بين عدوان الخارج وفشل الداخل… من يحاسب حكومة العجز؟

بين عدوان الخارج وفشل الداخل… من يحاسب حكومة العجز؟

 

افتتاحية ICON NEWS | 17 تشرين الأول 2026

 

لم يُطلب من اللبنانيين قطّ أن يعتادوا الانهيار، ولا أن يتسلّحوا بالصبر حين يتحول الفقر إلى قدر والدولة إلى شاهد على تراجعها. ولبنان الذي يواجه اعتداءات إسرائيلية وتهديدات أمنية وضغوطًا إقليمية متشابكة، لا يجوز أن يصبح أيضًا رهينة العجز الحكومي وبطء القرار وتباطؤ معالجة واحدة من أعمق الأزمات الاقتصادية والمالية في تاريخه الحديث.

 

من بيروت تبدأ الحكاية، لكن مسؤولية السلطة لا تنتهي عند حدّ التبرير: الظروف صعبة، والحرب تعرقل التعافي، وإرث السنوات الماضية ثقيل. نعم، الحرب تدمّر، والاعتداءات تستنزف، والنزوح يضاعف الأعباء، والاقتصاد كان هشًّا أصلًا. لكن السؤال الذي يفرض نفسه على الحكومة بلا مجاملة: ماذا فعلت لتخفيف الخسائر؟ وأين الإصلاحات التي وعدت بها؟ وما الذي تغيّر فعليًا في حياة المواطن، وفي حقوق المودع، في الخدمات العامة، وفي قدرة الدولة على حماية ما تبقّى من الاقتصاد؟

 

**اقتصاد يتراجع… وحكومة مطالبة بالحساب**

 

الأرقام لا تجامل أحدًا. فقد حذّر البنك الدولي في آب الماضي من انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4 في المئة خلال العام، بعدما بدّدت المواجهات العسكرية الجديدة مسار التعافي الهش الذي سُجّل في 2025، وتوقّع ارتفاع التضخم إلى 17.5 في المئة، وسط ضغط قاتل على القدرة الشرائية واحتياجات متصاعدة للإغاثة وإعادة الإعمار.

 

هذه ليست مؤشرات باردة في تقارير باردة؛ إنها وجبة العائلة التي تُقتطع، والمؤسسة الصغيرة التي تُغلق، والمتقاعد الذي ينكمش معاشه قبل أن يبلغ باب المصرف. ومن هنا، يحق للبنانيين أن يساءلوا الحكومة عن خطتها لا عن نياتها. فإدارة الأزمة لا تعني صون حدّ أدنى من الاستقرار النقدي بينما تتآكل القدرة الشرائية ويبقى الإنتاج رهينة الاختلال المزمن. والمطلوب ليس إنكار أثر الحرب، بل منع تحويلها إلى مظلة تُؤجَّل تحتها كل استحقاق. الحكومة التي تعرف حجم المخاطر مطالبة بأن تضع أولوياتها بوضوح، وأن تصارح اللبنانيين بما تحقق، وما تعثّر، ولماذا تعثّر.

 

**المودعون… سبع سنوات لا تكفيها الوعود**

 

يبقى الملف المالي الاختبار الأصدق لصدقية السلطة. فمنذ انهيار عام 2019 وما المودعون ينتظرون حلًا عادلًا يعيد إليهم أموالهم أو يحدد بشفافية آليات استردادها، بينما تتواصل المصارف ومصرف لبنان والدولة في الخلاف حول توزيع خسائر تُقدّر بنحو 70 مليار دولار، بينما يدفع المواطن ثمن أزمة لم يكن صانع قرارها.

 

وفي مطلع تشرين الأول، شدّد صندوق النقد الدولي على استكمال الإصلاحات المصرفية وإقرار التشريعات المالية المطلوبة، واعتماد موازنة 2027 وإطار مالي متوسط الأجل يضمن استدامة الدين العام. أي أن الطريق إلى اتفاق تمويلي جديد لا يزال مشروطًا بقرارات لم تُحسم. وهنا لا يكفي أن تقول الحكومة إنها تعمل: الإصلاح ليس عنوانًا في بيان وزاري ولا مشروع قانون يتنقل بين المؤسسات إلى أجل غير مسمّى. الإصلاح هو تحديد المسؤوليات، وترتيب الخسائر وفق قواعد عادلة، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته، ومنع تحميل المودعين وحدهم كلفة الانهيار.

 

فأي عدالة يتحدث عنها المسؤولون إذا ظل المواطن عاجزًا عن معرفة مصير مدخرات عمره؟ وأي ثقة تُبنى في اقتصاد لا يعرف فيه المودع متى يسترد أمواله ولا بأي آلية ولا من يتحمل الكلفة النهائية؟ حماية صغار المودعين وصون الحقوق ومحاسبة المسيئين ليست شعبوية، بل شروط استعادة الثقة. أما إبقاء الملف رهنًا بالمساومات السياسية والمصرفية، فهو إطالة أمد الأزمة وتوسيع الهوة بين الدولة ومواطنيها.

 

**من الكهرباء إلى إعمار الجنوب… أين خطة الدولة؟**

 

تمنح المساعدات العربية والدولية لبنان فرصة لا يجوز التفريط بها. وقد أعلنت قطر، خلال زيارة رئيس حكومتها إلى بيروت يوم أمس، دعمًا لقطاع الكهرباء وإعادة إعمار الجنوب، إلى جانب مشاريع تعاون في الطاقة الشمسية ودعم الجيش اللبناني.

 

لكن المساعدات، على أهميتها، لا تعفي الحكومة من واجبها في تقديم خطة متكاملة بمواعيد محددة، ومشاريع قابلة للقياس، ورقابة تمنع الهدر وتضمن وصول الأموال إلى مستحقيها. فالكهرباء ليست ملفًا تقنيًا منفصلًا؛ إنها كلفة الإنتاج وقدرة المؤسسات على البقاء وجاذبية الاستثمار. وإعادة الإعمار ليست صورًا من مواقع متضررة تُصوَّر أمام الوفود، بل عملية وطنية تتطلب أولويات وتمويلًا شفافًا وتنسيقًا بين الدولة والبلديات والمجتمعات المحلية. وليس من المقبول أن يبقى لبنان متلقيًا ينتظر مبادرة من الخارج عند كل استحقاق، دون أن يثبت قدرته على إدارة ما بين يديه. فالدعم الخارجي يساعد على النهوض، لكنه لا يصنع إدارة رشيدة ولا يعوّض غياب القرار الوطني.

 

**السيادة ليست شعارًا… ولا تكون الدولة الحلقة الأضعف**

 

على المستوى السياسي والأمني، يواجه لبنان تحديًا لا يقل خطورة: كيف يحمي أرضه وشعبه أمام الاعتداءات الإسرائيلية، ويمنع في الوقت نفسه أن يتحول قراره الوطني إلى ساحة تنازع بين القوى الداخلية والحسابات الإقليمية؟

 

إن الموقف المقاوم للاعتداءات لا يتعارض مع المطالبة بدولة قوية، بل يفترضها. فحماية الجنوب، وعودة الأهالي إلى قراهم، وإعادة إعمار ما دمّرته الحرب، وصون الحدود، مسؤوليات وطنية لا يجوز أن تبقى معلقة بين الوعود والتجاذبات. لكن المقاومة بمعناها الوطني الشامل لا تُختصر في مواجهة عسكرية، وبناء الدولة لا يتحقق ببيانات رسمية: إنها معركة متكاملة من أجل الأرض والإنسان والاقتصاد والقرار المستقل. ولا يجوز أن يُطالَب اللبنانيون بمزيد من التضحيات دون أن يروا دولة تحميهم، وتؤمّن خدماتهم، وتدافع عن حقوقهم، وتضع مصلحة البلاد فوق حسابات الزعامات والمصالح.

 

**من بيروت إلى الإقليم… لا مكان لدولة متفرجة**

 

تتداخل أزمات لبنان مع صراعات المنطقة، من التوتر حول إيران ومضيق هرمز إلى مستقبل الأمن في الجنوب، وما يفرضه ذلك من مخاطر على الطاقة والتجارة والاستثمار. لا تستطيع بيروت عزل نفسها عن التطورات، لكنها تستطيع أن تقلّص هشاشتها بسياسة خارجية متوازنة، ومؤسسات فاعلة، واقتصاد أكثر صمودًا. أما استمرار الانقسام الداخلي وتأجيل الإصلاحات وإدارة الملفات الكبرى بمنطق التسويات المؤقتة، فيجعلان لبنان أضعف أمام الضغوط وأقل قدرة على الدفاع عن مصالحه. فالمجتمع الدولي لا يمنح ثقته على هامش خطاب، والصندوق لا يكتفي بتصريح النوايا، والمستثمر لا يغامر حيث يغيب الوضوح، والمواطن لا يستعيد ثقته بدولة تعجز عن تحديد مصير أمواله.

 

**الحكومة أمام امتحان النتائج**

 

لا نريد حكومة تتقن شرح أسباب الفشل أكثر مما تتقن صناعة النجاح، ولا سلطة تعدّ كل مطالبة بالمحاسبة استهدافًا وكل نقد محاولة للتعطيل. فالمحاسبة ليست خصومة، بل جوهر النظام الديمقراطي، والنقد في بلد بهذه الأزمة واجب وطني وإعلامي لا ترف.

 

المطلوب اليوم جدول زمني واضح للإصلاحات، وخطة عادلة للودائع والخسائر المالية، وإجراءات ملموسة للكهرباء والخدمات، وبرنامج جدي لإعادة إعمار المناطق المتضررة، وشفافية كاملة في إدارة الأموال والمساعدات. وقبل ذلك كله: مصارحة اللبنانيين بما تستطيع الحكومة إنجازه، وما تعجز عنه، ومن يتحمل مسؤولية التعطيل. فالدولة لا تُقاس بعدد اجتماعاتها ولا حجم وعودها، بل بقدرتها على حماية الناس، واستعادة الحقوق، وخلق الفرص، وتأمين الخدمات، ومحاسبة المقصرين.

 

إن لبنان لا يحتاج سلطة تدير الانهيار، بل دولة تواجه أسبابه. ولا يحتاج حكومة تطلب تفهّم عجزها، بل حكومة تثبت أنها قادرة على تغييره. من بيروت إلى الجنوب، ومن المؤسسات إلى البيوت التي أنهكها الانتظار، يبقى السؤال الذي لا يجوز تأجيله: إلى متى يدفع اللبنانيون ثمن انهيارهم، فيما تتأخر الحلول وتضيع المسؤوليات بين الدولة والمصارف والسياسة؟

 

في ICON NEWS، نؤمن بأن مقاومة العدوان لا تنفصل عن مقاومة الفساد والهدر والإفقار، وأن الدفاع عن الوطن لا يكتمل دون الدفاع عن كرامة مواطنيه وحقوقهم. فالوطن ليس حدودًا تُحمى فقط، بل حياة تُصان، وحقوق تُستعاد، ودولة على مستوى تضحيات شعبها.

 

الحقيقة مسؤولية في زمن الشائعات. والمحاسبة مسؤولية في زمن الانهيار.

 

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي