أوروبا على صفيح ساخن.. هل ترتدّ أدوات زعزعة الاستقرار على الغرب نفسه؟

أوروبا على صفيح ساخن.. هل ترتدّ أدوات زعزعة الاستقرار على الغرب نفسه؟

خاص ICON NEWS 

ليست مفاجأة ما يحدث اليوم في أوروبا، بل حتمية رياضية. من دأب على تصدير الاضطراب إلى دول الجنوب، موّلاً المظاهرات في شوارعها وعمّد الاختلال في اقتصاداتها لاستجلاء شعوبها كورقة ضغط، لا بد أن يستيقظ يوماً على نفس الأدوات وهي تعمل في بيته. ذلك اليوم وصل: شوارع باريس وميلانو وبروكسل ولشبونة تشتعل معاً، والحكومات الأوروبية تقف عاجزة أمام غضب شعوبها كما عاجزت لسنين حكومات الدول التي كانت تنصحها بضبط انفجار غضبها.

 

في 17 و18 أكتوبر 2026، خرجت مئات الآلاف في موجة احتجاجات غير منسّقة لكنها متطابقة المعنى، من فرنسا وإيطاليا وبلجيكا والبرتغال إلى ألبانيا وإسبانيا. وفي إيطاليا وبلجيكا تحوّلت المظاهرات إلى مواجهات عنيفة، وسقط قتيل في الشارع، مشهدٌ كنا نصدّق أنه لا يحدث إلا في الدول "الهشّة" الواردة في تقارير المراصد الغربية. أما فرنسا، التي تدّعي قيادة القارة، فتحوّلت إلى مركز العاصفة: نحو 550 ألف متظاهر في بلد يعلن عجزاً بنسبة 5.4% من ناتجه، متجاوزاً سقف الاتحاد المحدد بثلاثة في المئة، بلا رؤية تُذكر للخروج من المأزق.

 

والأرقام تكشف الفضيحة التي تجرّها حكومات القارة خلفها. أسعار الأغذية في الاتحاد الأوروبي قفزت 34% بين أغسطس 2021 وأغسطس 2026، بينما انهارت ما يشتريه الحد الأدنى للأجور. في البرتغال، ارتفعت أسعار المساكن 16.5% في عام واحد، وهي الأعلى في الاتحاد، وتعادل إيجارات لشبونة نحو كامل الأجر المتوسط: مدينة لا يجد فيها الموظف سقفاً يلوذ به على راتب كامل. أمام هذا، لا يسأل الشعوب سؤالها الوحيد الممكن: أي أولوية؟ الحرب أم السقف والخبز؟

 

وهنا يلتقي الغضب الشعبي بالقرار الاستراتيجي الأوروبي. فالإنفاق الدفاعي للاتحاد بلغ عام 2026 نحو 454 مليار يورو، 2.4% من الناتج، بزيادة 75% عن 2021، ومعاهدات الحلف الأطلسي تدفع نحو 5%، نسبة يقرّ المحللون الأوروبيون أنفسهم بأنها ستراهن موازنات الرفاه الاجتماعي. ثم جاءت صدمة الطاقة عام 2026 لتُثبِت أن الجغرافيا لا تمنح الغرب حصانة: تصاعد التوترات في الشرق الأوسط رفع ديزل الاتحاد 35% خلال سبعة أشهر، وترتّب على فاتورة كهرباء تتعدى 120 يورو إضافية سنوياً على كل أسرة. ثلاثة اتجاهات للمال: الحرب، والطاقة، والرفاه. والحرب والطاقة يأكلان الرفاه.

 

سيقول البعض إن الأمر أعقد من معادلة، وهو صحيح جزئياً: فالتظاهرات تحرّكت أولاً بدوافع اقتصادية داخلية، من التضخم إلى السكن إلى تدهور التعليم والخدمات، ولم تكن حرب أوكرانيا في معظمها الشارة الأولى. لكن هذا لا يغفر للنخب الأوروبية ما بنيته، بل يدينها مرة أخرى. إذن حرب أوكرانيا بالكاد تُصرف منها أولويات موازناتها الموعودة: من 45 مليار يورو خصصت لدعمها في 2026 لم يُصرف سوى نحو 15 ملياراً، واستطلاعات فرنسية وألمانية تكشف جماهير تتجه نحو تقليص الدعم، لا غرامة لموسكو، بل إحساساً دقيقاً بأن الكلفة تُدفع محلياً والأفق الدبلوماسي مغلق. هذا هو الغبار المتراكم الذي تنفجر منه الشوارع، ويتغذّى منه صعود اليمين الشعبوي وانهيار الحكومات المتعاقبة، كما رُصد في تحليلات السياسات الأوروبية طوال هذا العام.

 

لقد تعلمت أوروبا أن أدوات زعزعة الاستقرار لا تعترف بالجنسية. الشعوب كلها تتصرف بطريقة واحدة حين تلمس الكلفة على مائدتها: خرجت شعوب الجنوب حين نُفّدت بها السياسات، وخرجت الشعوب الأوروبية حين نُفّدت بها. لا توجد شعوب بعلو درجة تحتمل ما لا تحتمل شعوب أخرى، ولا حكومة محمية من منطق الشارع بغض ما صنعت بعيداً.

 

يبقى السؤال مفتوحاً، وقد بات يُطرح في برلين وباريس أكثر مما يُطرح في الجنوب: هل ينال الغرب ما صنع؟ أم أن أوروبا تكتشف أخيراً، عبر درس الشوارع، أن استقرار الشعوب ليس منافياً تُصنَّع فيه الأزمات في الخارج، بل شرط بقاء كل منها؟

 

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي