احتجاجات فرنسا.. حساب إسرائيلي يلهب معركة الهجرة بصور عارية مفبركة

احتجاجات فرنسا.. حساب إسرائيلي يلهب معركة الهجرة بصور عارية مفبركة

زوجان مسنّان شبه عاريين وسط رجال ملثمين.. صورة زعمت أن مثيري الشغب جرّدوا ضحيتين في الثمانين من ملابسهما خلال احتجاجات باريس، قبل أن تكشف التحقيقات أنها مصطنعة. حساب حدّدت منصة "إكس" موقعه في إسرائيل ساهم في نشرها، فيما تحولت الصورة إلى وقود لمعركة سياسية تستهدف اليسار والمهاجرين والمسلمين، وسط أسئلة لم تُحسم بشأن الجهة التي تقف وراءها.

لم تكن صورة الزوجين المسنّين مجرد لقطة صادمة اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي في فرنسا، بل تحولت إلى قضية تكشف كيف يمكن لصورة واحدة مصطنعة أن تدخل في قلب أزمة سياسية واجتماعية، وأن تمنح روايات التحريض مادة بصرية يصعب تجاهلها.
ففي أعقاب احتجاجات السبت 17 أكتوبر الماضي، التي شهدت أعمال نهب وتخريب ومواجهات في عدد من المدن الفرنسية، انتشرت صورة لرجل وامرأة مسنّين يرتديان الملابس الداخلية، بينما يظهر إلى جوارهما أشخاص ملثمون. ورافقها ادعاء بأن الزوجين، اللذين تجاوزا الثمانين، تعرضا للسرقة والتجريد من ملابسهما في محيط ساحة الجمهورية في باريس.
كانت الرسالة واضحة، الاحتجاجات لم تعد مجرد تحرك اجتماعي، بل تحولت، وفق الرواية المرافقة للصورة، إلى تهديد مباشر للمواطنين المسنين وأمنهم وكرامتهم. لكن المشكلة أن الصورة التي استُخدمت لتجسيد هذه الرواية لم تكن توثيقًا حقيقيًا للحادثة.
 
في تحقيق نشرته قناة TF1 الفرنسية في 19 أكتوبر، تبيّن أن الصورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي، وأن نسخًا متعددة منها انتشرت بالتعليقات نفسها تقريبًا، رغم اختلاف تفاصيل المشهد.
وكشفت أدوات التحقق عن مؤشرات رقمية تؤكد أن الصورة أُنشئت أو عُدّلت باستخدام الذكاء الاصطناعي، فيما ظهرت عيوب بصرية واضحة، بينها أصابع غير مكتملة وتداخل غير منطقي في أجساد الأشخاص الظاهرين في المشهد.
والأهم أن نيابة باريس أكدت لـTF1 أنها لا تملك معلومات تؤكد وقوع الاعتداء المزعوم، ودعت إلى التعامل بحذر مع الرواية المتداولة. وبذلك، لم تعد الصورة دليلًا على جريمة ارتُكبت خلال الاحتجاجات، بل أصبحت هي نفسها موضوعًا للتحقيق والتدقيق.
فبحسب تحقيق TF1، نُشرت هذه النسخة يوم الأحد 18 أكتوبر، قرابة الساعة 12:30 ظهرًا، عبر حساب على منصة "إكس" يظهر موقعه في إسرائيل وفق بيانات الحساب. وأرفق الناشر الصورة برسالة سياسية تتهم الدولة الفرنسية بفقدان السيطرة، وتصف أقصى اليسار بأنه حوّل البلاد إلى منطقة حرب.
وسرعان ما انتقلت الصورة إلى حسابات أخرى، بينها حسابات أقصى اليمين في فرنسا وخارجها، قبل أن تتسع دائرة تداولها باللغتين الفرنسية والإنجليزية.
وقدّر تحقيق TF1 عدد المنشورات التي تناولت الرواية بأكثر من 50 ألف منشور بالفرنسية، وعدد مماثل تقريبًا بالإنجليزية، وفق بيانات منصة رصد المحتوى Visibrain. كما تجاوزت إحدى النسخ ستة ملايين مشاهدة على "إكس"، بحسب تقرير آخر للقناة.
وتكشف هذه الأرقام حجم الانتشار، لكنها لا تثبت أن كل من أعاد نشر الصورة كان جزءًا من حملة منسقة، ولا أن جميع الحسابات تحركت بتوجيه من جهة واحدة.
أما وجود الحساب الناشر في إسرائيل، فيطرح سؤالًا عن هوية صاحبه وصلاته المحتملة.
كيف تحولت الصورة إلى سلاح في الصراع السياسي؟
لم تنتشر الصورة في فراغ. فقد جاءت في لحظة كانت فرنسا تشهد فيها احتجاجات واسعة على تكاليف المعيشة وأوضاع التعليم والخدمات العامة، بالتزامن مع أعمال عنف ونهب استغلها بعض الفاعلين لترويج روايات سياسية متنافسة.
وفي هذا السياق، حملت الصورة رسالة تتجاوز الادعاء بوقوع جريمة: إنها تصور المجتمع الفرنسي باعتباره ضحية لانهيار أمني، وتتيح لمن يروّجها ربط هذا الانهيار بأقصى اليسار والهجرة والإسلام.
فالصورة لا تحتاج إلى أن تذكر المسلمين صراحة حتى تُستخدم ضمن خطاب يستهدفهم، خصوصًا عندما تُرفق بمنشورات تتحدث عن المهاجرين أو ما يُوصف بـ"الإسلاموية" أو فقدان السيطرة على الشوارع.
وقد رصدت صحيفة "لوموند" انتشار مواد مضللة ومقاطع وصور مفبركة بالتزامن مع الاحتجاجات، فيما وثقت وكالة الأنباء الإسبانية EFE تداول الصورة نفسها ضمن منشورات اتهمت المتظاهرين بسرقة ممتلكات المسنين وملابسهم.
لكن لا توجد أدلة كافية تسمح بالقول إن جميع هذه المنشورات انطلقت من مركز واحد، أو إن حملة واحدة صممتها جهة حكومية بهدف إشعال صراع ديني وعرقي في فرنسا.
الجبهة السياسية: استُخدمت الصورة لتأكيد رواية مفادها أن أقصى اليسار مسؤول عن الفوضى، وأن الحكومة الفرنسية فقدت السيطرة. وهذا يمنح خصوم اليسار مادة عاطفية قوية، حتى لو كانت الواقعة التي تجسدها الصورة غير مثبتة.
الجبهة الهوياتية: ساهمت الرواية المرافقة للصورة في تغذية خطاب يربط الجريمة بالهجرة والانتماء الديني. والخطر هنا أن تتحول تصرفات أفراد، أو حتى حوادث حقيقية منفصلة، إلى اتهام جماعي للمسلمين والمهاجرين، من دون بيانات تثبت أنهم المسؤولون الرئيسيون عن أعمال النهب.
الجبهة الرقمية: كشفت القضية أن الذكاء الاصطناعي قادر على إنتاج صورة تبدو واقعية بما يكفي لتجاوز التدقيق الأولي، ثم تحويلها إلى مادة سياسية عابرة للحدود. وفي هذه الحالة، لم يكن المطلوب اختلاق الاحتجاجات نفسها؛ فقد وقعت بالفعل أعمال عنف ونهب، بل إضافة حادثة مؤثرة بصريًا إلى أحداث حقيقية، بما يجعل الرواية المفبركة أكثر قابلية للتصديق.
هل كانت إسرائيل وراء حملة لتأجيج الانقسام الفرنسي؟
المثبت أن صورة الزوجين كانت مصطنعة، وأن حسابًا حدّدت منصة "إكس" موقعه في إسرائيل ساهم في نشر إحدى نسخها، وأن الصورة استُخدمت في رسائل سياسية شديدة اللهجة ضد اليسار الفرنسي. أما أن الحكومة الإسرائيلية كانت وراء إنتاج الصورة أو أدارت حملة منظمة لتأجيج الانقسامات الدينية والعرقية والسياسية في فرنسا، فلم تثبته المعلومات المنشورة التي أمكن التحقق منها.
ولإثبات ذلك، يلزم تتبع الحسابات التي نشرت الصورة أولًا، وتحديد أصحابها وصلاتهم المحتملة، وفحص ما إذا كان هناك تنسيق أو تمويل أو توجيه مشترك بينها. فالموقع الجغرافي للحساب، مهما كان لافتًا، ليس دليلًا كافيًا على مسؤولية الدولة التي يوجد فيها.
ومع ذلك، فإن القضية تثير تساؤلًا أوسع بشأن استغلال الصراعات الدولية في التأثير على النقاشات الداخلية في الدول الأوروبية، خصوصًا حين تتقاطع قضايا الهجرة والإسلام وفلسطين مع استقطاب سياسي حاد.
صورة واحدة.. وشرخ أعمق
تزامن انتشار الصورة مع مشاهد حقيقية للنهب والتخريب، وهو ما جعل التمييز بين الحقيقة والتزييف أكثر صعوبة بحسب متابعين. فحين يشاهد الجمهور صورًا موثقة لواجهات محطمة وسيارات محترقة، يصبح أكثر استعدادًا لتصديق صورة أخرى تزعم وقوع اعتداء مروّع، حتى إن كانت مصطنعة.
العرب والعالم احتجاجات فرنسا فرنسا تستنفر قبل السبت.. انتشار أمني غير مسبوق واستعانة بالجيش ومسيّرات لمراقبة المتظاهرين
العرب والعالم الخريف الأوروبي ينثر أوراق الغضب.. شوارع ملتهبة بعدة عواصم وحظر تجول بفرنسا 
وهكذا، لم تكتفِ الصورة بتضليل من شاهدها؛ بل هددت بتحويل الغضب من جرائم محددة ينبغي التحقيق فيها إلى عداء تجاه جماعات واسعة لا تثبت الأدلة مسؤوليتها الجماعية.
والنتيجة أن النقاش قد ينحرف عن الأسئلة الأساسية: ما أسباب الاحتجاجات؟ من ارتكب أعمال النهب؟ كيف أخفقت السلطات في تقدير حجم التحركات؟ ومن يستفيد سياسيًا من تصوير الأزمة باعتبارها صراعًا بين الفرنسيين والمهاجرين أو بين المسلمين وغير المسلمين؟
وتكشف صورة الزوجين المسنّين كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصنع مشهدًا لم تثبت حقيقته، ثم يتحول هذا المشهد إلى أداة في معركة سياسية وهوياتية. وبين الواقعة المصطنعة والانقسام الحقيقي، تبقى أخطر النتائج هي تحويل صورة زائفة إلى وقود لكراهية حقيقية.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي