تعيش المنطقة الحدودية في جنوب لبنان اليوم واقعاً ميدانياً وإنسانياً غير مسبوق، تحوّل إلى بؤرة صراع مفتوحة على كل الاحتمالات. وبينما تتعدد القراءات السياسية لطبيعة ما يجري، يبرز انقسام حاد في مقاربة الأزمة وسبل الخروج منها، ما يعكس عمق المأزق الوطني اللبناني الذي تتشابك فيه دماء الشهداء بأسئلة المصير والسيادة، وتزداد تعقيداً بفعل شلل حكومي وعجز اقتصادي باتا يهددان مقومات صمود الدولة والمواطن على حد سواء.
تنطلق الرواية المهيمنة في أوساط محور المقاومة من اعتبار ما يجري على الحدود عدواناً هيكلياً مدروساً لا مجرد تصعيد عابر:
تفريغ الأرض وتغيير الجغرافيا: تشير المعطيات الميدانية إلى تحويل الشريط الحدودي إلى منطقة أمنية بعمق واسع، مع تدمير نحو 23 ألف منزل وتشريد زهاء 200 ألف مواطن، في خطة تهدف لتفريغ الجنوب من أهله وفرض أمر واقع جغرافي وديموغرافي قبل أي تسوية.
الابتزاز بالنار والتهجير: تُقرأ التهديدات الإسرائيلية المتتالية بتهجير الضاحية الجنوبية واستعادة لغة الإبادة الجماعية، بوصفها أدوات ابتزاز سياسي ترسم خطوط المنطقة بالدم، وتؤكد أن المطلوب إسرائيلياً ليس الردع بل الاستسلام.
ثنائية السلاح والإعمار: يرفض أنصار المحور المقايضة بين "الإعمار" و"نزع السلاح"، معتبرين أن الجنوب دُمّر بآلة العدوان الإسرائيلية، وأن التخلي عن عناصر القوة الدفاعية يعني دفع ثمن الإعمار من رصيد السيادة والاستقلال.
حادثة المنصورية وازدواجية المعايير: وفي هذا السياق، تطرح حادثة اختطاف الضابط السوري (علي كيالي / معراج أورال) من شقته السكنية في منطقة المنصورية المتنية وتكبيل أسرته واقتياده عبر الحدود، علامات استفهام كبرى يوجهها المحور لخصومه:
"أين هم دعاة السيادة وحصرية السلاح واحتكار الدولة للأمن من هذا الخرق الاستخباري الصارخ في قلب المتن؟ أم أن مفهوم السيادة يُمَارَس على قاعدة «الشمس والشتاء على سقف واحد»؛ فتُستنفر الأدبيات السيادية ضد سلاح المقاومة بوصفه خروجاً عن الدولة، بينما يُغضّ الطرف وتُصمت الآذان عن عمليات الاختطاف والانتهاكات الاستخبارية الأجنبية داخل العمق اللبناني؟"
وعلى المستوى الإقليمي والدولي، يرى هذا الخطاب أن المبادرات الإيرانية بالوساطة بين اليمن والسعودية تؤكد أن طهران تطرح الحوار مخرجاً لتهدئة المنطقة، وأن الرهان على البعثات الدولية أو الترتيبات الأجنبية لن يجدي نفعاً ما لم يضع حداً للعدوان الإسرائيلي المستمر ويضمن انسحاب الاحتلال كاملاً.
في المقابل، يرفع الفريق الآخر وحلفاؤه شعار "الدولة أولاً"، مسلطين الضوء على زوايا أخرى تهم المواطن اللبناني المنهك، وتتلخص في:
احتكار قرار الحرب والسلم: التأكيد على أن القرار الاستراتيجي يجب أن يكون حصراً بيد المؤسسات الدستورية الشرعية، لتجنب زج البلاد في صراعات إقليمية كبرى لا طاقة للبنانيين باحتمال أثمانها الباهظة.
الفاتورة الإنسانية والاقتصادية: التوقف مطولاً عند حجم خسائر المدنيين والدمار المادي، وطرح تساؤلات جادة حول الجدوى الاستراتيجية لهذه التضحيات في ظل غياب رؤية شاملة لبناء الدولة الاقتصادية والأمنية.
المرجعية القانونية والمؤسساتية: التركيز على أن المخرج الوحيد يكمن في بسط السلطة الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية، والتحقيق الشفاف في كل الشحنات والعمليات الأمنية، لتكريس مرجعية القانون وحدها.
وسط هذه المساجلات السياسية والميدانية المحتدمة، تبرز الحقيقة المرة التي يواجهها المواطن اللبناني يومياً: غياب الرؤية الحكومية وانعدام خطة الاستجابة للظروف الاقتصادية والأزماتية.
النزوح بلا شبكة أمان: يتجلى القصور الحكومي في العجز عن استيعاب أزمة أكثر من 200 ألف نازح جنوبي؛ حيث تفتقر الدولة إلى خطة إيواء وطنية متكاملة، تاركة أعباء استئجار الشقق، ورعاية المدارس والمستشفيات، وتأمين المواد الأساسية على كاهل المبادرات الفردية والجمعيات الأهلية والإغاثية.
نزيف القطاعات الإنتاجية: تسبب تجريف الأراضي الزراعية واستخدام الفسفور الأبيض في الجنوب، إلى جانب تعطل الموسم السياحي والتجاري والخدماتي في عموم لبنان، في خسائر بمليارات الدولارات تُضاف إلى هيكل الاقتصاد المتردي أصلاً منذ عام 2019، دون أن تطرح الحكومة أي برامج تعويض أو دعم للقطاعات المنكوبة.
الرهان العقيم على المساعدات الخارجية: تنتهج المعالجة الرسمية سياسة "إدارة الأزمة بالقطعة"، مكتفية بانتظار المؤتمرات الدولية والمساعدات المشروطة، دون إطلاق عملية إصلاحية هيكلية واحدة تُعيد الثقة بالنظام المالي وتوفر الحد الأدنى من التضامن الاجتماعي.
بعيداً عن التجاذب السياسي الحاد، يجد المواطن اللبناني نفسه اليوم ضحية معادلة ثلاثية الأبعاد: عدوان يلتهم الأرض في الجنوب، وخرق أمني يطال العمق في المتن، وشلل حكومي يُجهز على بقايا القدرة الشرائية والاستقرار المعيشي.
فلا يمكن الحديث عن إعادة إعمار حقيقية أو استقرار مستدام دون مواجهة هذه الأسئلة التلازمية: هل يمكن حماية الأرض دون دولة تمتلك خطة صمود اقتصادي حقيقية؟ وهل السيادة ورقة للمساجلة السياسية، أم هي كلٌّ لا يتجزأ يحمي الأمن والغذاء والكرامة في الجنوب والمتن والعاصمة على حد سواء؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :