حرب الديزل... ترامب بين ضغط الناخبين ومكاسب بوتين

حرب الديزل... ترامب بين ضغط الناخبين ومكاسب بوتين

د. رشا أبو حيدر

 

لم تعد أزمة الديزل مجرّد مشكلة في سوق الطاقة الأميركية، بل تحوّلت إلى اختبار سياسي للرئيس دونالد ترامب، الذي يجد نفسه أمام معادلة صعبة: كيف يخفض كلفة المعيشة ويحافظ على وعوده الاقتصادية، من دون أن يتراجع عن سياسة العقوبات على روسيا بسبب حرب أوكرانيا؟

 

في 9 تشرين الأول الجاري، أعلن ترامب اتفاقاً مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتأمين إمدادات من الديزل للأسواق الأميركية والعالمية، بالتزامن مع تخفيف مؤقت للقيود الأميركية على الوقود الروسي. وجاءت الخطوة قبل أسابيع من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، المقررة في 3 تشرين الثاني، وفي ظل ارتفاع أسعار الطاقة بفعل اضطرابات الإمدادات المرتبطة بالحرب مع إيران. وقد أثار القرار انتقادات من مشرّعين أميركيين من الحزبين، بسبب ما قد يتيحه لموسكو من إيرادات إضافية.

 

يدرك ترامب أن أسعار الوقود ليست تفصيلاً اقتصادياً. فالديزل يشغّل الشاحنات والآلات الزراعية، ويدخل في كلفة نقل السلع وإنتاجها، ما يجعل ارتفاعه عبئاً يمتد إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد الأميركي.

 

ومع اقتراب الانتخابات، تصبح الفجوة بين الوعود بخفض الأسعار والواقع المعيشي مصدر ضغط على الحزب الجمهوري، الذي يسعى إلى الاحتفاظ بأغلبيته في الكونغرس. ومن هنا، تبدو زيادة الإمدادات محاولة لتقديم استجابة سريعة للناخبين. لكن التوقيت لا يكفي وحده لإثبات أن الدافع الانتخابي هو السبب الوحيد وراء القرار؛ فالحاجة إلى احتواء أزمة الطاقة عامل حقيقي أيضاً.

 

تكمن المفارقة في أن واشنطن، التي استخدمت العقوبات للحد من الإيرادات الروسية والضغط على موسكو، تخفف بعض القيود عندما تصطدم سياستها الخارجية بحاجاتها الاقتصادية الداخلية. قد تستفيد روسيا من استئناف تصدير الوقود ومن تخفيف القيود المفروضة عليه، فضلاً عن توظيف الاتفاق سياسياً لإظهار أن العقوبات الغربية ليست بمنأى عن المصالح الداخلية للدول التي تفرضها.

 

لكن هل يحقق الاتفاق لترامب ما يريده؟ ليس بالضرورة. فالولايات المتحدة مُصدِّر صافٍ للديزل، والكميات الإضافية المعلنة لا تضمن انخفاضاً ملموساً ومستداماً في الأسعار. كما تواجه روسيا نفسها ضغوطاً على إنتاج الوقود، ما يثير تساؤلات بشأن قدرتها على الوفاء بالتعهدات. وقد تكون النتيجة مكسباً سياسياً لموسكو، فيما يبقى العائد المباشر على المستهلك الأميركي غير محسوم.

 

لا تتوقف المسألة عند الأسعار؛ فالتخفيف المؤقت للقيود يثير اعتراضات قانونية وسياسية في الولايات المتحدة، فضلاً عن انعكاساته على وحدة الموقف الغربي تجاه روسيا ودعم أوكرانيا. ولا يعني كل تعديل في العقوبات تراجعاً استراتيجياً، لكن التناقض بين تشديد الضغط على موسكو وتسهيل بيع وقودها يضع مصداقية السياسة الأميركية أمام اختبار حقيقي.

 

في النهاية، يواجه ترامب اختباراً مزدوجاً: أن يثبت للناخب الأميركي قدرته على تخفيف الأعباء الاقتصادية، وألا تتحوّل هذه الحاجة إلى تنازلات خارجية لا تحقق نتائج ملموسة. فإذا كانت الانتخابات تضغط على القرار، فإن أسعار الديزل ستكشف ما إذا كان الاتفاق حلاً اقتصادياً فعلياً، أم محاولة لشراء الوقت السياسي، فيما يجني بوتين مكاسب لا تحتاج إلى انخفاض الأسعار كي يستثمرها سياسيا.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي