كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
الفرزلي يطرق باب معراب: هل تكفي خصومة باسيل لإحياء رصيدٍ سياسيّ مستهلَك؟
مع عودة الحديث عن الانتخابات الفرعية لملء المقعد الأرثوذكسي الشاغر بوفاة النائب غسان سكاف في دائرة البقاع الغربي–راشيا، يتحرّك إيلي الفرزلي لاستعادة مقعد خسره في انتخابات 2022. وفي حسابات العودة، يبدو أنّ الطريق لا يمرّ عبر برنامجٍ جديد أو مراجعةٍ سياسية معلنة، بقدر ما يمرّ عبر استمالة القوى القادرة على جمع الأصوات وفتح الأبواب، حتى لو كانت تلك الأبواب لخصوم الأمس.
لكنّ الاستحقاق لا يدور حول اسمٍ واحد. فقد أفادت تقارير صحافية بأنّ المحامية ميسم يونس سكاف قرّرت خوض المعركة، مستندةً إلى إرث زوجها الراحل، وإلى مسيرتها المهنية والنقابية الخاصة. فمنذ عام 1992، تمارس المحاماة، ونالت ثقة زملائها بعضوية مجلس نقابة المحامين في بيروت، بعد نشاطٍ في لجان النقابة ولقاءات شملت مناطق لبنانية عدة، بينها البقاع.
وفي 26 تشرين الأول، زارت سكاف قصر بعبدا، حيث عرضت مع رئيس الجمهورية جوزاف عون أوضاع البقاع الغربي وراشيا وحاجات أبنائهما. وللزيارة دلالتها السياسية في توقيتها، لكنّ مضمونها المعلن لا يتضمّن إعلان ترشيح أو تأييداً رئاسياً. وإذا كانت سكاف تتجه إلى استكمال مسيرة زوجها، فإنّ حضورها لا يُختزل بصفة أرملته؛ فلها تجربة مهنية وسياسية يستطيع الناخبون تقييمها، وهم وحدهم أصحاب الحق في منح التفويض.
أما الفرزلي، فيعود إلى المشهد محمّلاً بسجلّ طويل من التحالفات والخصومات، وبسؤال يصعب القفز فوقه: ماذا يحمل إلى المنطقة سوى الرغبة في استعادة المقعد؟
بحسب مصادر سياسية نقلت عنها «آيكون نيوز»، طلب الفرزلي موعداً من رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، سعياً إلى استمالته لتبنّي ترشيحه، مقدّماً الخطوة بوصفها صفعة لجبران باسيل. وهنا تتكشّف المفارقة: خصومةٌ مع حليفٍ سابق تُعرض على خصمٍ سابق باعتبارها أساساً لتفاهم انتخابي، فيما يغدو تصفية الحساب السياسي بديلاً من النقاش في البرنامج والتمثيل والمصلحة العامة.
وتضيف المعلومات نفسها أنّ الفرزلي يتعامل مع مساعيه إلى زيارة معراب على أساس أنّ تبنّي الثنائي الشيعي لترشيحه بات مضموناً، فيما يعمل رئيس مجلس النواب نبيه بري على توسيع دائرة التأييد، ويسعى إلى استمالة الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط. ولا يعني ذلك أنّ موقف جنبلاط قد حُسم؛ لكنه يكشف عن طبيعة المظلّة السياسية التي يسعى الفرزلي إلى استكمالها.
من هنا، لا يبدو طلب الغطاء القواتي تفصيلاً عابراً، بل حلقة في محاولة جمع أطراف متباعدة حول مقعد واحد. والسؤال أمام معراب واضح: هل تنضمّ إلى تسوية يُعمل لإعادة الفرزلي من خلالها، ويُسوَّق لها لجمهورها بوصفها «صفعة لباسيل»؟ وهل تكفي الرغبة في إغاظة خصمٍ سياسي لتبرير تحالفٍ انتخابي، من دون مساءلة عن معنى هذا التحالف واتساقه مع الخيارات المعلنة؟
لفهم مفارقة المشهد، لا بدّ من العودة إلى محطات من المسار السياسي للفرزلي. وُلد في زحلة عام 1949، ودرس الحقوق ومارس المحاماة، ثم برز في شبكة العلاقات السياسية التي حكمت لبنان خلال مرحلة النفوذ السوري. جمعته علاقة وثيقة بغازي كنعان، ودخل المجلس النيابي بالتعيين عام 1991، قبل انتخابه عن البقاع الغربي عام 1992، وتولّيه نيابة رئاسة المجلس لثلاث دورات متتالية. وفي عام 2004، انتقل إلى وزارة الإعلام في حكومة عمر كرامي، في عهد إميل لحود.
وقبل تلك المناصب، كانت زحلة وإيلي حبيقة من محطات مساره. فقد ساهم الفرزلي في ترتيب وجود حبيقة في المدينة بعد إقصائه عن قيادة القوات اللبنانية، وكان إلى جانبه في اجتماع مطرانية سيدة النجاة حين استُهدف حبيقة بالتفجير في 15 أيلول 1987.
وفي مقابلة مع قناة «الميادين» عام 2018، روى الفرزلي أنّ جعجع أقرّ له بمسؤوليته عن العملية، وأنّ حبيقة كان هو المستهدف. إنها رواية الفرزلي نفسه، وهي ما يمنح طلبه لقاء جعجع اليوم مفارقته الأوضح: الرجل الذي قال إنّه حمّل جعجع مسؤولية تفجير استهدف حبيقة، بات يسعى إلى استمالة تأييده للعودة إلى البرلمان.
بعد خروجه من المجلس في انتخابات 2005، وإخفاقه في العودة عام 2009، ظلّ الفرزلي حاضراً في النقاش الانتخابي، وبرز اسمه في مشروع «اللقاء الأرثوذكسي» القائم على انتخاب كل طائفة نوابها. وبالتوازي، توطّدت علاقته بميشال عون، وصولاً إلى التسويق لوصوله إلى رئاسة الجمهورية.
وفي انتخابات 2018، عاد الفرزلي إلى المجلس على لائحة مدعومة من الثنائي الشيعي، وبتأييد معلن من باسيل. انضمّ إلى تكتل «لبنان القوي»، ثم استعاد موقع نيابة رئاسة البرلمان. كانت عودةً صنعتها تقاطعات واسعة، شارك العونيون في تأمين غطائها المسيحي.
لكنّ الحليف انقلب إلى خصم. ففي نيسان 2021، أعلن الفرزلي انسحابه من التكتل بعد انتفاضة 17 تشرين، ثم صعّد انتقاده لعون وباسيل وحمّلهما مسؤولية تعطيل تشكيل الحكومة. وفي أيار من العام نفسه، أقرّ بأنّه كان في طليعة من سوّقوا لباسيل، قبل أن يهاجم مشروعه السياسي. وردّت مصادر التيار باتهامه بتكرار الانقلاب على الحلفاء.
من حقّ أي سياسي أن يراجع خياراته، بل إنّ المراجعة الصريحة قد تكون مدخلاً ضرورياً لتجديد الثقة. لكنّ الانتقال من تسويق الحليف إلى مهاجمته، ثم البحث عن مظلّة جديدة، يضع صاحبه أمام امتحان الصدقية: ما الذي تغيّر في مشروع الفرزلي؟ وأيّ مراجعة قدّمها لدوره في الخيارات التي ينتقدها اليوم؟ وما البرنامج الذي يطلب من ناخبي البقاع الغربي وراشيا أن يمنحوه ثقتهم على أساسه؟
وللقوات اللبنانية، بدورها، سؤال لا يقلّ مباشرة: ما المكسب السياسي من إعادة الفرزلي إلى المجلس؟ وهل تكفي الرغبة في إغاظة باسيل لتجاوز سجلّ كامل من الخيارات والتحالفات؟ فمعارضة رئيس التيار لا تمنح، بذاتها، شهادة انسجام مع المشروع الذي ترفعه معراب، ولا تحوّل الخصومة الشخصية إلى برنامج سياسي.
أبناء البقاع الغربي وراشيا يستحقّون معركة انتخابية تتمحور حول تمثيلهم ومصالحهم وما يُنتظر من نائبهم في التشريع والرقابة وخدمة المنطقة. أما اختزال الاستحقاق في تصفية حساب بين الفرزلي وباسيل، فينتقص من قيمة التفويض الذي يُطلب من الناخبين منحه.
لقد جرّب الفرزلي من الألوان السياسية ما يكفي لملء قوس قزح. لكنّ تبديل اللون لا يبدّل وحده صورةً استُهلكت مبرّراتها، ولا يعوّض غياب المراجعة والبرنامج. وفي تقديرنا، بلغ هذا النهج تاريخ انتهاء صلاحيته السياسية: تحالفٌ يفتح باب الوصول، تعقبه خصومة، ثم تفاهمٌ جديد يعيد فتح الباب ذاته.
قد تعيده تسويةٌ ما إلى المقعد، لكنها لن تمحو سجلّه، ولن تصنع له مشروعاً جديداً. وحين يكون أبرز ما يُعرض على الحليف المحتمل هو توجيه صفعة إلى حليفٍ سابق، لا يعود تبديل الألوان كافياً لإقناع الناخبين بأنّ أمامهم خياراً يستحقّ تجديد الثقة.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :