في سباق القوى الكبرى على الذكاء الاصطناعي.. هل نبني عالماً مثالياً أم مستقبلاً مخيفاً؟

في سباق القوى الكبرى على الذكاء الاصطناعي.. هل نبني عالماً مثالياً أم مستقبلاً مخيفاً؟

لم يعد الذكاء الاصطناعي شأناً تقنياً بحتاً، بل صار في صلب الصراع الجيوسياسي بين القوتين الأكبر في العالم. فكما طبعت حقبة الحرب الباردة بسباق الفضاء، يبدو أن هذه المرحلة تُعرَّف بالسباق على الذكاء الاصطناعي، والهدف النهائي فيه ما يُعرف بـ«الذكاء الاصطناعي الفائق» (Superintelligence)، أي أنظمة قد تتفوّق على القدرات البشرية في مختلف المجالات.

 
وعلى جبهة القدرة الحاسوبية، تتصدّر الولايات المتحدة بنحو ثلاثة أرباع القدرة الحاسوبية العالمية للذكاء الاصطناعي، مقابل أكثر بقليل من 14% للصين، بحسب أرقام «إيبوك إيه آي». لكن بكين لا تقف مكتوفة اليدين، إذ تخطط لاستثمار نحو 2 تريليون يوان (قرابة 295 مليار دولار) في شبكة مراكز بيانات متطورة، على أن تُشترى 80% على الأقل من المعدات، ومنها الرقائق، من شركات صينية وفي مقدّمها «هواوي»، في محاولة لتقليص اعتمادها على التكنولوجيا الأميركية.
ويحذّر محللون ومسؤولون سابقون في الأمن القومي من أن ضغط هذه المنافسة قد يدفع الحكومات والشركات إلى تقديم سرعة النشر على أمان النماذج واختباراتها وضوابط حوكمتها. وهنا تحديداً تأتي أسئلة الدكتورة ميراي الغش، الخبيرة في الذكاء الاصطناعي والروبوتات: ماذا يحدث حين يتسابق العالم على بناء أنظمة أقوى، قبل أن نفهم كيف نتحكّم بها، وقبل أن نسأل ما الذي ستفعله بنا؟
 
وتتوقف الغش عند مسألتين تثيران قلقها: صعوبة التحكّم بالأنظمة القوية، ومصير المعنى الإنساني في عالم تتولّى فيه الآلات معظم الأعمال.
تقول الغش إن ما يقلقها هو أننا «نزداد براعة» في تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي قوية، من دون أن نتقدّم بالوتيرة نفسها في فهمها أو التحكّم بها. فعلى عكس البرمجيات التقليدية، يتعلّم الذكاء الاصطناعي من كميات هائلة من البيانات، ويطوّر آليات داخلية معقّدة لا يستطيع حتى مطوّروه تفسيرها بالكامل.
وتلفت إلى أن وتيرة التطوّر نفسها تتسارع. فالذكاء الاصطناعي يساعد الباحثين اليوم في كتابة البرامج وتصميم التجارب وتطوير أنظمة أكثر تقدّماً، وقد نكون على أعتاب مرحلة يصبح فيها قادراً على إجراء جزء كبير من الأبحاث التي يقوم بها البشر حالياً.
وتدعو الغش إلى تخيّل نظام ذكاء اصطناعي يستطيع تصميم نسخة أكثر ذكاءً من نفسه، ثم تساهم هذه النسخة في تطوير نسخة أخرى أكثر تقدّماً، وهكذا دواليك، بحيث يصبح كل جيل أكثر قدرة من سابقه. وتُعرف هذه العملية باسم «التحسين الذاتي المتكرّر» (Recursive Self-Improvement).
ولا يزال الإنسان، اليوم، يؤدي دوراً أساسياً في تطوير هذه الأنظمة وتقييمها. لكن ماذا لو أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تولّي جزء متزايد من هذه العملية؟ تجيب الغش بأن وتيرة التطوّر قد تتسارع عندها إلى درجة تتجاوز قدرتنا على فهم ما يحدث أو الإشراف عليه.
وتتساءل: كيف يمكن التحكّم بتكنولوجيا قد تتطوّر أسرع من قدرتنا على مواكبتها؟
فمن جهة، الإمكانات هائلة، إذ قد يساهم الذكاء الاصطناعي في تسريع الاكتشافات العلمية، وتطوير علاجات للأمراض، وتحسين حياة الملايين. ومن جهة أخرى، قد نجد أنفسنا تدريجياً خارج دائرة اتخاذ القرار، معتمدين على أنظمة لا نستطيع التنبؤ بسلوكها أو التحكّم بها بشكل موثوق.
وتضيف: إذا فقدنا السيطرة يوماً، فهل سنظل قادرين على إيقافها؟ وهل تستطيع الحكومات منفردة تنظيم تكنولوجيا تتجاوز حدود الدول، أم أننا بحاجة إلى تعاون دولي حقيقي؟ وهو سؤال يكتسب إلحاحاً إضافياً في ظل منافسة تدفع كل طرف إلى الإسراع، لا إلى التنسيق.
لكن حتى لو نجحنا في حلّ مشكلة التحكّم، فثمة جانب آخر من هذه الثورة يثير قلق الغش.
فهي تشير إلى رؤية مثالية تُطرح اليوم لمستقبل تتولّى فيه أنظمة الذكاء الاصطناعي والروبوتات معظم الأعمال، فيصبح الإنتاج مؤتمتاً، ويعاد توزيع الثروات، ويحصل الناس على دخل أساسي شامل من دون الحاجة إلى العمل. «يبدو الأمر رائعاً، أليس كذلك؟» تسأل.
غير أنها ترى أن العمل ليس مجرد وسيلة لكسب المال، فهو يمنح أيامنا نظاماً، ويخلق علاقات اجتماعية ومسؤوليات وشعوراً بالانتماء. وحتى الوظائف التي لا نحبّها دائماً قد تمنحنا إحساساً بأننا نساهم في المجتمع، وأن لوجودنا دوراً وقيمة.
وتقرّ بأن الإنسان يستطيع أن يجد معنى لحياته خارج العمل، لكنها تشدّد على أن «هناك فرقاً كبيراً» بين أن نختار عدم العمل، وأن نعيش في مجتمع لم يعد بحاجة إلى مساهمتنا.
ويقال لنا إن الناس سيجدون ببساطة هوايات جديدة ومصادر أخرى للشعور بالهدف والمعنى. وتعلّق الغش: ربما يحدث ذلك، «لكن أليس هذا افتراضاً هائلاً» نبني عليه مستقبل مليارات البشر؟
وبعد سنوات من العمل في مجال الذكاء الاصطناعي والروبوتات، تؤكد الغش إيمانها الشديد بإمكانات هذه التكنولوجيا، لكنها تنبّه إلى أن التقدّم التكنولوجي لا يعني بالضرورة تقدّماً في حياة الإنسان.
وتختم بسؤال يلخّص هواجسها، قبل أن نحتفل بمستقبل تستطيع فيه الآلات القيام بكل شيء نيابةً عنّا: هل نبني عالماً يصبح فيه الإنسان حراً في فعل أي شيء، أم عالماً يشعر فيه بأنه لم يعد هناك حاجة إليه؟

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي