كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع
ICON NEWS
إقصاء سعد الحريري: من استفاد، ومن دفع الثمن؟
لم يكن ابتعاد سعد الحريري عن الحياة السياسية تفصيلاً عابراً يمكن للمشهد اللبناني أن يبتلعه بلا حساب. فقد تَرَك فراغاً في الساحة السنية لا يُقاس بعدد المقاعد، بل بغياب مظلّةٍ كانت تجمع جمهوراً واسعاً تحت سقفٍ واحد، وأربكت جمهوراً ظلّ، رغم سنوات الغياب، يعلن تمسّكه برئيسه. ومن هنا يبرز سؤال لا يُجامل في جوابه: ماذا استفادت السعودية، أو وليّ عهدها الأمير محمد بن سلمان، من إبعاد الحريري عن دوره السياسي؟ وهل كان إقصاؤه مكسباً يُحفظ في السجلات، أم أنه هدم جسرٍ كان يصل المملكة بقطاعٍ واسع من اللبنانيين، ولم يُبنَ غيره بعد؟
منذ أزمة عام 2017، دخلت العلاقة بين الحريري والقيادة السعودية منعطفاً حاداً، وما زالت تفاصيل تلك المرحلة وملابساتها موضع قراءات متعددة، فلا يصح الجزم بما لم تُثبته معطيات موثقة. لكن أثرها على الأرض لا يحتاج إلى وثيقة يقرؤه: تراجع حضور الحريري، وتقلّص دور تيار المستقبل، وتشتّت التمثيل السياسي السني تشتّتاً لم يملأه أحد حتى اليوم.
هنا يقف السؤال الأصلح: ما الذي أزعج الرياض في هذا الرجل؟ ألا أنه مثّل انفتاحاً سنياً لا يقوم على القطيعة مع سائر اللبنانيين، بل على الشروع في الدولة والمشاركة فيها؟ ألا أنه، بكل ما يمكن تسجيله على تجربته من إخفاقات، اختار في لحظات التوتر الأشد تجنّب الفتنة، والتمسّك بمنطق الشراكة الوطنية، بدل تحويل الشارع السني إلى ساحة صدامٍ اقتحم فيها الجميع خسائرهم؟ فالسياسة لا تُقاس بميزان الطاعة والخصومة وحده، بل بقدرة القائد على احتواء جمهوره، وفتح قنوات الحوار، ومنع التوتر من الانزلاق إلى نزاع أهلي؛ وهي القدرة التي لا يُستورد ولا يُصنع بالقرار، بل تُبنى ببطء وتهدم بجملة.
والأبلغ من ذلك كله ما جرى في غيابه. فالسنيّون اللبنانيون لم يجدوا، بعد رحيله عن الساحة، من يجمع شملهم أو يرفع رايتهم، رغم كل المحاولات المتكررة لتعويم وجوه بديلة، بعضها من أوثق ما يمكن وصفه بأنه «زعماء أحياء صغيرة»، لا زعماء وطنٍ يُدعى لبنان؛ حجّتها لا تتجاوز حدود ضاحيتها، وسقفها لا يعلو سقف نادٍ عائلي أو لجنة انتخابية. وبالكاد وصل منهم إلى البرلمان من «تنطّح» بمفرده، وأعلن نفسه زعيماً بلا معركةٍ قاد به جمهوراً وبلا رصيدٍ صمد اختباره، ولولا قانون الانتخابات النسبي الذي أذاب أوراقه داخل قوائم واسعة، ما عبر إلى البرلمان أصلاً. وهكذا صار الحكم على التجربة كلها قاضياً بحد ذاته: التمثيل السياسي لا يُصنع بالتعويم ولا بالمصلحة، وإنما بقدرة من يخاطب الناس بلغتهم ويحمل همومهم ويرث أمانتهم؛ وهذه ثروة نادرة، لا يجيء عنها بديلٌ بقرارٍ أو تدريب.
ولا يقل مكانةً سؤال آخر: هل أزعج الوفاء؟ فجمهورٌ بقي متمسكاً برئيسه في غيابه عن السلطة، وهو ليس تفصيلاً يُستهان به، بل إشارة إلى أن العلاقة بين الحريري وقاعدته لم تكن يومها تبادلاً لمناصب ومصالح، بل عقداً اجتماعياً صغيراً في بلدٍ كادت عقوده كلها أن تُمزّق. وإذا كان هذا الرصيد الشعبي قائماً في يُستعمل، فلا بد من التمييز بين نقد التجربة ومحو صاحبها من المعادلة: فلا أحد يطلب اعتبار الحريري فوق النقد، ولا أن يُسلّم بأن عودته وحدها تحلّ أزمات لبنان؛ المطلوب أبسط من ذلك بكثير: أن يُناقش غيابه بإنصاف، وأن تُطرح أسئلة كلفته السياسية، وأن يُترك للبنانيين حق اختيار ممثليهم من دون وصاية أو إقصاء.
أما ما الذي جنته الرياض من غيابه، فلم تُحسم إجابته بعد. ربما رأت في ابتعاده خياراً ينسجم مع حسابات إقليمية أو تقديرات داخلية في مرحلة معينة. لكن الأسئلة المقابلة تبقى معلقة: هل أدى ذلك إلى تمثيل سني أكثر فاعلية؟ أم إلى مزيدٍ من الفراغ، ومزيدٍ من التشتت، وتراجعٍ في قدرة جمهورٍ واسع على التعبير السياسي المنظم؟ وهل عزّز ذلك الاستقرار اللبناني، أم فتح باباً لدخول فواعل لا يجمعها شيء؟ وما الذي خدم فيه ذلك صورة المملكة داعمةً للاعتدال والشراكة، حين كان بديلُ الاعتدال تنظّماً تابلاً والتنافس على النوايا الحسنة؟ فالمفارقة أن مشروع محمد بن سلمان ذاته يقوم على بناء مؤسساتٍ قوية وقادةٍ قادرين على تحمّل مسؤولياتهم داخل بلادهم؛ ومن هذا المنطق تحديداً، كان الحريري شريكاً على مواثيق هذا المشروع لا نقيضاً له: زعيمٌ مؤسسي في بلدٍ يحتاج إلى مؤسسات أكثر مما يحتاج إلى أبيّة.
وفي النهاية، قد لا تكشف الإجابة عن سؤال «ماذا استفاد محمد بن سلمان من إقصاء الحريري؟» عن مكسبٍ واضح، بقدر ما تكشف عن كلفةٍ موقّعة: فراغٌ في الساحة السنية، وتراجعٌ في مساحة الاعتدال، وتمثيلٌ هشّ لا يُذكر اسمه إلا في يوم الانتخاب، وشكوكٌ حول حدود القرار اللبناني المستقل. وإذا كانت المرحلة المقبلة تحتاج إلى استقرار وشراكة، فالأجدى أن يُسأل لا من أُقصي فحسب، بل أيضاً: هل كان إقصاؤه ضرورياً؟ ومن استفاد فعلاً من غيابه؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :