«سجلّ المحاكم لا يُحاضر الجيش» - «من اغتيال كرامي إلى محاكمة هيكل إعلاميًا: إرادة من؟»

«سجلّ المحاكم لا يُحاضر الجيش» - «من اغتيال كرامي إلى محاكمة هيكل إعلاميًا: إرادة من؟»

كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع Icon News

قائد الجيش بين التصريح السياسي والدور الميداني

 

مساء 22 أكتوبر 2026، جلس سمير جعجع أمام كاميرات برنامج «صار الوقت» على شاشة MTV، وتحدّث عن قائد الجيش العماد رودولف هيكل كما يتحدث مالك عن مدير تنفيذي متقاعس. قال إن هيكل «في مقلب آخر» عن توجهات حزبه، وإن الجيش يملك القدرة لكنه يفتقد الإرادة، وإن مجلس الوزراء يملك صلاحية الإقالة. ولم يذكر، طبعًا، أن حزبه كان قد أعدّ قبل أشهر الملف كاملًا، يبحث عن مبرر يبرر الإطاحة برجل على رأس مؤسسة وطنية لم تكن يومًا ملكًا لأحد.

 

فلنضع المعيار الذي يبتكره في صدره أولا: هل يُقاس قائد الجيش بمدى توافقه مع «توجهات» حزب؟ الجيش ليس فرعًا لجهاز سياسي، ولا اختبار ولاء له يُجرى في مقرات الأحزاب. من يجعل انتماء القائد إلى توجه سياسي معيارًا للإقالة، يعلن في الواقع أنه يريد قائدًا خاضعًا له، لا قائدًا خادمًا للوطن. وهذا وحده يكفي لإسقاط كل ما قيل بعد ذلك.

 

وهنا لا بد أن نضع الأمور في سياقها التاريخي كما هي، لا كما يتمنى بعضهم أن تُقرأ. الرجل الذي يفتش اليوم عن «الإرادة» لدى الآخرين، هو الذي حكمت عليه المحاكم اللبنانية في قضية اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رشيد كرامي، وفي قضية تفجير كنيسة في زوق أثناء القداس قتل فيها مصلّون أبرياء في أيام أحد. قضى نحو إحدى عشرة سنة في السجن، وخرج عام 2005 ضمن تسوية سياسية، لا ببراءة قضائية: الحكم بقي، والملف بقي، وملفات أخرى من سنوات الحرب، من إهدن وما وراءها، ماثلة في الذاكرة الوطنية كلما تحدث الرجل عن الإرادة والتنفيذ. صحيح أن التسوية أخرجته من قفصه، لكنها لم تمحو ما كتبته المحاكم عنه، والتاريخ لا يمحو ما تثبته محاكمه.

 

ثم ليقف هذا السجل أمام السجل الآخر. قائد الجيش الذي يُحاكم إعلاميًا اليوم تولى قيادة مؤسسة في أكثر الفصول خطرًا على هذا البلد: خروقات إسرائيلية متكررة على الجنوب، ملف ترتيبات أمنية جنوب الليطاني تُدار تحت سقف آلية الإشراف على وقف الأعمال العدائية، وضغط داخلي يستهدف في كل مرة تفكك السلم الأهلي. وفي أكتوبر 2026 وحده، كانت وحدات الجيش تنفذ دوريات وحواجز في بيروت والضاحية الجنوبية لملاحقة المطلوبين، وتعالج في الجنوب منشآت سابقة وتفكك بنى تحتية بالتنسيق مع الآلية، بينما كان قائدها يلتقي وفودًا أوروبية وأممية وقطرية ومصرية وعربية يطلب من كل واحد منها ما يحتاجه الجيش فعلا: قدرات، ومعدات، ومظلة دولية، لا مواعظ سياسية. رجل يدير كل هذا بموارد محدودة في بلد مفلس، ويُطلب منه بعد ذلك أن يقدم شهادة ولاء لحزب؟

 

إن كان لمجلس الوزراء صلاحية الإقالة، فالصلاحية قائمة للدستور، لا لأي كان. لكن السقوط الأخلاقي أن يستدعي حزب أسرته السجون التي ملأتها ضحاياه، مؤسسةً هي آخر جدران هذا البلد، ويطلب منها حسابًا عن «الإرادة». لا يحق لمن أودع الحرب في كنائس هذا الوطن وخطط لاغتيال رؤساء وزرائه أن يحاضر الجيش في حماية الأرواح. هذا ليس خطابًا سياسيًا، هذا سجل محفوظ في أرشيف المحاكم، يُقرأ على صوت عال كلما حاول صاحبه إعادة ترتيب الورق.

 

يبقى السؤال الذي يطرحه هذا البلد على نفسه: هل يُقاس أداء قائد الجيش بمدى توافقه مع حزب بعينه، أم بقدرته على تنفيذ المهمات واحتواء التوترات وحماية السلم الأهلي؟ البيانات الرسمية والتحركات الميدانية تجيب عن ذلك كل يوم، في بيروت وفي الضاحية وفي الجنوب. والوثيقة التاريخية، حين تُكتب، ستسجل في طرف قائدًا أبقى الجيش مؤسسة واحدة في أصعب اختبار منذ عقود، وفي الطرف الآخر رجلًا ظل سجله الجنائي مدى عمره، مهما حاول أن يعيد ترتيب الحروف فوقه.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي