الشَتْمُ في لبنان تراث أم إفلاس؟!
مقدّمة
الشَتْمُ في بلد الأرز لم يَعُد مقتصرًا على فئات أو طبقات محدّدة. نراه اخترق كل المجتمع دون استثناء. ظاهرة جدّ غريبة ومستهجنة وغير قابلة للحصر أو العزل أو الطَّرح. وسائل التواصل الإجتماعيّ تملؤها حالات القذف والتهكّم على المقدّسات ورجال الدين من كلّ الأطراف ويا للعجب. حتّى أتباع الربّ يسوع أو من شُبِّه لهم ذلك لم يقصّروا في السُّلوك اللفظيّ المُقزّز. ممّا يدفعني للسؤال: ما السبب أن شعبًا بأغلبيته الساحقة لا يتوانى عن شتم الآخر دون وازع أو رادع ودون أن يستثني المعتقدات أو المقدسات أو الأعراض؟ سأحاول الإجابة، عسى أن نجد علاجًا أو طريقًا آخر.
2- أسباب السُّبَاب
عامّةً، تُعبِّر الشتيمة عن حالة انزعاج أو غضب لدى فئات متعدّدة. لدى المراهقين أو الشباب تُشير عن تَوق الى النضوج أو المكانة المفقودة في المجتمع أو عن قوّة زائفة أو عن إثبات حضور أو ذكوريّة مطلوبة. لدى الفئات الفقيرة أو الكادحة نتكلّم عن نقص في التعبير عن إشمئزاز، سخط، نفاذ الصبر والخيارات. عند الطبقة المتوسطة هي إظهار لإمكانيات غير موجودة، لعدم الرضى عن الواقع الإجتماعي أو الإقتصادي أو السياسي، لعجز عن التغيير وانسداد الآفاق. للطبقة الثريّة تُشير الى التقرّب من الطبقات الدُنيا أو الماضي الشّاق.
3- الحالة في لبنان
في لبنان تفاقم الوضع بشكل خطير منذ انتشار وسائل التواصل الإجتماعيّ. قدرة الصبر والتحمّل للشعب أصبحت في الدَرَك الأسفل نتيجة للأزمات الإقتصاديّة والإجتماعيّة والحروب... الأسوء أن المؤسسات التربويّة من مدارس وجامعات أصبحت بيئةً حاضنة لهذه "الثقافة" بدل أن تكون الرادع والموجّه والمَثَل. أمّا المؤسسات الدينيّة فانكفأت عن دورها الأخلاقي لأنّ هذا الأمر لا يعنيها أو ليس من ضمن أولويّاتها بحدٍّ أقصى لسببٍ أو آخر ولعدم خسران فئة الشباب من ضمن جمهورها.
4- نتائج اللّسان الطويل
عجز عن التعبير الصحيح ومقارعة الحجّة بالحجّة: حيث يلجأ البعض لتغطية عجزه، أو فشله أو قلّة حيله أو حتّى غبائه، الى شتم الآخر.
إستفزاز الآخر: عندما نرى تصرفًّا غير لائق أو مستفزّ نعالج الأمر بالكيل بمكيال أكبر ولا نبحث عن الأسباب أو العواقب.
نقص أو انعدام في التربية: هنا أقصد التربية في البيت أولًا وبشكل رئيسيّ ومن ثمّ في المدرسة والمجتمع. الأهل لا غنى عن دورهم وعليهم أن يكونوا قدوة حسنة في الكلام والتصرّف. نفس الأمر في المدرسة وأحبّ أن أُذكِّر المُعلِّمين والأساتذة أن التعليم رسالة قبل أن يكون وظيفة.
سقوط الرادع الأخلاقي والمجتمعي والديني: إستسهال السباب يعني سقوط المجتمع أخلاقيًّا وفشل للدِّين ورجاله. عندها تستباح المقدسات والأعراض ولا يعود هناك شيء مُحرّم. أمَّا الدولة في بلدي ف "شاهد مش شايف حاجة"، وأراحَت رَأسَها في الرِّمال والفساد والفشل...
5- العلاج
للشفاء من هذا المرض العُضال عدة وسائل. نبدأ بتثقيف النفس والروح أي أن نقرأ ونُطالع رجال العلم والأدب والفكر والمعرفة. حتّى تتوسّع المَدَارِك والآفاق ويصبح بِوِسْعِ المرء التعبير بدقة عمّا يجول في فكره ويقارع الآخر ويناظِرَهُ الفكرة بالفكرة. وحتى يسبر عمق العقل والنوايا من دون التعرّض له بل مبارزته بالمنطق. أيْضًا لكيّ نشفى علينا أن نُحسن اختيار أصدقائنا لأن عِشْرِةَ السوء لا تُفضي إلّا الى المصائب. بينما الأصدقاء الطيبون هم كالبلسم على الجُرح وزادٌ للطريق وقوّة في الضعف. أيضًا وأيضًا ضبط الاستجابة والتدرّب على الصبر: خذ نفسًا عميقًا وعُدَّ إلى عشرة قبل الردّ عند التعرّض للاستفزاز. أن نتدرّب على استبدال الألفاظ: تمرّن بوعي على استبدال الكلمات النابية بألفاظ عادية أو محايدة، حتى يصبح ذلك عادة جديدة. ورويدًا رويدًا تُصبح الكلمة الطيبّة عادةً فينا بدل الكلمات النابية.
6- خلاصة
لا شك أن الوضع عامّة صعب، ولا سيّما في لبنان، لكن لا تستطيع الشتيمة أن تكون سِمَة شعبٍ بأكمله. "تكلّم لأرَاكَ" يقول سقراط لأن الكلمة هي جوازك الى قلوب الآخرين. والكتاب المقدّس يقول في البدء كان الكلمة (يو 1/ 1). في الحصيلة، أنت تختبئ خلف كلماتك وتحت لغتك. ولَعَلَّ ما نراه دائما فى الحياة من حروب كانت بدايتها كلمة قيلت فى غير مكانها، كما هي الآن الطائفية التى تملأ بلادنا العربية وتوشك أن تودي بها وتقودها الى الهلاك. الشتم أوالسباب لن يرفعك بل سوف يحطُّ من قيمتك في أعين الناس. كُن كبيرًا، كُن مثقفًا، كن ذكيًّا، كُن شخصًا ظريفًا، خفيف الظل، محبوبًا، لَبِقًا وحَسَنَ الفُكَاهَة، بحضور عفوي بعيد عن التكلّف والإسفاف.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي