
لقد عاقب الاقتراح التحرّش معتمداً شمولية المكان الذي وقع فيه، كما وأزال عنصر التكرار في حال توفّر أي نوع من الضغط على الضحية وهذا جيد. إلا أنه لم يتناول أحكاماً خاصة للتحرش في إطار العمل. ويطرح التساؤل عن الحاجة لتخصيص نصوص قانونية لأماكن العمل بينما يحمي النص الموجود الأجراء على حدّ سواء؟
قد يكون ذلك مفيداً إذا ما تم تسهيل الإثبات على الضحية (الأجير) باعتماد القرينة البسيطة مثلاً. وعلى العكس، إنزال عقوبات موجعة على صاحب العمل بحيث تشكل رادعاً جديّاً.
كما ويؤخذ على الاقتراح أنّه لم يشمل التّحرش في العلاقات الزّوجية لاعتبارات اجتماعيّة، الأمر الذي يعتبر سقطة للمشرّع اللبناني.
على عكس المشرع الفرنسي، استخدم المشرع اللبناني مصطلح "السلوك السيّئ" في تعريفه للتحرش، الأمر الذي جعله عرضة للانتقاد من قبل بعض الفقهاء، فرأى المحامي كريم نمور أن استخدام اقتراح القانون لكلمة "سيّئ" في توصيفه للسلوك المُقترف يشي بمقاربة أخلاقية ما يستتبع اعتماد عناصر غير موضوعية لتوصيف الفعل. وهذا النّقد بنّاء. فما هو سيّئ بالنسبة لقاضٍ ما قد لا يكون سيئاً بالنسبة لآخر.
عن العقوبة
يُعاقِب الاقتراح كل من أقدم على ارتكاب جريمة التحرّش الجنسي بالحبس من شهر حتى سنة و/أو بغرامة تتراوح بين ثلاثة وعشرة أضعاف الحد الأدنى الرسمي للأجور، وقد تصل العقوبة إلى ستة أشهر كحد أدنى وسنتين كحد أقصى و/أو بغرامة تتراوح من عشرة أضعاف إلى عشرين ضعف في حال وقع الفعل في إطار رابطة التبعية أو علاقة العمل أو في إحدى الإدارات الرسمية أو وسائل النقل أو إذا كان المتحرّش موظفاً رسمياً.
أمّا في حال وقع الجرم على حدث أو على شخص من ذوي الحاجات الخاصة، أو على من كان لا يستطيع المدافعة عن نفسه، أو في حال كان الفاعل ممن له سلطة مادية أو معنوية أو وظيفية أو تعليمية على الضحية، أو استخدم الضغط الشديد النفسي أو المعنوي أو المادي على الضحية، أو ارتكب الفعل شخصان أو أكثر، فيتحوّل الفعل من جنحة إلى جناية تُعاقب من سنتين إلى أربع سنوات سجن وبغرامة تتراوح من ثلاثين إلى خمسين ضعف الحد الأدنى الرسمي للأجور.
إن بنود هذا النّص متضاربة، لأنّ الأفعال التي تقع في إطار رابطة التبعية غالباً ما يكون فيها للفاعل سلطة مادية أو معنوية أو وظيفية على الضحيّة. وبالتالي فالتمايز هنا من شأنه خلق إشكاليات عمليّة حول توصيف الفعل وتحديد العقوبة.
• عقوبة غير رادعة: رغم أن الغرامة قد تصل إلى خمسين ضعف الحد الأدنى للأجور كحد أقصى إلا أنّها تبقى غير رادعة مقارنة بالحد الأدنى للأجور اللبناني. كما وأنها تعتبر متواضعة نسبة لما قد يتعرّض له أصحاب العمل أو السلطة المادية أو المعنوية أو الوظيفية في بلدان أخرى حيث يعاقب مثلاً في فرنسا بالحبس سنتين وبغرامة 30000 يورو وقد تصل إلى ثلاث سنوات حبس و 45000 يورو في حالات خاصّة.
• عن عبء الإثبات
على الضحية إثبات الضرر والنيّة في قضايا التحرّش وهو أمر غالباً ما يصعب إثباته. لكن في المقابل أليس المتهم بريئاً حتّى إثبات العكس؟
يستطيع القضاة إضفاء شيء من التوازن حيث يبقى عبء إثبات الضّرر على الضحية ويكون هناك قرينة بسيطة على وجود النّية، يتوجب على المتّهم بالتحرش دحضها.
سينتيا الفليطي
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :