لا توازن بين العلاقات السورية – الإيرانية والسورية – العربية، والتطبيع مفتعل ومرفوض
ما يميز حديث السيد الرئيس بشار الأسد هو الموضوعية، والانطلاق من الواقع في قياس الحاضر والتأسيس للمستقبل، وبالطبع هذا سرّ من أسرار نجاح أي دولة، أو بالحد الأدنى قدرتها على التكيف مع بعض الظروف التي تفرضها طبيعة الأحداث ولا سيما العدوانية منها، والتي ترتّب بطبيعة الحال أحداث أخرى يُظهر التعاطي معها منسوب القدرة من جهة، والنتائج الثابتة والأخرى المتراجعة من جهةٍ أخرى، ولعلَّ من أهمّ نتائج الموضوعية هو عدم رفع حدّة التعامل مع الأحداث الأولى خلال عام 2011، وهو ما قاله الرئيس : “تأنينا في دراسة ما يجري.. حتى عرفنا أنها مؤامرة على الوطن”. (مضمون خطابه في مجلس الشعب). وأيضاً، من خلال الاستجابة التي بدت في تعديل الدستور النافذ للآن منذ 27 شباط عام 2012.
وما تبعها أيضاً من احتواء للكثير من المناطق التي أشتدّت فيها ضراوة المعارك عبر التسويات “المصالحات” والتي توِّجت في الفترة القليلة الماضية بمرسوم العفو العام رقم 7 لعام 2022.
ما لفتني خلال لقاء السيد الرئيس مع “قناة RT بالعربي الروسية”، هو نوعية الأسئلة والتي يمكن القول أنها جاءت ملَّخِّصةً لحد ما، مرحلة الحرب، وما بعدها ربطاً أيضاً بتبيان التعاطي المستقبليّ مع مجمل التطورات، والنتائج المستخلصة من طبيعة الصراع المفروض من المعسكر الغربيّ وكيف يمكن البناء عليه انطلاقاً من تلك النتائج.
على المستوى الداخلي، برزت قراءة حقيقة وجدّية خلافاً لما يروّجه البعض بحصر سبب التعب الاقتصادي بأمرٍ وحيد وهو العقوبات المفروضة على الشعب السوري أو ما يعرف بـ “قانون قيصر” المُقرّ أمريكياً، والذي يهدف بالمقام الأول لقطع أوصال التواصل مع دمشق، وتجلّت القراءة في أن “قيصر” هو جزء من الحرب الاقتصادية، وهناك أسباب أخرى تحتاج لمعالجة لتكون عاملاً مهماً في النهوض على مستوى تطوير النظام الإداري مع الإشارة لأن النظام الإداري السوري مركزي، فالجهاز الإداري المركزي الوحيد هو الدولة، ما يؤشّر على أهمية تفعيل اللامركزية الإدارية بصورة أكبر، ولأن قوة أي دولة في نظامها الإداري المترجم لسياستها الأخرى وأهمها الاقتصادية وهو ما أشار إليه خلال جلسة مجلس الوزراء، إضافة لمحاربة الفساد الذي يزيد الحصار ضراوة وهي مبتدأة في العديد من المؤسسات. يضاف لها العمل على حل مشكلة الكهرباء كونها كلمة السرّ في العملية الإنتاجية، وخلق القدرة على التوفيق بين التحديات المعيشية والقضية الوطنية.
على خطٍ مواز، تجلت القراءة في رسم طبيعة التعامل مع المستقبل القريب عبر استمرار التواصل مع الدول ولا سيما العربية منها، وخصوصاً عندما أشار لعدم الحقد كونه دليل على الضعف، هذا الحقد الذي اعتقد الكثيرون أنه موجود، أو لنقل مرتفع المنسوب والقتامة، بعد بروز بصمات الدول العربية في الحرب على سورية من خلال الدعم اللامتناه للجماعات الإرهابية المسلّحة مادياً ولوجستياً، مع ربط ضرورة العودة للجامعة العربية بالتحرر من الملفات الضاغطة والمغطية للاعتداءات عبر سني الحرب، حتى يمكن التعويل على دور الجامعة في المستقبل، و وزن القمة في أنها بالجزائر.
وبحسب مصادر خاصة، عند زيارة الوفد الموريتاني الشهر الماضي، لسورية وضّح الرئيس الأسد مدى التعاون المأمول مع الدول العربية ومنها الإمارات، وبأنه يلوح في الأفق تواصل سوري – سعودي قريب، بعد اتجاه بن سلمان إلى ترتيب بيته الداخلي، ما يؤشّر على بوادر جديدة في التواصل مع دمشق خليجياً، ومن جهة أخرى دقّ الرئيس الأسد المسمار في نعش من يروّج لدور العلاقة الإيرانية بسورية في توجيه بقية العلاقات، أو التعويل عليها دون غيرها واللجوء لرسوخ العلاقة والاستغناء عن بقية العلاقات، بقوله : “مصطلح التوازن غير صحيح، التوازن يعني وجود تناقض، وهذا غير موجود، ليس هناك مَن يحدد علاقتنا بأحد، ولا نحدد علاقته بأحد”.
في الصدد نفسه، انبلاج الحل العسكري في مواجهة العملية العسكرية التركية شمال سورية التي تعمل على إنشاء منطقة آمنة بعمق 30 كم. لحماية الحدود التركية من “قسد” وفق التصريحات المزعومة من النظام التركي، وهنا من المهم التوقف عند هذه الجزئية كون الرئيس الأسد أكّد على المواجهة العسكرية عندما تتوفر الظروف في الوقت الذي تشير فيه أنباء متضاربة عن تسخين للجبهة الشمالية، وتعزيز للوجود العسكري السوري هناك إضافةً لنشر طائرات روسية هجومية في مطار أبو الظهور في إدلب، وتجدر الإشارة هنا إلى لعب النظام التركي أوراق ضاغطة بمواجهة دمشق في ملف اللاجئين السوريين، وهنا، يمكن القول أن رسالة الأسد أتت باتجاهين متوازيين، الأولى للتركي بإنبائه بوجود عملية عسكرية، والثانية “لقسد” من خلال ما ذكره في مضمون المقابلة بأن الحديث عن فدرلة هو مقدمة للتقسيم والتعاطي مع الموضوع الكردي ضمن التنوع السوري في إطار الوحدة الوطنية، وما دام هناك عمالة فالاحتلال سيبقى قوياً، فالاتجاه لإضعاف العملاء سيُخرج الاحتلال بشكل آلي، ما يضع “قسد” بين مطرقة الاحتلال التركي وسندان البقاء رهينة الاحتلال الأميركي، الذي لم يكن له موقف واضح وصريح من تلك العملية، في الوقت الذي يحكى فيه عن استعداد “قسد” للتعاون مع الدولة السورية لصدّ الغزو، ما قد يفتح طرق للحوار السوري – الكردي، وأول ما ينتاوله حقول القمح والنفط، عموماً نحن أمام مقدمات مهمة جداً على ضوء التواترات المذكورة.
أمّا عن مسلسل “التطبيع” و “التتبيع” المشهور في الآونة الأخيرة، اعتبر الرئيس الأسد أن المصطلح خاطئ، والكلمة مفتعلة هدفها دفع العرب إلى تقديم تنازلات مستندين في ذلك إلى “أوسلو” التي تعطيهم المبررات في السعي نحو “سلام مع إسرائيل” ، وسورية لن تغير موقفها تجاه “إسرائيل” ما دامت هناك أرض محتلة الجولان السوري، وبأنها ضد أي علاقة معها أياً كانت تسميتها.
وفي ضوء الحدث الروسي – الأوكراني، قارنَ الأسد بين ما حصل مع سورية وما يحصل مع روسيا، ولا سيما على مستوى التحريف الكبير الممارس من قبل إمبراطوريات الإعلام الغربي،
معتبراً أنَّ انتصار روسيا هو استعادة للتوازن الدولي المفقود، الذي سينعكس بطبيعة الحال للدول الصغرى ومنها سورية، فتأييد العملية العسكرية الروسية من جهة أنها حليف، ومن جهة إعادة ترتيب الوضع الدولي الذي يشكل الدولار فيه بوّابة نهب واستغلال الشعوب.
في ختام الحديث، يمكن توصيف لقاء الرئيس الأسد بأنه حجرة لبناء خطاب الحقيقة التي غيّبته أموال البترودولار خلال 12 عاماً من الحرب الضروس على الدولة السورية، ويُرجع في التوصيف لنوعية الاسئلة المطروحة وجرأة طرحها وشفافية الإجابة عليها، إضافة إلى أهمية مخاطبة الوعي الغربي الذي يرى منطقة الشرق الأوسط ساحاً للنزاعات والتضاربات وكأنَّ السواد الأعظم منها من صنع شعوب الدول نفسها، وتغييب طبيعة محركات الصراع الأساسية بين الغرب الساعي للهيمنة والشرق الستاتيكي نتيجة إغراقه في وحول النزاعات المختلقة والأخرى الملازمة للعقل العربي نتيجة القناعات المرسومة عبر التاريخ من مطابخ المخابرات الأجنبية بضرورة الصراع العربي – العربي، الخادم في نهاية المطاف للصهيونية العالمية التي لا تدخر جهداً ولو بسيطاً لفضّ أي وحدة أو حوار متكامل أو حتى أي تطّلّع
للتعاضد المفقود منذ ما بعد نكسة حزيران 67 وحتى قبلها في مقدمات الاتفاقيات الاستعمارية التي لعبت على الخداع والإحلال والإلغاء .
جعفر خضور
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :