ايكون نيوز
التحالفات تتبدّل، والوجوه تتناوب، وبعض الرموز يعود من بابٍ إلى باب، لكن السؤال اللبناني الأصلي يبقى واحداً: هل للدولة اللبنانية الكلمة الأخيرة على أرضها، أم تبقى السيادة لقباً يُشيّد بمناسبة ويُهدم بمناسبة؟ ولم تكن عنجر في الذاكرة السياسية اللبنانية مجرد بلدة في البقاع، بل ممرّاً لمرحلة كاملة: مرحلة اتّسم فيها القرار بالاستثناء، وحُجبت فيها المؤسسات وراء مراكز نفوذ لا تشبه فلسفة الجمهورية، وكان مقرّ الاستخبارات السورية فيها عنواناً لعلاقة مختلّ أطرافها؛ السوري يقرّر، واللبناني يوافق، والدولة تُستَدعى لتصديق.
بعد عقدين على الانسحاب العسكري السوري عام 2005، عاد اسم “عنجر” إلى الوجدان اللبناني، ليس لأن التاريخ يعيد نفسه بالمعنى الحرفي، بل لأن السؤال الذي حملته لم يُحسم بعد: هل غادرت الوصاية فعلاً، أم أن بعض نكهاتها عادت بأدوات أقل ظهوراً وتحالفات أكثر تبدّلاً؟ الجديد الذي أفشى هذا السؤال هو الواقعة المبهمة التي سُجّلت في المنصورية، حيث اقتحام منزل المواطن السوري علي خليل إبراهيم، المعروف بـ”علي كيالي” و”معراج أورال”، ثم اقتياده إلى جهة مجهولة، ومن بعدها الإعلان السوري عن توقيفه أثناء محاولة عبور الحدود. وهنا تتشابك الروايات: رواية سورية تقول إن التوقيف حدث عند الحدود، وروايات لبنانية إعلامية تتحدث عن عملية اقتحام وخطف داخل الأراضي اللبنانية. وبين الروايتين بقيت المسافة بين التحقيق والاتهام واسعة، وعلى قدر تلك المسافة يُقاس شأن السيادة.
من هو الرجل الذي أعاد فتح الجرح؟ كيالي شخصية مثيرة للجدل في ذاكرة الحرب السورية، وارتبط اسمه باتهامات خطيرة في سياق أحداث البيضا وبانياس عام 2013، وأدوار مزعومة لمجموعات قاتلت إلى جانب النظام السوري السابق. وتستحق هذه الملفات المحاكمة والعدالة، لكن العدالة لا تولد من عملية مشتبه بها؛ فلا يُعالَج اشتباه كبير بخرق أكبر، ولا تتحقق الحقيقة إذا انتُزعت الدولة من المعادلة. السيادة ليست ميزة عاطفية تُمنح للطرف الذي نرضى عنه، ولا قيداً تعسفياً يُفرض على من نخاصمه؛ إنها قاعدة واحدة، تقيس التوقيف والتفتيش والتسليم والحماية، وتقيس أيضاً الحقيقة.
المقارنة بين عنجر والمنصورية، إذن، ليست مقارنة مكانين، بل اختبار مبدأ. عنجر كانت تجسيداً مركزياً للنفوذ المعلن: مرجعية أمنية خارج هرم الدولة تفرض إيقاع السياسة والملفات والتكليف والتحالف. أما المنصورية، إن ثبتت رواية الاقتحام والاقتياد، فتعبّر عن احتمال أخطر: أن تُنفّذ عملية عابرة للحدود وخطرة على الأمن والثقة العامة من دون مسار قضائي لبناني واضح. الفارق ليس فقط بين ماضٍ وحاضر، بل بين شكلٍ عسكري مباشر وبين أسلوبٍ قد يبحث عن دروب جانبية. ولا ينبغي أن يقودنا هذا إلى استنتاج جاهز؛ فالوصاية لا تُدان بالانتقال من 8 آذار إلى 14 آذار أو بالعكس، بل تُدان حين يُحرَم القانون من حصرية الحلول، وحين يتحول الخوف السياسي إلى صمت أو توظيف.
هذه النقطة بالذات تستدعي ضبط العاطفة: لا يصح، مهما اشتد الانقسام اللبناني القديم، أن نحوّل الوقائع إلى استحقاق معسكري. لبنان الذي عاش سنوات بين شعارين حملا تاريخ الثامن والرابع عشر من آذار، يعرف أن الاتهامات المتبادلة أنتجت مآزق لا مؤسسات. من رفع السيادة ذات يوم، لا يُقاس إخلاصه بشعاره القديم بل بموقفه حين تمس الحقيقة طرفاً قريباً منه؛ ومن رأى في النفوذ السوري يوماً حماية أو ضرورة، لا يغسل ذاكرته بمعارضة متأخرة، بل باعتماد المعيار نفسه: لا تنازلٌ لجهة، ولا صفقة خارج الدولة، ولا ملاحقة ناجزة من صفحة التاريخ على حساب صفحة القانون.
السيادة، في هذا المعنى، ليست انتصاراً لفريق على فريق؛ إنها انضباط يومي بالمؤسسات. فالدولة التي تطلب احترام قرارها من الخارج، تبدأ بأن تلزم الداخل بأن يمرّ كل شيء عبرها: التوقيف بأمر قضائي، والتسليم بمعاهدة أو مسار قانوني، والتعاون الأمني بآليات معلنة، والشكوك بتحقيق لا بإشاعة. وهذا لا يعني إعاقة العدالة، بل يعني أن العدالة إذا جاءت من طريق سري لا شبيهة لها بمفارقة الإفلات، لأن الفظاعة لا تبرر الخرق، والخطر لا يستدعي اختصاراً للقضاء، والحاجة الأمنية لا تعوّض غياب المحاسبة.
لذلك تبقى قضية المنصورية أبعد من هوية الرجل المقتاد؛ هي في عمقها سؤال دولة: كيف انتقل المطلوب؟ بأي تفويض؟ عبر أي معبر؟ وبعلم من؟ وإذا لم يكن هناك علم رسمي، فما الإجراءات التي تثبت أن الأراضي اللبنانية ليست منطقة مفتوحة للمغامرات الأمنية؟ وإذا كان هناك تنسيق، فمن واجبه الكشف عن قانونيته ليهدأ الرأي العام ويتبدد شك المؤامرة. الصمت، في مثل هذه الملفات، ليس حياداً؛ بل هو سماد للروايات المضادة، وطريق مضمون لأن يصبح الخبر يوماً هندسة رأي عام بدل كشف حقيقة.
لن تخرج المنصورية من عنجر، لأن عنجر ليست عنواناً جغرافياً فقط، بل مترادف للدولة المغيّبة. لكن الجدة المطلوبة هي أن تُفهم القضية بوصفها اختباراً للجميع لا هديةً لأحد: للدولة أن تكشف، وللقوى السياسية أن لا توظّف الجرح، وللإعلام أن لا يحوّل الشك إلى يقين، وللرأي العام أن يستعصي على الاصطفاف الأعمى. فالوصاية لا تحتاج دائماً إلى ضابط في مقرّ، ولا إلى جنود على جسر، وقد تكفيها هيبة النواقص: قضاء يتأخر، أجهزة تتردد، سياسيون يحسبون قبل أن يحكموا، وحدود تُقاس بالنوايا لا بالدليل.
ولعل العبرة الأخيرة أن سقوط نظام أو تبدل تحالف لا يصنعان سيادة بذاتهما. السيادة صنعة يومية: قانون يعلو، حقيقة تُكشف، مسؤول يُحاسَب، حق عابر للحدود يُؤمَّن، وحق داخل الحدود يُصان. وإن أرادت سوريا الجديدة علاقة طبيعية مع لبنان، فعليها أن تدرك أن الثقة تُبنى باحترام الإجراءات لا بتسجيل نقاط عابرة؛ وإن أراد لبنان إغلاق فصل عنجر، فعليه أن ينتقل من استدعاء الرمز إلى إدارة الدليل، ومن إحراج الخصم إلى حماية القاعدة.
الخلاصة: لم تعد القضية “من ورث عنجر”، بل هل ورث اللبنانيون دولة قادرة على أن تقول: هنا تبدأ السيادة وهنا لا ينتهي القانون. إن قيل ذلك على حقائق كاملة، يمكن أن تكون المنصورية بوابة لنهاية زمن الشك لا لإعادة إنتاجه. أما إن بقيت الحقيقة معلّقة بين رواية ورواية، فسيبقى لبنان حيث يعرفه التاريخ: يتبدل فيه الحلفاء، وتنقلب الشعارات، وتتكرر المآزق، بينما يدفع المواطن وحده ثمن اليقين الذي لا يأتي.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :