أوروبا تهيئ شعوبها للطوارئ بخطة الـ 72 ساعة
أثار إعلان الحكومة البريطانية حملة "كن مستعداً" لحث سكان المملكة المتحدة على تخزين السلع والحاجات الأساسية، تحسباً لوقوع أية اضطرابات مناخية أو هجوم سيبراني، تساؤلات حول دوافع هذه الخطوة وتوقيتها، وبينما تشمل الأخطار التي تستهدف الحملة الاستعداد لها، الظواهر الجوية المتطرفة والأعطال التقنية والهجمات السيبرانية، تأتي المبادرة في سياق أوروبي أوسع يتسم بتصاعد التوترات الجيوسياسية، وتزايد المخاوف حول أمن البنية التحتية الحيوية، مثل شبكات الطاقة والكهرباء، فبريطانيا ليست الدولة الوحيدة التي اتخذت هذه الخطوات الاحترازية، إذ سبقتها دول أوروبية عدة، شجعت مواطنيها على الاستعداد للأزمات، فيما تتجه المفوضية الأوروبية إلى تعزيز الجاهزية المدنية، كونها جزءاً من منظومة الأمن والمرونة المجتمعية.
وتحث حملة "كن مستعداً" (Be ready) البريطانيين على تخزين الغذاء والمياه، بما يكفي الفرد ثلاثة أيام، إضافة إلى الحاجات الأساسية، مثل الأدوية والمطهرات ومستلزمات النظافة والاسعافات الأولية، ومعدات الطوارئ مثل المصباح اليدوي، وبطاريات إضافية وراديو وشاحن محمول لا سلكي، وأغطية وملابس دافئة، وأموال نقدية تحسباً لتعطل نظام الدفع الإلكتروني.
وتحدث رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام إلى وسائل إعلام بريطانية عن الحملة نهاية الأسبوع، مشيراً إلى أن لديه مخزوناً من الفاصوليا والحساء في حال الطوارئ المدنية، وقال إن الحملة الحكومية الجديدة لا تدعو إلى الشراء بدافع الذعر، بل إلى "تدابير عقلانية لضمان توفر ما يكفي في المنزل، لتجاوز أي ظروف صعبة قد تطرأ".
كذلك حثّ وزير الدفاع البريطاني، ويس ستيرتيغ، المواطنين على تخزين تلك الضروريات، مع وصول خطر الهجمات الإلكترونية على البلاد إلى مستويات جديدة، مشيراً إلى أن "الإرهاب الذي ترعاه الدول" يشكل تهديداً متزايداً للحياة اليومية في البلاد، وهو ما يستلزم أن يكون جميع المواطنين مستعدين للتعامل مع حال طوارئ.
احتياطات أوروبية واسعة
وسبقت السويد والنرويج المملكة المتحدة في تهيئة مواطنيها لحال طوارئ محتملة، فمنذ أن شنت روسيا غزوها ضد أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022، لم تكتف الدول الأوروبية بتعزيز قدراتها العسكرية وتوطيد تحالفاتها الدولية وحسب، بل كثفت جهودها نحو إعداد المجتمع للتعامل مع الأزمات الطارئة، وتنشر "وكالة الدفاع المدني والمرونة" السويدية على موقعها الإلكتروني دليلاً بعنوان "في حال وقوع أزمة أو حرب"، يتضمن نصائح حول كيفية الاستعداد وما ينبغي القيام به في حال حدوثهما.
وتشير الإدارة في رسالتها إلى تدهور الوضع العالمي بصورة حادة خلال الأعوام الأخيرة، حيث تدور الحروب في الجوار وتتزايد وتيرة الظواهر الجوية المتطرفة، وتشير إلى استخدام التهديدات الإرهابية والهجمات السيبرانية وحملات التضليل الإعلامي، بهدف تقويض الاستقرار والتأثير في البلاد.
وتلفت الرسالة إلى انضمام السويد إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ولهذه الأسباب، تقول "الوكالة السويدية للدفاع المدني والمرونة" إنها قامت بإعداد كتيب "في حال وقوع أزمة أو حرب"، مضيفة "للتصدي لهذه التهديدات، يجب علينا أن نتكاتف ونتحمل المسؤولية تجاه بلدنا، ففي حال تعرضنا لهجوم، ينبغي على الجميع الإسهام في الدفاع عن استقلال السويد وديمقراطيتها، ونحن نبني قدرتنا على الصمود يوماً بعد يوم معاً، فأنت جزء لا يتجزأ من منظومة الاستعداد للطوارئ في السويد".
وفي حين تدعو الإرشادات البريطانية إلى الاستعداد مدة 72 ساعة، توصي حكومات النرويج والسويد المواطنين بالاحتفاظ بمخزون من حاجاتهم الأساسية، يكفي مدة أسبوع في الأقل، تحسباً لحالات الأزمات أو الحروب، من دون الحاجة إلى دعم من المجتمع، ومن بينها تأمين مياه الشرب بما لا يقل عن ثلاثة لترات للفرد يومياً، وتخزين الطعام والتدفئة والإضاءة البديلة، ووسائل الاتصال، بما في ذلك راديو يعمل بالبطارية أو الطاقة الشمسية وأموال نقدية، مع المشاركة المجتمعية في أعمال التطوع والتضامن، وكذلك يتضمن الكتيب إرشادات للتصرف السليم عند الإنذارات والطوارئ.
أما فرنسا فأعدت خريطة طريق لتأمين الإمدادات الإستراتيجية، ومحاكاة انقطاع الكهرباء الشامل، وتعزيز ثقافة حقيبة الطوارئ المنزلية مع استعدادات تكفي مدة 72 ساعة، وبعد مرور 34 عاماً على آخر اختبارات لسلامة الملاجئ أجرتها فنلندا، استأنفت الحكومة عملية تقييم قدرة الملاجئ على الصمود أمام تهديدات الحروب الحديثة، وقامت القوات المسلحة الفنلندية في سبتمبر (أيلول) الماضي، بتفجير شحنات ناسفة قرب ملاجئ محصنة، لتقييم مدى فعاليتها في مواجهة تهديدات الحروب الحديثة، وأعلنت استثمار 400 مليون يورو لتطوير مستشفيات تحت الأرض بحلول عام 2030، إذ تشترك فنلندا وبولندا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا في حدود برية تمتد لنحو 3500 كيلومتر مع روسيا، وحليفتها بيلاروس، وقد طورت تلك الدول خططاً لإجلاء المدنيين عند وقوع أزمة واسعة، بما في ذلك نقل السكان إلى دول مجاورة.
تصاعد خطر الهجمات الإلكترونية
لا يمكن فصل هذه الإجراءات عن المخاوف الأوروبية المتزايدة من التهديدات الهجينة التي تشمل الهجمات السيبرانية، والتخريب، والتضليل الإعلامي، واستهداف البنية التحتية الحيوية، فخلال اجتماع "المجلس الأوروبي" في أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، ناقش القادة الأوربيون تصاعد الهجمات والتهديدات الهجينة الروسية الموجهة ضد الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وشدد القادة على الأهمية العاجلة لتعزيز مرونة البنية التحتية الحيوية، بخاصة شبكات وبنية الطاقة، وتأمين الحدود البرية والبحرية والجوية للاتحاد الأوروبي، ضد التهديدات والهجمات الهجينة المتزايدة.
وفي مقابلة سابقة مع "مركز الدراسات الجيوسياسية والأمنية"، قال المدير العام لـ "وكالة الدفاع المدني والمرونة" في السويد، ميكائيل فريزيل، إن "الحروب لا تُحسم بالجيوش وحسب، بل بالمجتمعات ككل"، مشدداً على أن الجاهزية لمواجهة الأزمات تنبع من قدرة المجتمع بأكمله على الصمود والتكيف، وموضحاً أن الدفاع المدني يمثل ركيزة محورية في هذا النموذج، إذ لا يقتصر دوره على حماية المدنيين ودعم المجهود العسكري، بل يمتد إلى ضمان استمرار الخدمات العامة الأساسية، وتعزيز المرونة المجتمعية أمام التهديدات الهجينة، وسيناريوهات النزاعات المسلحة.
خطط الـ 72 ساعة
لا تقتصر هذه التحركات على مبادرات وطنية متفرقة، بل تأتي في إطار توجه أوروبي أوسع نحو دمج الاستعداد المدني مع منظومة الأمن، وفي مارس (آذار) 2025، طرحت "المفوضية الأوروبية" إستراتيجية "اتحاد الاستعداد" التي تستهدف تعزيز قدرة الأوروبيين على توقع الأزمات ومواجهتها، سواء ارتبطت بالتوترات الجيوسياسية أو الهجمات السيبرانية والتضليل الإعلامي، والكوارث الطبيعية، داعية إلى تمكين السكان من تلبية حاجاتهم الأساسية مدة لا تقل عن 72 ساعة، وتعزيز التنسيق بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية.
وتكشف دراسة بعنوان "الاستعداد لأسوأ السيناريوهات: الجاهزية المدنية للأزمات في أوروبا" أعدها الباحث ليوناردو دي أغوستيني لمصلحة "مركز الدراسات الفيدرالية" في إيطاليا، عن تحول إستراتيجي عميق في الفكر الأمني الأوروبي، يرتكز على نهج الدفاع الشامل، وأوضحت الدراسة أن صانعي القرار الأوروبيين باتوا ينظرون إلى رفع درجة الجاهزية المدنية والمرونة المجتمعية كعنصر ردع مساعد للقدرات العسكرية، إذ يهدف الاكتفاء الذاتي وحماية البنية التحتية الحيوية إلى رفع كلفة أي عدوان مفترض، أو محاولات استهداف للخدمات الأساسية.
لكن التحدي، وفق هذا الطرح، لا يقتصر على إصدار الإرشادات أو حث الأسر على تخزين الغذاء والمياه، بل يتمثل في تحويل التعهدات السياسية إلى قدرات تنفيذية فعلية، بحسب الباحث الإيطالي، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات المدنية والعسكرية، وضمان مشاركة القطاع الخاص والمجتمعات المحلية، فيما لا تعني الدعوة إلى الاستعداد للطوارئ أن الحكومات تتوقع بالضرورة اندلاع حرب وشيكة، لكنها تعكس اتساع نطاق الأخطار التي تستعد لها أوروبا.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي