مقالع، كسارات. نقل ستوك ومعامل ترابة... كلها عبارات تدلّ حتما على مخالفات بيئية وانتهاكات قانونية وتواطؤ رسمي شامل في زمن الفراغ وغياب المسؤوليات.
انه مشهد متراكم يختصر حجم الازمات في منطقة الكورة وحدها، اذ ان قصة الكورة ومعامل الترابة قديمة، وتحرك الاهالي الاحتجاجي قديم ايضا. فهل من جديد في هذه القضية المتراكمة؟ واي اطار حل يمكن ان يسلكه الاهالي لانقاذ ما تبقى من ارضهم وصحتهم؟
المفارقة ان التحركات الاحتجاجية لم تقتصر فقط على اهالي الكورة الذين يُعتبرون المتضررين الاوائل من هذا الانتهاك الفاضح للقوانين وللبيئة ولقرارات قضائية ووزارية، انما اصحاب المعامل انفسهم لم يتوانوا، اخيرا، عن تنظيم تحرك امام وزارة البيئة رفضاً "لأداء هذه الوزارة الرافض اعطاءهم أذونات لعملهم".
وعلى رغم هذا "الرفض البيئي"، فان المعامل "شغّالة" والفوضى "على عينك يا تاجر"، حتى لم يعد السؤال: "مَن يتواطؤ مع مَن؟"، بل "كم بات حجم التواطؤ وعدد المخالفات القانونية والاذونات الوزارية الرسمية لعمل غير شرعي وغير قانوني"؟
250 مليون دولار !
منذ عام 1994، حين اتُّخذ قرار منع استيراد الاسمنت، "فتكت" ثلاثة معامل ترابة ب#لبنان وجماله وبيئته، لانها لم تحترم القوانين، لا بل امعنت في كسر القانون والقرارات القضائية والمراسيم الوزارية.
ولا شك في ان التوازنات السياسية - الطائفية ادت دورها بالكامل في تأمين هذه التغطية، حتى وصلنا الى "مافيا" تحتكر وتسعّر وتُضارِب وتربح. عندئذ، لم يعد من مبرر للعجب اذا "فلتت" الاسعار ثلاثة اضعاف وحقق المعنيون ارباحا خيالية.
يقول رئيس "جمعية وصية الارض" فارس ناصيف لـ"النهار": "حقق هؤلاء ما يقدّر بـ 250 مليون دولار سنويا، نتيجة هذا الاحتكار والتغطية السياسية للمعامل. كانت هذه المبالغ تذهب الى احزاب ووزراء ونواب متواطئين ومسهّلين عملهم اللا- قانوني، فضلاً طبعا عن رؤساء بلديات يمررون المخالفات ولا يبلغون عنها".
باختصار، هذا هو الواقع الذي لا يزال يدمر الكورة التي فيها وحدها معملان للترابة مقابل تحرك رافض من الاهالي.
هكذا، بهذه البساطة، كانت #شركات الاسمنت، وبعد كل فترة من الانقطاع الموقت، تعود الى عملها، كما يحصل اليوم، تحت غطاء او قرارات من وزارتي الداخلية والصناعة، اي اذونات وزارية، فيما لا تزال وزارة البيئة تمتنع عن اعطاء الاذن. والاغرب ان ثمة قرارات قضائية (هذا فضلا عن القوانين الواضحة) صادرة عن مجلس شورى الدولة، تطالب بوقف العمل، ولا من مجيب!
هذه الفوضى لا تزال الكورة تعيشها، منذ اشهر، بعدما كانت الشركتان قد توقفتا عن العمل، وتحديدا في 15 شباط الفائت، بسبب انتهاء المهلة التي كان مجلس الوزراء قد اعطاها لهما.
باختصار، هي حجة "نقل الستوك" التي يتحجج بها البعض لتمرير الاعمال ... والمخالفات.
يشرح ناصيف ان مجلس شورى الدولة اصدر، حتى اللحظة، ثلاثة قرارات تطالب بوقف العمل. الاول حمل الرقم 210 في العام 2022، والثاني أتى تحت الرقم 217 في العام 2022، والقرار الثالث حمل الرقم 480 وصدر في 20 نيسان 2023. وكلها تطالب بوقف الاعمال، لا بل تشير صراحة الى ان "الدولة تقتل المواطنين وتغطي جرائم بحق البيئة والشعب"، وترفض "منح مجلس الوزراء صلاحيات باعطاء مهل للحفر لشركات الاسمنت"، لكون هذا العمل "يخالف الانظمة المرعية ولاسيما مرسوم تنظيم المقالع والكسارات".
وسط هذه المخالفات، لا تزال آليات شركتَي الاسمنت في الكورة "هولسيم" (بدأت العمل عام 1932) و"الترابة الوطنية، السبع" (باشرت عملها عام 1961) تنشط على مرأى من الجميع، وبتواطؤ من "امن الدولة والمعلومات والدرك والبلديات، وطبعا بتسهيل من وزارتي الصناعة والداخلية، لا بل مجلس الوزراء برمته"، وفق ناصيف.
فوزير الصناعة جورج بوشكيان سبق له ان ارسل كتابا الى وزارة الداخلية بتاريخ 5 نيسان 2023، يطلب "نقل وطحن مخزون المواد الاولية المستخرجة من دون القيام بأعمال الحفر"، تحت حجة "الحفاظ على استمرار عمل المصانع واستقرار السوق ولاسيما مادة الترابة الاساسية".
وعليه، ارسل وزير الداخلية بسام مولوي كتابا الى محافظتي جبل لبنان ولبنان الشمالي بعنوان "السماح لشركات انتاج الترابة في لبنان بنقل وطحن مخزون المواد الاولية"، وحدد المهل بـ45 يوما.
ومن البديهي القول ان الطحن يعني حكماً تشغيل الكسارات... وهنا لا داعي للتذكير بحجم المخالفات التي تستتبع هذه الخطوة.
ويلفت ناصيف الى انه "لا يمكن لأي مسؤول او وزير ان يعطي اذنا بنقل الستوك، منذ انتهاء المهلة المعطاة من مجلس الوزراء، اي مع حلول 30 حزيران 2022، وهذه المهلة لم تجدد، لكون الحكومة باتت حكومة تصريف اعمال".
إذاً "فلت الملق"... خلال ايام حكومة الرئيس حسان دياب، عملت الشركتان اربعة اشهر فقط خلال عامين، لانه تم احترام القوانين والقرارات. واليوم، المخالفات لا تحصى!
اين القانون؟
امام حجم المخالفات، ألا يُعتبر تحرك الاهالي خجولا او محدودا؟
يعترف ناصيف بان "لاهالي تعبوا، لكنهم لا يوفرون وسيلة إلا ويضغطون من خلالها. والاهم انهم لا يسكتون، بل ان عملهم مستمر".
ويتحدث عن الشق القانوني - القضائي الذي ينقسم الى محورين. محور داخلي تتولاه "المفكرة القانونية" عبر المحامي نزار صاغية في رفع شكاوى امام شورى الدولة وربحها من خلال القرارات الثلاثة الاخيرة التي صدرت. ومحور خارجي دولي، اذ قدمت "جمعية وصية الارض" شكوى امام مجلس حقوق الانسان التابع للامم المتحدة ضد الدولة اللبنانية، وشرحت المخالفات التي ارتُكبت.
من هنا، فان قانون البيئة ومرسوم تنظيم المقالع والكسارات يرعيان هذا العمل تحت ضوابط قانونية وتنظيمية اكثر من واضحة. وهذا ما لا يُحترم في الكورة. وقد اتت قرارات شورى الدولة، لاسيما بين العامين 2022 و2023 لتؤكد صوابية الشق القانوني الذي يعتمده الاهالي.
... انما على الارض، الامور فالتة، وكل الجهات المعنية تضرب عرض الحائط بقرارات سلطة شورى الدولة... فهل من استباحة اكبر؟
... نعم، ويا للاسف، ثمة استباحة اخرى. يكشف ناصيف ان "البطريركية المارونية لا تساندهم في التحرك، لانها تملك 12 في المئة من شركة "هولسيم"".
كيف؟ ببساطة، لان "ابناء كفرحزير تبرعوا بمليون ونصف مليون متر مربع من الاراضي للكنيسة كي تكون نذورات عن صحة ابناء البلدة"، يقول ناصيف، "انما الواقع أتى مخالفا، اذ اهدرت هذه الاراضي من صحة اهالي الكورة بسبب شركات الاسمنت"!...
وبعد، هل ثمة ما يقال في زمن التقهقر التام والشامل...؟!
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :