من يطلب ضمانات للبنان… فليطلبها من إسرائيل أيضاً

من يطلب ضمانات للبنان… فليطلبها من إسرائيل أيضاً

ايكون نيوز 

 

من حق اللبنانيين أن يخافوا الحرب، وأن يطالبوا بكل ما يحمي بلدهم من جولة جديدة من الدمار. فهذا الخوف ليس ضعفاً، والحرص على الاستقرار ليس تراجعاً عن الحقوق الوطنية، بل هو تعبير طبيعي عن شعب دفع ثمناً باهظاً من أمنه واقتصاده وبيئته وبنيته التحتية.

لكن حماية لبنان لا تكون عبر مطالبة طرف لبناني بتقديم تعهّد مسبق بعدم التحرّك، مهما كانت طبيعة الاعتداء الإسرائيلي أو حجمه، فيما تبقى يد إسرائيل طليقة، وتهديداتها مفتوحة، وقدرتها على المبادرة العسكرية قائمة من دون ضمانات مقابلة أو آليات واضحة للردع والمحاسبة.

 الحياد لا يعني ترك لبنان مكشوفاً

في أي مواجهة محتملة بين إيران والولايات المتحدة، تبدو مصلحة لبنان واضحة في تجنّب امتداد النار إليه. وهذه المصلحة تتطلب جهداً سياسياً ودبلوماسياً جدياً، وقراراً وطنياً مسؤولاً يضع أمن اللبنانيين وسلامتهم في مقدمة الحسابات.

لكن تحييد لبنان لا يعني تركه مكشوفاً أمام الاعتداءات، ولا يعني منحه صفة الطرف الممنوع من الدفاع عن نفسه. فالبلد الذي يريد تجنّب الحرب يحتاج إلى حماية حدوده، وتعزيز قدرته على الردع، وامتلاك الوسائل السياسية والميدانية التي تمنع إسرائيل من استغلال أي تطور إقليمي لفرض وقائع جديدة عليه.

ومن هنا، فإن أي مسعى دولي أو إقليمي لحماية لبنان يجب أن يتوجه إلى جميع الأطراف القادرة على إشعال التصعيد، لا إلى الجانب اللبناني وحده. فلا يمكن بناء تهدئة مستقرة على التزامات أحادية الجانب، ولا يمكن مطالبة لبنان بضبط النفس فيما تُترك لإسرائيل حرية التهديد والاغتيال والقصف وخرق السيادة.

 بين الحرب الإقليمية والدفاع عن لبنان

يصعب اختزال النقاش بسؤال واحد يوجّه إلى حزب الله: هل سيدخل الحرب أم لا؟

فهذا السؤال، بصيغته المجرّدة، يتجاهل أسئلة أكثر جوهرية:

- ماذا لو تعرّض لبنان لاعتداء مباشر؟
- ماذا لو حاولت إسرائيل فرض أمر واقع عسكري؟
- ماذا لو استُهدفت مناطق لبنانية أو منشآت حيوية؟
- ما قيمة التعهّد بعدم الرد إذا لم يقابله التزام واضح بوقف الاعتداء؟
- ومن يضمن أن يفهم العدو الامتناع اللبناني على أنه رغبة في السلام، لا عجز عن الدفاع؟

هناك فرق أساسي بين قرار الذهاب إلى حرب إقليمية وبين مواجهة عدوان يقع على لبنان. والخلط بين الأمرين يجعل أي احتفاظ بحق الرد يبدو كأنه استعداد للحرب، فيما يُقدَّم الامتناع المسبق عن الرد باعتباره ضمانة للسلام.

لكن السلام لا يُبنى على شلّ قدرة لبنان على الدفاع عن نفسه، ولا على افتراض حسن نية طرف أثبت، بالتجربة، أنه لا يتردد في استخدام القوة وخرق السيادة عندما يرى في ذلك مصلحة سياسية أو عسكرية.

المقاومة جزء من معادلة الحماية

لقد أثبتت التجربة اللبنانية أن الردع لم ينتج من البيانات والضمانات وحدها، بل من توازن فرض على إسرائيل حساب كلفة اعتداءاتها. وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل دور المقاومة في حماية لبنان وردع الاحتلال، ولا يمكن التعامل معها كما لو أنها عامل طارئ منفصل عن تاريخ طويل من الاحتلال والاعتداءات والتهديدات.

المقاومة، في جوهر وظيفتها الوطنية، ليست مشروعاً للحرب من أجل الحرب، ولا غاية مستقلة عن حماية الأرض والناس والسيادة. وهي لا تحتاج إلى تقديم ضمانة مجانية للعدو، لكنها مطالبة في الوقت نفسه بأن يكون خطابها واضحاً في الداخل: حماية لبنان أولوية، وتجنّب الحرب هدف، واستخدام القوة لا يكون إلا في إطار الدفاع عن البلد وردّ العدوان ومنع فرض الوقائع عليه.

وهذا يضع المقاومة أمام مسؤولية وطنية مضاعفة، عنوانها الجمع بين قوة الردع ودقة الحساب. فالمطلوب ليس كشف الخطط أو التفاصيل العسكرية، بل تأكيد أن قرار المواجهة يخضع لمصلحة لبنان، وأن حياة المدنيين وأمنهم وقدرة البلد على الاحتمال عناصر أساسية في تقدير أي خطوة.

 الغموض مع العدو والوضوح مع الداخل

قد يخدم الغموض الردعي حين يُبقي المعتدي غير واثق من حجم الكلفة التي سيدفعها إذا أقدم على الهجوم. لكن الغموض لا يمكن أن يكون سياسة وطنية مكتملة، ولا ينبغي أن يتحول إلى غموض بين اللبنانيين أنفسهم.

يستطيع أي طرف لبناني أن يرفض تقديم تعهّد مجاني للعدو، وأن يطمئن اللبنانيين في الوقت نفسه إلى أن تجنيب البلد الحرب أولوية، وأن كل خيار سيُقاس بمدى خدمته للمصلحة الوطنية وقدرة لبنان على حماية شعبه ومؤسساته.

فالطمأنة المطلوبة ليست التزاماً مسبقاً بنزع عناصر القوة من يد لبنان، بل وضوح في المبادئ التي تحكم القرار: لا مبادرة إلى حرب لا تخدم لبنان، ولا تخلٍّ عن حق الدفاع في مواجهة عدوان، ولا استخدام للقوة خارج مقتضيات حماية البلد وردع المعتدي.

 الضمانات يجب أن تكون متبادلة

من يطالب بمنع التصعيد، عليه أن يوجه مطلبه إلى جميع الجهات القادرة على منعه. فالوساطة الجدية لا تكتفي بمطالبة لبنان بضبط نفسه، بل تضغط على إسرائيل لوقف تهديداتها واعتداءاتها، وتحمي السيادة اللبنانية، وتضع آليات واضحة لمراقبة الخروقات ومحاسبة من يرتكبها.

أما الاكتفاء بمطالبة لبنان بالإعلان مسبقاً عمّا لن يفعله، فيترك أصل الخطر قائماً، ويحوّل التهدئة إلى واجب أحادي الجانب. وهذا لا يصنع سلاماً، بل يخلق اختلالاً في ميزان الردع قد يغري المعتدي بالمزيد من المغامرة.

الضمان الحقيقي لا يكون بكلمات تُطلب من لبنان، بل بالتزام متبادل تملك الجهات الدولية القدرة والإرادة على تنفيذه. وإلا تحولت الضمانات إلى أداة ضغط على الطرف الأضعف، بدلاً من أن تكون وسيلة لحماية البلد.

لا للحرب… ولا للاستسلام

رفض التعهّد المسبق لا يعني أن الحرب مرغوبة أو حتمية، كما أن الحرص على تجنّبها لا يعني قبول الابتزاز أو التخلي عن حق لبنان في الدفاع عن أرضه وشعبه.

بين الاندفاع إلى مواجهة غير محسوبة وبين الاستسلام لشروط المعتدي، توجد مساحة واسعة لسياسة وطنية مسؤولة تقوم على:

- منع استدراج لبنان إلى حرب لا تخدم مصالحه.
- حماية حقه في الدفاع عن نفسه.
- تعزيز الردع الذي يمنع الاعتداء.
- تنسيق المواقف بين المقاومة ومؤسسات الدولة.
- وضع أمن المدنيين والاقتصاد والبنية التحتية في صلب القرار.
- توحيد اللبنانيين حول أولوية السيادة وحماية الأرض.
- مطالبة المجتمع الدولي بضمانات متوازنة وملزمة لجميع الأطراف.

إن الموقف الوطني لا يُقاس بمن يعلن التنازل مسبقاً عن حقه في الرد، بل بمن ينجح في حماية لبنان من الحرب من دون أن يحوّله إلى ساحة مفتوحة أمام المعتدي.

والسؤال الذي يجب أن يتقدم النقاش هو: ما الذي يضمن فعلاً ألا يُعتدى على لبنان؟

حين يُطرح السؤال بهذه الصراحة، يصبح طلب الضمانات جزءاً من حماية البلد. أما حين يُطلب من اللبنانيين وحدهم إعلان ما لن يفعلوه، فيما لا يُطلب من إسرائيل التزام مماثل بوقف الاعتداء واحترام السيادة، فإن القلق يبقى مشروعاً: من يضمن ألا تتحول تلك التعهدات إلى فرصة يستفيد منها المعتدي؟

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي