قانون إصلاح المصارف بعد قبول الطعن: مخاوف على مسار المحاسبة
أعاد قرار المجلس الدستوري إبطال المادة الثالثة من القانون المعدّل لإصلاح المصارف فتح النقاش حول مستقبل الإصلاح المالي في لبنان، وحدود الصلاحيات الممنوحة لحاكم مصرف لبنان، ودور الهيئة المصرفية العليا في معالجة أوضاع المصارف المتعثرة.
لكن القرار يطرح، إلى جانب مفاعيله القانونية، سؤالاً سياسياً لا يقل أهمية: لماذا اختار رئيس الجمهورية جوزاف عون إصدار القانون ثم الطعن به، بدلاً من إعادته إلى مجلس النواب لطلب إعادة النظر فيه؟
في الشكل، استند المجلس الدستوري إلى خلل في المسار التشريعي للمادة الثالثة، إذ خلص إلى أنها لم تنل الأكثرية المطلوبة، بعدما سقطت الصيغة التي أقرتها لجنة المال والموازنة، من دون طرح صيغة بديلة والتصويت عليها. وبناءً على ذلك، أبطل المجلس المادة، من دون أن يمتد الإبطال إلى المادة الثالثة من قانون إصلاح المصارف الأصلي الصادر عام 2025.
وبذلك، لم يحسم القرار، في جوهره، الجدل المالي والسياسي حول الصلاحيات التي ينبغي أن يتمتع بها حاكم مصرف لبنان في مواجهة الهيئة المكلفة إصلاح المصارف، بقدر ما حسم الإشكال المتعلق بطريقة إقرار النص المطعون فيه. وهذه نقطة أساسية في قراءة القرار، لأن إبطال مادة لأسباب تتصل بأصول التصويت لا يعني بالضرورة أن المجلس الدستوري تبنّى جميع الاعتراضات الموضوعية التي أثيرت بشأن مضمونها.
مع ذلك، فإن النتيجة العملية للقرار تكتسب أهمية كبيرة، لأن المادة التي أُبطلت كانت تتصل بتحديد العلاقة بين صلاحيات حاكم مصرف لبنان والهيئة المصرفية العليا، في مرحلة يفترض أن يكون الهدف الأساسي فيها إخضاع القطاع المصرفي لقواعد واضحة للمساءلة، وتحديد الخسائر والمسؤوليات، ووضع أسس لمعالجة أوضاع المصارف وحماية حقوق المودعين.
لماذا لم يُعِد الرئيس القانون إلى مجلس النواب؟
يمنح الدستور رئيس الجمهورية، بموجب المادة 57، حق طلب إعادة النظر في القانون مرة واحدة ضمن المهلة المحددة لإصداره، بعد إطلاع مجلس الوزراء، ولا يجوز لمجلس النواب رفض هذا الطلب. وفي حال إعادة القانون وإصرار المجلس عليه، يصبح إقراره مشروطاً بالغالبية المطلقة من مجموع أعضائه الذين يؤلفونه قانوناً.
كان هذا المسار متاحاً أمام رئيس الجمهورية، وكان من شأنه أن يتيح إعادة فتح النقاش النيابي حول المادة الثالثة، وتوضيح الخلاف بشأن صلاحيات الحاكم والهيئة المصرفية العليا، ومحاولة التوصل إلى صيغة تشريعية أكثر وضوحاً.
لكن عون اختار إصدار القانون ثم الطعن بالمادة الثالثة أمام المجلس الدستوري. وهذا خيار يدخل، من حيث المبدأ، ضمن الأدوات الدستورية المتاحة لرئيس الجمهورية، ولا يشكل بحد ذاته مخالفة للدستور. فحق طلب إعادة النظر وحق مراجعة المجلس الدستوري مساران مختلفان، ولا يفرض الدستور على الرئيس استخدام أحدهما قبل الآخر.
غير أن مشروعية الخيار من الناحية الدستورية لا تلغي السؤال عن جدواه السياسية والعملية. فبدلاً من إعادة النقاش إلى السلطة التشريعية، انتقل النزاع إلى المجلس الدستوري، الذي انتهى إلى إبطال المادة استناداً إلى الخلل في إقرارها. أما النتيجة، فكانت إعادة الملف إلى نقطة سابقة، من دون أن تتوافر حتى الآن تسوية تشريعية جديدة تحسم الخلاف حول توزيع الصلاحيات في عملية إصلاح المصارف.
ولا يمكن الجزم بأن الرئيس اختار هذا المسار بقصد حماية المصارف أو خدمة مصالح جهة بعينها من دون أدلة تثبت ذلك. لكن من المشروع تقييم نتائج القرار، ومساءلة السلطة السياسية عن مدى انسجام خياراتها الإجرائية مع تعهداتها بإصلاح القطاع المصرفي واستعادة أموال المودعين.
هل صلاحيات الحاكم مسألة سيادية؟
هنا تكمن المسألة الأكثر حساسية في الخلاف حول المادة الثالثة. فقد استند الاعتراض على الصيغة التي أقرتها لجنة المال والموازنة إلى ضرورة مراعاة أحكام المادة 70 من قانون النقد والتسليف، باعتبار أن صلاحيات حاكم مصرف لبنان والمجلس المركزي لا ينبغي أن تتعارض مع صلاحيات الهيئة المصرفية العليا.
لكن تحويل هذا النقاش إلى مسألة سيادية، أو التعامل مع صلاحيات الحاكم باعتبارها مجالاً لا يجوز للمشرّع تقليصه أو إعادة تنظيمه، يطرح إشكالية جوهرية. فصلاحيات حاكم مصرف لبنان ليست امتيازات شخصية أو اختصاصات فوق المساءلة، بل صلاحيات قانونية تستمد مشروعيتها من التشريعات التي تنظم عمل المصرف المركزي، ويعود إلى المشرّع تحديد نطاقها وتعديلها وفقاً للدستور والقانون.
ولا يعني ذلك أن صلاحيات الحاكم يمكن إلغاؤها أو الانتقاص منها اعتباطاً، أو أن استقلالية المصرف المركزي غير ضرورية. فالمطلوب هو التمييز بين استقلالية المؤسسة النقدية في ممارسة وظائفها، وبين منح مسؤول واحد صلاحيات واسعة لا تقابلها آليات كافية للرقابة والمحاسبة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بمعالجة تعثر المصارف وتوزيع الخسائر وتحديد مصير أموال المودعين.
وتكتسب هذه المسألة أهميتها من تجربة الانهيار المالي الذي بدأ يتكشف بصورة حادة عام 2019. فقد كشفت الأزمة عن اختلالات عميقة في السياسات المالية والنقدية، وفي العلاقة بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية، وعن غياب المحاسبة الفعالة على القرارات التي أدت إلى تراكم الخسائر وتفاقمها.
وكانت الصلاحيات الواسعة التي تمتع بها الحاكم السابق رياض سلامة، إلى جانب ضعف الرقابة والمساءلة وتداخل المسؤوليات، من العوامل التي أتاحت استمرار سياسات نقدية ومالية عالية المخاطر، وأسهمت في تعقيد الأزمة. لكن من غير الدقيق اختزال الانهيار كله في صلاحيات الحاكم وحدها، إذ تضافرت معها سياسات الدولة المالية، والعجز المتراكم، والاعتماد على تدفقات الودائع، والهندسات المالية، وممارسات القطاع المصرفي.
من هنا، لا ينبغي أن يكون الدرس المستخلص من تجربة رياض سلامة هو استبدال حاكم بآخر، أو الاكتفاء بالرهان على نزاهة الشخص الذي يتولى المنصب. بل يجب أن يكون بناء منظومة مؤسساتية تمنع تركيز القرار من دون رقابة كافية، وتحدد بوضوح مسؤوليات كل جهة، وتتيح محاسبة المسؤولين عن القرارات التي تلحق أضراراً بالمال العام وحقوق المودعين.
جوهر الخلاف لا يتعلق فقط بمدى اتساع صلاحيات حاكم مصرف لبنان، بل أيضاً بالجهة التي ينبغي أن تتولى القرارات المرتبطة بإصلاح المصارف ومعالجة تعثرها. فحين تكون الهيئة المصرفية العليا مكلفة بتطبيق إجراءات المعالجة، يجب أن تكون صلاحياتها واضحة وفعالة، وألا تتحول مهمتها إلى مجرد تنفيذ قرارات تخضع في كل مراحلها لتقدير جهة أخرى.
وفي المقابل، لا يمكن إنجاح الإصلاح عبر إنشاء هيئة جديدة بصلاحيات ملتبسة أو متعارضة مع التشريعات النافذة. فالتنسيق بين المؤسسات ضروري، لكن التنسيق لا ينبغي أن يؤدي إلى إفراغ الهيئة المكلفة الإصلاح من قدرتها على اتخاذ القرارات التي أنشئت من أجلها.
والأهم أن توزيع الصلاحيات يجب أن يُقاس بقدرته على تحقيق أهداف القانون: تحديد المصارف القابلة للاستمرار، ومعالجة المصارف المتعثرة، وتوزيع الخسائر وفق قواعد واضحة، ومساءلة الجهات المسؤولة، والحد من استخدام الأموال العامة لإنقاذ المصارف على حساب المواطنين.
أما إذا انتهى الأمر إلى تكريس صلاحيات واسعة من دون ضوابط متناسبة معها، فإن الخطر لا يقتصر على إبطاء الإصلاح، بل يمتد إلى إبقاء القرارات الأساسية المتعلقة بمصير المصارف والودائع رهناً بتقديرات لا تتوافر بشأنها ضمانات كافية للشفافية والمساءلة.
قرار المجلس الدستوري
وقد أصدر المجلس الدستوري، بالإجماع، مساء الثلاثاء 20 تشرين الأول 2026، قرارًا بقبول المراجعة المقدّمة من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون طعنًا بالمادة الثالثة من القانون رقم 71 الصادر في 10 أيلول 2026، والرامي إلى تعديل بعض مواد قانون إصلاح المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها، وأبطل المادة المطعون فيها، إضافة إلى إبطال عبارتين من المادتين 19 و27 من القانون نفسه. على أن يُبلّغ القرار إلى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء، ويُنشر في الجريدة الرسمية.
في الأساس، اعتبر المجلس الدستوري أنّ المادة الثالثة من القانون المطعون فيه لم تنل الأكثرية المطلوبة خلال التصويت في مجلس النواب، بعدما سقط اقتراح تعديلها وفق صيغة لجنة المال والموازنة، من دون أن يُتلى نص بديل أو يُطرح على التصويت، رغم مطالبة عدد من النواب بذلك.
وأوضح أنّ القانون أُقرّ بصيغته المعدّلة من لجنة المال والموازنة، باستثناء المادة الثالثة التي لم تنل الأكثرية، ولم يحصل تصويت على أي صيغة أخرى لها، ما يوجب إبطالها، من دون أن يمتدّ هذا الإبطال إلى المادة الثالثة من قانون إصلاح المصارف الأصلي رقم 23 الصادر عام 2025.
واعتبر المجلس أنّه لم يعد من موجب للبحث في سبب الطعن المتعلّق بمبدأ وضوح التشريع.
وأبطل المجلس من المادة 19 عبارة «إضافةً إلى قرار منعهم من السفر»، الواردة في سياق التدابير التي يمكن اتخاذها بحق كبار المساهمين وأعضاء مجالس الإدارة والإدارة العليا والمفوّضين بالتوقيع ومفوّضي المراقبة في المصارف قيد التصفية.
واستند المجلس إلى أنّ الحرية الشخصية وحرية التنقل ومغادرة البلاد لا يجوز تقييدها إلا بقرار صادر عن مرجع قضائي مستقل، وفق أصول تضمن حق الدفاع ومبدأ المواجهة. واعتبر أنّ منح جهات إدارية، بينها الهيئة المصرفية العليا والمصفّي ولجنة التصفية، صلاحية منع السفر لمجرد وجود أسباب جدية للاشتباه، ومن دون تدخل قضائي مسبق، يشكّل مساسًا بالحرية الشخصية وتعديًا على صلاحيات السلطة القضائية، ومخالفة لمبدأ الفصل بين السلطات والضمانات التي يكفلها الدستور.
كذلك، أبطل المجلس من المادة 27 عبارة «وهم في هذه الحالة محميّون من أي إجراء قضائي أو دعوى ترفع ضدهم»، المتعلقة بموظفي المصرف الذين يلتزمون بقرارات الهيئة المصرفية العليا.
ورأى ان هذه العبارة تثير التباساً بشأن طبيعة الحماية الممنوحة للموظفين، وما اذا كانت تحرم المتضررين من حق اللجوء الى القضاء، وهو حق من الضمانات الاساسية التي تكفلها المادة 20 من الدستور.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي