واشنطن وطهران أمام اختبار الأيام الأخيرة… وساطة قطرية وخلاف على ثمن العودة إلى التفاوض

واشنطن وطهران أمام اختبار الأيام الأخيرة… وساطة قطرية وخلاف على ثمن العودة إلى التفاوض

 

بيروت – آيكون نيوز

تتكثف الاتصالات بين واشنطن وطهران عبر الوسطاء القطريين قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في 3 تشرين الثاني، في محاولة لفتح مسار تفاوضي يمنع تجدد المواجهة العسكرية في المنطقة. وبينما نقلت شبكة «أكسيوس» عن مصدر دبلوماسي حصول «تقدّم إيجابي»، لم تُعلن الأطراف اتفاقاً نهائياً أو موعداً لاستئناف المفاوضات المباشرة. وهذه لحظة مفصلية بقدر ما هي هشة؛ فالمسار الذي يُبنى على الرسائل وخطوات الثقة قد ينهار بموجة ضربات واحدة، والمسار الذي ينهار بعد مباحثات طويلة يجرّ المنطقة إلى مواجهة أوسع مما جرت.

واكتسبت الوساطة القطرية زخماً إضافياً السبت، مع انتقال المحادثات إلى الدوحة عقب جولة مطوّلة في طهران، بالتوازي مع رسائل متبادلة وتصريحات تجمع بين الانفتاح الدبلوماسي والاستعداد العسكري. وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن الرئيس دونالد ترامب لم يقرر شن ضربات جديدة، وإنه يفضّل معالجة النزاع دبلوماسياً. وهي صيغة مزدوجة بامتياز: التفضّل الدبلوماسي لا يعني تنازلاً عن الخيار العسكري، بل تعليقه فوق الطاولة طالما فتح التفاوض ممكناً.

من طهران إلى الدوحة… البحث عن خطوات متبادلة

بحسب مصدر مطّلع على المباحثات تحدث إلى وكالة «رويترز»، عقد المفاوضون الإيرانيون لقاءات مع الوسطاء القطريين في الدوحة السبت 31 تشرين الأول، بعد أكثر من 12 ساعة من المناقشات في طهران الجمعة، مع اتصالات منتظمة بواشنطن.

وتتمحور إحدى الصيغ المطروحة حول خطة تمتد سبعة أيام، ينفّذ خلالها الطرفان خطوات يومية لبناء الثقة تمهيداً لمحادثات أوسع. لكن مسؤولين إيرانيين قالوا للوكالة إن المقترح القطري لم يكن مرضياً لطهران، التي تتمسك بخطة خاصة بها تشمل رفع الحصار عن موانئها، والإفراج عن أصولها المجمدة، وتفاهماً بشأن الملاحة في مضيق هرمز. وهنا يظهر الفرق بين طريقتين في إدارة الأزمات: صيغة عربية تدريجية توزّع التنازلات على أيام، وطلب إيراني متراكم يريد أن يفتتح التفاوض بعائد اقتصادي ملموس، لأن طهران لا تريد أن تكون الجهة الوحيدة التي تدفع أولاً.

وتكشف هذه المعطيات أن استمرار الاتصالات لا يعني تسوية الخلافات؛ فالتفاوض لا يزال يدور على الإجراءات التي تسبق العودة إلى الطاولة، وترتيب تنفيذها، وهذه مرحلة أخطر مما تبدو، لأن الإخفاق في ترتيب الخطوات الأولى يُسقط المفاوضات قبل أن تبدأ.

العقدة الأساسية: مَن يبدأ؟

وفق تقرير «الشرق للأخبار»، استناداً إلى مصادر أميركية ودبلوماسية، تتمسك واشنطن بتنازلات نووية إيرانية تتيح استئناف المفاوضات، بينما تطالب طهران بخطوات اقتصادية أولاً، تشمل رفع الحصار البحري والإفراج عن الأموال المجمدة والسماح ببيع النفط. وهي معادلة يفهمها كل تفاوضي عريق: كل طرف يريد من الآخر أن يقدّم الضمانة أولاً، وفي غياب وسيط يقبل رهن الأمانات، تبقى الثقة أثمن ما يُتفاوض عليه وأندر ما يتوفر.

ومن الأفكار التي يعمل عليها الوسطاء إتاحة وصول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى منشآت نووية إيرانية تعرضت للقصف، مقابل تخفيف بعض العقوبات الأميركية. وتبقى هذه صيغة متداولة لبناء الثقة، وليست تفاهماً معلناً دخل التنفيذ. لكنها في نطاقها الأوسع تطرح سؤالاً استراتيجياً: هل تُدار العلاقة بين القوتين بالتفاهمات المتدرجة، أم بمنطق الإملاء الذي كان يقابل كل مطلب إيراني بتشديد عقوبات إضافية؟ فالتاريخ يقول إن الضغط وحده لم يجبر طهران على التنازل، وإنها الذي جعلها تسرّع برنامجها عندما شعرت أن التفاوض من دون مردود.

رسالة فانس… انفتاح حذر ونفي لموعد لقاء مباشر

أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في تصريحات للجزيرة، أن رسالة نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس دُرست ونوقشت في اجتماعات رفيعة المستوى. لكنه نفى وجود خطط حالية للقاء مسؤولين أميركيين، مؤكداً استمرار المشاورات عبر الوسطاء. والرسائل المباشرة بين الطرفين، من دون لقاءات معلنة، ليست موقفاً مزدوجاً بل آلية تفاوضية معروفة: الطرفان يتكلمان، لكن أحدهما أو كلاهما لا يريد أن يظهر أمام جمهوره الداخلي أنه هو الذي بايدها الاستسلام. فالوساطة تحمي الوجهين، وهذا سرّ دوامها في ملفات لا يجد أصحابها طريقاً مباشراً إليها.

ومن جهته، قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي إنه اطّلع على الرسالة ولم يرد عليها بعد، مشيراً إلى تغيّر واضح في لهجتها. وحذّر عراقجي من أن استخدام الرسالة لإثارة انقسامات داخل إيران سيكون خطأ أميركياً جديداً، مع تأكيد استعداد بلاده لجميع الاحتمالات العسكرية. وهي رسالة مزدوجة أيضاً: الطعن الخارجي لا يجد في طهران حزباً مستعداً للاندماج، حتى في أحلك لحظات الخلاف الداخلي، وكل المحاولات الأميركية سابقاً لاختراق الوحدة الإيرانية عبر موجة رسائل وتهديدات نخرت الوحدة بدل أن تخلق موجة انشقاقات.

وفي عرض أكثر تفصيلاً للموقف الإيراني، نقلت «إيران برس» عن عراقجي مطالب تتعلق برفع العقوبات المفروضة بعد مذكرة إسلام آباد، وإعادة الإعفاءات النفطية، والإفراج عن الأموال المجمدة، وتقليص القوات الأميركية في المنطقة، والاعتراف بالمسار البحري الذي تقول طهران إنها نسقته مع عُمان في هرمز. وهذه مطالب إيرانية معلنة، لا شروط وافقت عليها واشنطن. ولافت أنها لا تقتصر على ملف اقتصادي، بل تمتد إلى الحضور العسكري الأميركي نفسه؛ وهذا هو مقياس الطموح الإيراني في هذه الجولة، وهي طموحات لن تُلبّى كلها، لكن إدراجها في المفاوضات يعني أن طهران لا تريد أن تخرج منها بمكسب رمزي فقط.

هل أصبحت الضربة بعد الانتخابات محسومة؟

نقلت «الشرق للأخبار» عن شبكة «إم إس ناو»، استناداً إلى مسؤولين إقليميين، أن واشنطن أبلغت حلفاءها بالاستعداد لاحتمال جولة قصيرة ومكثفة من الضربات، قد تبدأ في 4 تشرين الثاني، بعد يوم من الانتخابات. لكن هذا الموعد يبقى معلومة منسوبة إلى مصادر غير مسمّاة، وليس إعلاناً أميركياً رسمياً ببدء عملية عسكرية. وفي المقابل، قال روبيو علناً إن ترامب لم يتخذ القرار، مع تأكيد بقاء الخيار العسكري متاحاً.

وبمكمن هنا تفكيك الخيار العسكري إلى ثلاث قنوات متداخلة: قناة إعلانية تهدف إلى رفع سعر عدم التنازل في ذهن طهران، وقناة استخباراتية تُظهر واشنطن أمام حلفائها كطرف يملك الخيار الحقيقي، وقناة سياسية داخلية تُظهر ترامب أمام شعبه كرجل يوقف الحرب بنفسه قبل الانتخابات. وهي القنوات الثلاث التي تُدار في كل أزمة أميركية، ولن تُغلق قبل أن تُعلن نتائج الانتخابات.

نافذة تفاوض تضيق… واتفاق يحتاج إلى تنفيذ

في قراءة للمسار، يبدو الخلاف متعلقاً بترتيب التنازلات وضماناتها بقدر تعلقه بمضمونها: واشنطن تريد خطوة نووية تبرر تخفيف الضغط، وطهران تريد أثراً اقتصادياً ملموساً يسبق التفاوض أو يرافقه. وهذه ليست عقدة شكلية بل هي جوهر الفكر التفاوضي الإيراني، الذي لا يقبل عالماً يضع فيه الطرف الآخر أوراقه أولاً دون أن يقابله بشيء.

وتزيد الانتخابات الأميركية حساسية التوقيت، لكنها لا تشكل بحد ذاتها ضمانة للتسوية أو موعداً حتمياً للحرب. فأي اتفاق، إن أُبرم، سيواجه تحدياً أكبر من التوقيع: مرحلة التنفيذ، التي يُختبر فيها كل تفاهم على الأرض، في عقوبات تُرفع فعلاً أو تُجمد، وفي ملفات تُفتح أو تُغلَق. وهذا هو الاختبار الذي سقطت فيه اتفاقيات سابقة: عندما تحوّل التفاهم إلى ضغوط داخلية، والضغوط إلى تعديلات على شروط التنفيذ، والتعديلات إلى انهيار كامل.

وسيُقاس نجاح الوساطة القطرية بانتقالها من تبادل الرسائل إلى خطوات محددة وقابلة للتحقق: ما الذي سيُنفّذ أولاً، وما المقابل، ومَن يضمن التزام الطرفين؟ حتى ذلك الحين، يبقى ملف واشنطن وطهران مفتوحاً على احتمالات متعددة، من اتفاق تدريجي إلى مواجهة أوسع، والأكثر ترجيحاً في المرحلة الآنية أن يستمر الطرفان في لعبة اختبار النوايا، حيث يخسر المرءان معاً إذا ساد التهور، ويربح كل منهما من مكان محدود إذا ساد الاتفاق المحدود.

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي