كتبت نداء حرب
حرب الظل قبل حرب العلن: اختبار إيران وأمريكا وإسرائيل في هرمز
في هرمز، لا تدور المعركة على سفينة أو ميناء فقط. تدور على سؤال واحد، لم يُحسم بعد: هل ما زال بالإمكان احتواء المواجهة الأمريكية الإيرانية بالتفاوض والضغط، أم أننا دخلنا مرحلة جديدة، تُدار فيها الحرب بأدوات أخرى، قبل أن تُعلن بأدواتها الكاملة؟
وحين تتحدث واشنطن عن «ضربات محدودة»، وتتحدث طهران عن «رد مزلزل»، وتتحدث تل أبيب عن حكومة جديدة، فإن الثلاثة لا يتحدثون عن ثلاثة ملفات مختلفة. يتحدثون عن ملف واحد، بثلاث لغات مختلفة.
وبين هذه السطور نقرأ الأحداث من زاوية الأطراف الثلاثة فقط: إيران، وأمريكا، وإسرائيل.
1. إيران: معركة واحدة على ثلاث جبهات
إذا أردنا فهم المنطق الإيراني، فعلينا أن نفهم أن طهران تخوض اليوم معركة واحدة على ثلاث جبهات: جبهة الملاحة، وجبهة الحلفاء الإقليميين، وجبهة المفاوضات.
في جبهة الملاحة، تريد إيران أن تثبت أن إغلاق هرمز ليس مجرد تهديد، بل ورقة ضغط حقيقية، وأن أي حصار بحري أمريكي سيقابَل بتصعيد يرفع كلفة الشحن والتأمين، ويضغط على أسواق النفط العالمية.
وقد سُمع دوي انفجارات في مدن إيرانية، بينها جزيرة قشم ومدن جاسك وسيريك وبندر عباس، دون تأكيد رسمي لتنفيذ هجمات أمريكية جديدة، وفي المقابل، قال الحرس الثوري الإيراني إن ناقلتي نفط اشتعلتا بعد اصطدامهما بألغام بحرية أثناء محاولتهما عبور ما وصفه بمسار غير مصرّح به في مضيق هرمز.
وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية تعطيل سفينة تجارية في خليج عُمان بعد محاولتها خرق الحصار البحري المفروض على إيران، وتشكيل قوة مهام جديدة باسم «البوابة الحديدية» لمنع نقل الأسلحة والمواد الخاضعة للعقوبات عبر الحدود البرية وبحر قزوين.
وفي خليج عُمان نفسه، أنقذ الحرس الإماراتي 22 بحاراً بعد اندلاع حريق في سفينة شحن، فيما ألغت «الاتحاد للطيران» رحلاتها بين أبوظبي والدمام والرياض حتى 19 نوفمبر، مع استئناف رحلات جدة، وهي تفاصيل تبدو لوجستية، لكنها تكشف حجم القلق من الملاحة في منطقة أصبحت فيها كل سفينة رسالة، وكل تأخير في الرحلات مؤشراً على تقدير المخاطر.
وفي جبهة الحلفاء، تريد إيران أن تثبت أن شبكتها الإقليمية، رغم كل الضربات التي تلقتها منذ 2024، ما زالت قادرة على العمل، وأن حلفاءها ما زالوا أوراقاً فاعلة، لا ذكريات من الماضي، فطهران لا تفاوض واشنطن بملفها النووي فقط، بل بكل ما تملكه من أوراق ضغط في الإقليم، من اليمن إلى الخليج إلى شرق المتوسط.
أما عن جبهة المفاوضات، تريد إيران أن تفصل بين ملف هرمز والملف النووي: إعادة فتح المضيق ورفع القيود عن الموانئ والإفراج عن الأصول المجمدة أولاً، ثم التفاوض على النووي والصواريخ لاحقاً. بينما تصرّ واشنطن على العكس: لا اتفاق دون معالجة النووي أولاً.
هذا هو جوهر المأزق: كل طرف يريد أن يبدأ التفاوض من النقطة التي تريحه، وكل تأجيل يرفع كلفة التأمين والشحن، ويزيد الضغط على أسواق النفط والاقتصادات المستوردة للطاقة.
2. أمريكا: حرب تبحث عن تمويل، وكونغرس يبحث عن فرامل
أما أمريكا، فهي الطرف الذي يملك أكبر قدرة على التصعيد، وأقل قدرة على حسمه سياسياً في هذه اللحظة.
فترامب، الذي أعلن أن الجيش الأمريكي ينفذ ضربات محدودة استهدفت أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية، بالتزامن مع أنباء عن انفجارات في قشم، يجد نفسه أمام كونغرس جديد لن يكون شريكاً في الحرب، بل خصماً لها.
بعد فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات التجديد النصفي، أمر ترامب وزارة العدل بالتحقيق مع ديمقراطيين، متهماً إياهم بـ«الابتزاز» وتهديد مسؤولي إدارته بالمساءلة، دون تقديم أدلة، بحسب رويترز.
وفي المقابل، يتعهد الديمقراطيون بفتح تحقيقات تشمل وزير العدل ووزير الحرب وصفقات عائلة ترامب والعملات المشفرة وعقود إيلون ماسك وإدارة حرب إيران وملف جيفري إبستين، ويدرسون استخدام مهلة التمويل في 11 ديسمبر لقطع تمويل الحرب على إيران.
إنها معركة دستورية بامتياز، تشبه، كما يرى مراقبون، مساعي الكونغرس لإنهاء حرب فيتنام عام 1973، حين استخدم المشرعون سلاح الميزانية بدل الاكتفاء بقرارات صلاحيات الحرب، والفرق اليوم أن الإدارة، بحسب شبكة «إن بي سي» نقلاً عن مصادر في الإدارة والبنتاغون، تملك مهلة لا تتجاوز ثمانية أسابيع لاتخاذ أي إجراء عسكري جديد قبل تسلّم الديمقراطيين السيطرة الكاملة على الكونغرس في يناير المقبل.
وفي خضم هذه المعركة، عيّن ترامب ستيفن ميلر رئيساً لموظفي البيت الأبيض خلفاً لسوزي وايلز، على أن يتولى مهامه الاثنين، كما عرض منصب المتحدث باسم البيت الأبيض على رئيس منظمة UFC دانا وايت. وهي تعيينات تكشف أن ترامب يريد إدارة معركة داخلية صلبة، بأدوات إعلامية وسياسية غير تقليدية، في مواجهة كونغرس يعدّه خصماً لا شريكاً.
والديمقراطيون، بقيادة السيناتور كريس فان هولن والنائب رو خانا، يتحركون لقطع التمويل عن العمليات العسكرية ضد إيران، عبر بنود مانعة في ميزانية الدفاع، وعبر الضغط بإغلاق الحكومة الاتحادية إذا تمسك ترامب بتمويل الحرب.
وفي هذا السياق، يصبح التصعيد في هرمز ورقة إضافية في يد الطرفين: في يد الإدارة، لتبرير أن التهديد الإيراني ما زال قائماً، ويستدعي استمرار الضغط العسكري. وفي يد الديمقراطيين، لتبرير أن الحرب تتسع دون تفويض، وأن شبكة إيران الإقليمية لا تُهزم بالقصف، بل بالتفاوض والضغط الدبلوماسي.
والحقيقة أن الطرفين محقّان جزئياً، ومخطئان جزئياً. فالتهديد موجود، لكن القصف وحده لم ينهِه، والتفاوض ضروري، لكنه دون ضغط حقيقي لن ينجح، والمعضلة الأمريكية هي أنها تريد أن تفاوض من موقع قوة، بينما تفقد أدوات قوتها السياسية تدريجياً في الداخل.
3. إسرائيل: حكومة جديدة في زمن حرب لم تنتهِ
في إسرائيل، يشهد المشهد السياسي تحولاً لا يقل أهمية عن التحول الأمريكي.
فالرئيس إسحاق هرتسوغ كلّف غادي آيزنكوت بتشكيل الحكومة الجديدة، بعدما حصل على دعم كتل تملك 67 مقعداً مقابل 46 لنتنياهو، ويمتلك مهلة 28 يوماً قابلة للتمديد 14 يوماً.
آيزنكوت، الرئيس السابق لأركان الجيش، يقود الآن مفاوضات لتشكيل ائتلاف، فيما يبقى ملف إيران والملف الفلسطيني والعلاقة مع واشنطن على رأس أجندة الحكومة المقبلة.
وتكليف آيزنكوت قد يعيد ضبط مقاربة تل أبيب للملف الإيراني، بين من يريد تصعيداً عسكرياً حاسماً، ومن يريد إدارة الصراع عبر ضغط دولي وتفاهمات أمنية.
لكن، أياً كانت الحكومة المقبلة، فإن تل أبيب ستبقى الطرف الأكثر قلقاً من أي اتفاق أمريكي إيراني. فهي تريد إيران محاصَرة، لكنها لا تريد اتفاقاً يترك برنامج طهران الصاروخي وشبكة حلفائها دون معالجة، وهي تريد ضغطاً أمريكياً مستمراً، لكنها لا تريد حرباً شاملة تشتعل على حدودها الشمالية والجنوبية في وقت واحد.
وهنا تكمن المفارقة الإسرائيلية: إسرائيل تريد أن تبقى إيران تحت الضغط، لكنها تخشى أن يتحول الضغط إلى انفجار لا تستطيع السيطرة عليه، وهي تريد أن تبقى واشنطن حليفاً حاسماً، لكنها ترى واشنطن منقسمة على نفسها، بين رئيس يريد التصعيد، وكونغرس يريد الفرملة.
وفي هذا المناخ، يصبح كل تطور في هرمز رسالة مباشرة إلى تل أبيب: إن نجح التفاوض، فستكون إسرائيل أمام اتفاق لا تملك مفاتيحه، وإن فشل التفاوض، فستكون أمام تصعيد لا تملك حدوده.
4. الوسطاء: قطر وباكستان بين نارين
بين واشنطن وطهران، تتحرك وساطة قطرية وباكستانية متواصلة، قادها رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني ونائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، في محاولة للتوصل إلى تفاهم يبدأ بإعادة فتح مضيق هرمز، قبل معالجة الملف النووي.
ورفض ترامب، السبت، المقترح الإيراني لإعادة فتح المضيق خلال سبعة أيام، لكنه توقّع، الأحد، مزيداً من المحادثات هذا الأسبوع، قائلاً: «إنهم يريدون إبرام اتفاق، لكنه ليس الاتفاق الذي أريد إبرامه».
وطهران، في المقابل، تتحدث عن استعداد للتفاوض، وتتوعد في الوقت نفسه بـ«رد مزلزل» على أي تهديد. وهو خطاب مزدوج، يعكس انقساماً داخلياً إيرانياً بين من يريد صفقة تنقذ الاقتصاد، ومن يريد صموداً يحفظ ماء الوجه.
والوسطاء، في مثل هذه اللحظة، لا يملكون حلاً سحرياً. يملكون فقط القدرة على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، ومنع سوء التقدير من التحول إلى مواجهة. وهي مهمة صعبة، لأن كل طرف يستخدم الوساطة لكسب الوقت، لا لحسم الخلاف.
5. ثلاثة سيناريوهات للأيام المقبلة
بناءً على ما سبق، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات، لا رابع لها على المدى القريب:
السيناريو الأول: الاحتواء بالمفاوضات
تنجح الوساطة القطرية والباكستانية في التوصل إلى تفاهم مرحلي: إعادة فتح هرمز، ورفع جزئي للقيود، وتجميد مؤقت للتصعيد، مقابل بدء مفاوضات نووية. في هذه الحالة، تتراجع قيمة التصعيد، ويتحول هرمز من ساحة حرب إلى ساحة تفاوض.
السيناريو الثاني: التصعيد المحدود
تفشل المفاوضات، لكن الطرفين يتجنبان الحرب الشاملة، ويلجآن إلى حرب ظل: ضربات محدودة، وضغط على الطاقة، ومواجهات بحرية، وتصعيد إعلامي. في هذه الحالة، يبقى هرمز مغلقاً جزئياً، وتبقى الأسواق في حالة قلق دائم، وتبقى إسرائيل في حالة تأهب دائم.
السيناريو الثالث: الانفجار غير المقصود
يتحول حادث صغير، سفينة تُصاب، أو انفجار يُساء تقديره، أو قصف يتجاوز هدفه، إلى ذريعة لتصعيد لا يريده أحد، لكن لا يستطيع أحد إيقافه. وهذا هو السيناريو الأخطر، لأنه لا يحتاج إلى قرار حرب، بل إلى خطأ واحد في التقدير.
أي سيناريو هو الأرجح؟ حتى الآن، تبدو المؤشرات مختلطة: ترامب يتحدث عن «تقدم مهم»، ويرفض في الوقت نفسه المقترح الإيراني، وطهران تتحدث عن استعداد للتفاوض، وتتوعد في الوقت نفسه بـ«رد مزلزل»، والكونغرس الجديد يعد بفرامل، لكنه لن يتسلم السلطة قبل يناير، وإسرائيل تبحث عن حكومة، لكن جيشها لا يتوقف عن العمل.
إنه توازن هش، بين من يريد الحرب، ومن يريد التفاوض، ومن يريد الانتظار.
من يملك القرار الأخير؟
ما يجمع هذه الملفات ليس الجغرافيا، بل المنطق نفسه: كل طرف يراهن على أن الوقت في صالحه، وكل تأجيل يزيد الكلفة على المدنيين والاقتصاد والملاحة.
في هرمز، الوقت يرفع كلفة الشحن والتأمين، في واشنطن، الوقت يقرب الكونغرس الجديد من المواجهة، في تل أبيب، الوقت يعني حكومة جديدة تبحث عن توازن بين الضغط والحذر.
والسؤال الذي سيحسم الأسابيع المقبلة ليس: هل ستندلع حرب شاملة؟ بل: هل سينجح أحد، في أي من هذه العواصم، في تحويل التصعيد إلى تفاوض، قبل أن يتحول التفاوض نفسه إلى ذريعة لمزيد من التصعيد؟
فالعالم اليوم لا يعاني نقصاً في الوسطاء، من قطر إلى باكستان، ولا نقصاً في المبادرات، من مقترح هرمز إلى محادثات أبوظبي المرتقبة. ما يعانيه هو نقص في القرار النهائي، وفي الثقة بأن الطرف الآخر يريد اتفاقاً، لا مجرد وقت إضافي.
والسؤال الأخير، الذي سيحسم كل شيء، ليس: من بدأ التصعيد؟ بل: من سيملك الشجاعة لإيقافه، قبل أن يتحول حادث صغير في هرمز إلى شرارة لا يستطيع أحد إطفاءها؟.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :