مُذّ أُعّلِن إتفاق وقف إطلاق النار في جولة القتال الأولى في مخيم عين الحلوة الشهر المنصرم، لم يُصدّق اللاعبون على ساحة المخيم للحظة بأن الإشتباكات قد انتهت.. فالجميع كان يدرك بأن الاتفاق ليس سوى “هدنة مؤقتة” و”استراحة محارب” قبل جولة قتال جديدة ينتظرونها ويعدون لها ما استطاعوا من قوة ويحشدون ما ملكوا من إمكانات. فجمر الأحقاد ونوايا “الثأر” كان يتخفى تحت رماد الضغوط السياسية للجم الانفجار.. لكن ثمّة حقيقة بأن الحرب في أكبر مخيمات لبنان لم تفتح لكي تقفل.
سرعان ما ذاب الثلج وبان المرج وتجدد القتال مساء أمس، فكل المؤشرات والمعطيات الأمنية والعسكرية وتحركات التنظيمات المتطرفة وكذلك عناصر حركة فتح، كانت تشي بأن ساعة المعركة المقبلة قد دنت ودقت.
ما هي دوافع إعادة فتح جبهة عين الحلوة بجولتها الأولى والثانية؟ ولماذا مخيم عين الحلوة تحديداً؟ وإلى أين يتجه مسار المواجهة؟ وهل تنجح حركة فتح بإعادة إحكام قبضتها على كامل المخيم؟ أم تنجح التنظيمات المتطرفة بالتوسع الميداني على حساب فتح؟ وهل تُثمر وساطات ربع الساعة الأخير بنزع صاعق انفجار المعركة التي ستكون أقسى وأشد إيلاماً من جولة تموز وفق ما تقول مصادر أمنية وميدانية؟.
عين الحلوة
لا شك أن مخيم عين الحلوة كأكبر مخيمات لبنان ويحوي كافة الفصائل الفلسطينية له رمزية ترتبط بالصراع الفلسطيني العربي – الإسرائيلي وعودة اللاجئين الفلسطينيين الى أرضهم المحتلة، وكذلك بصراع النفوذ بين التنظيمات الفلسطينية في لبنان وفلسطين لا سيما حركتي فتح وحماس وبالتالي يشكل المخيم امتداداً سياسياً وعسكرياً لغزة والضفة الغربية.
ثمّة من يربط انفجار الوضع الأمني في عين الحلوة بزيارة رئيس المخابرات الفلسطينية ماجد فرج الى المخيم قبل أيام من اندلاع الإشتباكات في تموز الماضي، وبعد أسابيع قليلة على معارك جنين في الضفة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، حيث شكل صمود أهالي جنين مفاجأة كبيرة للقيادة الإسرائيلية التي حمّلت قوات الأمن الفلسطيني المسؤولية، فكان إشعال المخيم الرد الفتحاوي للتعويض المعنوي. لكن ثمة قراءة مغايرة للمعركة ترتبط بمشروع التطبيع بين الإسرائيليين ودول الخليج والسعودية تحديداً وحل الدولتين الذي يدفع به الرئيس الأميركي جو بادين قدماً قبل نهاية ولايته، وهذا يتطلب تسوية نهائية لأزمة اللاجئين كأحد العقد الكأداء أمام مشروع التطبيع والسلام.. فلا بد من إشعال المخيم وتهجير أهله ودمجهم في المجتمع اللبناني في إطار إنهاء قضية اللاجئين. وتتهم مصادر فلسطينية إحدى الجهات الاقليمية العربية بتمويل هذا المشروع وتستند إلى معطيات عدة أبرزها تزامن حركة موفد أمني عربي في لبنان مع اندلاع الاشتباكات.
فيما تشير مصادر أخرى إلى أن انفجار المخيم جاء بعد حوالي 7 أشهر على توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وكيان الاحتلال وقبيل شهر ونيف من بدء أعمال التنقيب والحفر لاستخراج الغاز من بلوك 9 في الجنوب، وهذا يتطلب تفريغ المخيم من المجموعات الارهابية التي تشكل تهديداً لخط الساحل البحري. ومن الأهداف أيضاً “تعويم” المجموعات المتطرفة في لبنان بالتزامن مع إعادة الأميركيين تحريك تنظيم “داعش” في سوريا لإرباك حزب الله ومحور المقاومة في المنطقة وضرب الإستقرار في الجنوب وربما توريط الجيش اللبناني لفرض انتخاب رئيس للجمهورية يخدم المصالح الأميركية، إلا أن مرجعاً رسمياً فلسطينياً رفيعاً يؤكد بأنه طالما حركة فتح قوية في المخيم فلن يستدعي الأمر دخول الجيش اللبناني.
ووفق مصادر ميدانية دقيقة فإن المجموعات المتطرفة في المخيم تتشكل من فلسطينيين وسوريين عبروا الحدود السورية اللبنانية منذ حوالي العام، اضافة الى لبنانيين من أتباع أحمد الأسير ومن المتطرفين في طرابلس، ويتمركزون في نقاط عدة ويعملون على استقطاب الشباب الفلسطيني واللبناني.
ويعزو المرجع الذي يواكب كل الاجتماعات والجهود لوقف إطلاق النار سبب عودة الإشتباكات، إلى رفض المسلحين تسليم قتلة “العرموشي”. ويلفت الى أن “المجموعات المتطرفة تلقت دعماً خارجياً للسيطرة على المخيم بعد عودة داعش إلى الواجهة في أكثر من ساحة بالمنطقة، ولا بد من كسر شوكة حركة فتح فبدأت عملية الهجوم على مراكزها واغتيال كوادرها، وكان الاعتقاد أن اغتيال رأس قيادتها الأمنية المتمثل بالعرموشي يضرب معنوياتها وتصاب بالإنهيار، لكنها تفاجأت بأن الحركة استوعبت الضربة وخاضت مواجهة وصدت المسلحين”.
ويحذر المرجع من مشروع السيطرة على المخيم ورفع علم “داعش” فيه، ما يؤدي الى زعزعة الإستقرار في المنطقة وينعكس على بقية المخيمات وبؤر التوتر الأمني في لبنان، لكن فتح لن تسمح بذلك وستعمل للقضاء على الحالة المتطرفة ولن تنتهي المعركة قبل تسليم المسؤولين الثلاثة المعروفين عن مقتل العرموشي”. ويكشف المرجع عن دخول مسلحين وسلاح وأموال للمجموعات المتطرفة في المخيم، لكنه يتحدث عن مبالغة بالتقديرات عن حجم الدعم التسليحي والمالي.
ويشير الى أن عجز المتطرفين بتحقيق هدفهم بالسيطرة على المخيم انعكس على معنوياتها فلجأوا إلى المناورة في المفاوضات والتلكؤ بتسليم القتلة لكنهم نفذوا أحد بنود الاتفاق بالانسحاب من 3 مدارس في المخيم لتأخير ردة فعل فتح التي استجابت لكل النداءات والتمنيات والجهود من المسؤولين في الدولة اللبنانية وهيئة العمل الفلسطيني المشترك ولم تقم بأي عمل أمني أو عسكري لتفادي الانعكاسات على الإستقرار في المخيم والجوار، لكن أي تساهل مع هذه المجموعات المسلحة سيؤدي إلى تمددها إلى سائر المخيم والخارج.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :