تراجع النموذج الأميركي في العالم !!..

تراجع النموذج الأميركي في العالم !!..

 

 

 

 

يتحدث علماء وسياسيون أميركيون كستيفن وولت، وهنري كيسنجر وغيرهم عن تراجع النموذج الأميركي الاستثنائي، الذي يتفوّق عالمياً ويجذب إليه شعوب العالم، ودائماً ما يطالبون بضرورة التعاون مع الدول الأخرى، لا سيما الصين لأن الولايات المتحدة الأميركية لم تعد قادرة على أن تكون هي القائدة للعالم.

ويقول بول كينيدي في كتابه “صعود القوى العظمى وهبوطها” إن وصول الولايات المتحدة إلى نقطة “التمدد الزائد” للإمبراطورية، هو سبب الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية البنيوية التي تفاقمت في الولايات المتحدة في العقود الماضية.
من ناحيته يقول جورج فريدمان في كتابه “العشرية القادمة” الصادر في العام 2011؛ إنّ الولايات المتحدة وجدت نفسها تصارع في عالمٍ معقّد بسبب “التوسع الزائد” غير المخطط له، حيث امتدت مصالحها وقواتها في معظم أرجاء العالم.
ويعيد المؤرخ الأمريكي موريس بيرمان في دراسة له بعنوان ( Why America Failed: The Roots of Imperial Decline ) التراجع الأمريكي إلى عوامل أربعة تدفعه باستمرار، وهي: تنامي الفوارق الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع الأمريكي، وتناقص العائد من الاستثمارات في البنى الاجتماعية، وتراجع الفكر النقدي، ثم ما أسماه الموت الروحي للولايات المتحدة. بل إنه يعيد بعض هذه التناقضات إلى بنية قيمية متناقضة بين الشمال الذي تسيطر عليه فكرة السعي المتواصل لملكية الثروة دون أي قيود، وبين الجنوب الذي تسيطر عليه قيم الشجاعة والشرف والود.
ويرجع البعض هذا التراجع، إلى تراجع الليبرالية وبداية سقوط النموذج الليبرالي حيث يقول باتريك ج. دنيين
في كتابه لماذا فشلت الليبرالية؟ WHY LIBERALISM FAILED إن نهاية الليبرالية في الأفق، كما أنه يُوضح أن النظام الليبرالي يتآكل ويتلاشى من داخله، لأسباب نظرية وعملية لا يمكن إصلاحها مرة أخرى، فيرى أن هذا الانهيار قد يستمر سنوات طويلة لكن نهاية هذا النظام حتمية كما هو حال كل الأيديولوجيات التي نشأت ثم اندثرت في الماضي. وهو يؤكد على تزايد عدم الرضى عن النظام الليبرالي، فالاختلال على المستوى السياسي، التفاوت الاقتصادي، سيطرة التكنولوجيا، التمزق الاجتماعي وتزايد النزعة الفردية وغياب الشعور بالألفة وغيرها من المشاكل سوف تتفاقم بالمجتمعات الغربية. بناءً على ذلك فإن نهاية الليبرالية في الأفق ومسألة وقت لا غير. لذلك فهو يؤكد أن المشكلة ليست في برنامج أو ممارسة الليبرالية بل بالنظام الليبرالي نفسه.
ويمكن ملاحظة الكثير من المؤشرات التي تدلّ على تراجع قوة أميركا في العالم، خاصةً لجهة تغير الرأي العام العالمي من الهيمنة الأميركية، لا سيما بعد الحرب في أوكرانيا، وقد نشرت جامعة كامبريدج في هذا السياق دراسة تحت عنوان “عالم منقسم: روسيا والصين والغرب” تفحص من خلالها كيف تتغير مواقف الرأي العام حول العالم تجاه القوى الدولية الكبرى، الصين وروسيا والولايات المتحدة الأميركية، في أعقاب حرب أوكرانيا، وصعود الصين، والتحديات التي تواجهها الديمقراطية الأميركية. حيث قامت الدراسة بتنسيق ودمج البيانات من ثلاثين مشروعاً إحصائياً عالمياً تغطي مجتمعة 137 دولة تمثل 97% من سكان العالم.
وبينت الدراسة أن الديمقراطيات الغربية تقف بحزم أكثر من أي وقت مضى خلف الولايات المتحدة. كما أن الحرب في أوكرانيا حفزت المجتمعات الديمقراطية والليبرالية في جميع أنحاء العالم إلى اتخاذ موقف أكثر تأييداً لأميركا. لكن في مساحات شاسعة من البلدان الممتدة من أوراسيا القارية إلى افريقيا نجد أن المجتمعات اقتربت أكثر من الصين وروسيا على مدار العقد الماضي. نتيجية لذلك، فإن الصين وروسيا تتقدمان بفارق ضئيل على الولايات المتحدة في شعبيتها بين الدول النامية.
وبينت الدراسة أنّ العالم اليوم ممزقٌ بين مجموعتين متعارضتين: تحالف بحري من الديمقراطيات بقيادة الولايات المتحدة، وكتلة أوروبية آسيوية من الدول غير الليبرالية أو الأوتوقراطية، التي تتمحور حول روسيا والصين.
ومن النتائج المهمة لهذه الدراسة، أنّ العالم انقسم إلى دوائر ليبرالية وغير ليبرالية. فمن بين 1.2 مليار شخص يسكنون الديمقراطيات الليبرالية في العالم، فإنّ (75%) لديهم وجهة نظر سلبية تجاه الصين، و87% لديهم نظرة سلبية تجاه روسيا. ولكن المهم أنه على الرغم من ذلك، فإنه بالنسبة لـ6.3 مليار شخص الذين يعيشون في بقية العالم، فإنّ الصورة معكوسة، ففي هذه المجتمعات يشعر 70% بإيجابية تجاه الصين، و66% تجاه روسيا.
ما تقدم، يبيّن لنا مدى الانقسام الحاصل في العالم، والذي على أساسه سوف تزداد التجاذبات، ليس فقط على مستوى الدول، إنّما على مستوى الشعوب ايضاً، لأنّ الرأي العام العالمي يتأثر بالانقسام والتجاذب الحاصل، على كل المستويات وبكل المعايير والأطروحات. فالدول التي تتصارع على القوة والنفوذ في العالم هي التي تؤثر في شعوبها، إلا أنّ المسار العام يبيّن تقدماً عالمياً واضحاً لرافضي الليبرالية والهيمنة الأميركية، فيما يزداد تأييد المحور الآخر كروسيا والصين خاصةً من قبل الدول النامية والأكثر فقراً.

المصدر: مركز الدراسات السياسية

الكاتب: علي مطر

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي