كييف — تقرير خاص
في موقع إطلاق صاروخي تابع لنظام "باتريوت" في وسط أوكرانيا، يقف مهندس شاب أمام ستة عشر أنبوب إطلاق فارغة تماماً. لم يُطلق هذا الموقع أي صاروخ منذ أسابيع. يقول الرجل بصوت خافت: "كان من المحطّم أن أرى الصاروخ يمر فوق رأسي، وأنا أعلم أنني لا أملك شيئاً لأوقفه."
هذا المشهد ليس استثناءً، بل أصبح القاعدة. فوفقاً لتقارير نشرتها صحيفة "واشنطن بوست"، استنفدت أوكرانيا فعلياً مخزونها من صواريخ الاعتراض المتطورة PAC-3، ولم يتبقَّ لديها سوى عدد قليل جداً يُوزَّع "بالحصة" على مستوى البلاد.
انهيار الدفاع الجوي
يُعدّ نظام "باتريوت" العمود الفقري للدفاع الجوي الأوكراني، وهو النظام الوحيد القادر على اعتراض الصواريخ الباليستية الروسية الحديثة. لكن نفاد صواريخه يعني أن المدن الأوكرانية — بما فيها كييف — أصبحت شبه مكشوفة أمام الضربات الصاروخية.
وتقول مصادر عسكرية أوكرانية إن الرئيس فولوديمير زيلينسكي حذّر مراراً من أن بلاده تحصل على 1% فقط من صواريخ الاعتراض التي تحتاجها، مضيفاً أن أوكرانيا تحتاج إلى ما لا يقل عن 5% من المخزون الأمريكي لتجاوز فصل الشتاء المقبل.
والنتيجة مأساوية بالأرقام: أصبح يوليو 2026 الشهر الأكثر دموية للمدنيين الأوكرانيين منذ مايو 2022، بحسب بيانات الأمم المتحدة. وهذا الارتفاع الحاد في الضحايا ليس مفاجئاً — فهو العلامة المباشرة على انهيار الدرع الجوي.
لماذا نفدت الصواريخ؟
القصة لا تتعلق بأوكرانيا وحدها، بل بنظام دفاعي عالمي يعاني من ضغط غير مسبوق.
المعارك في الشرق الأوسط تستنزف المخزون
خلال الصراع الأخير بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، أطلقت دول الخليج في الأيام الأربعة الأولى وحدها ما متوسطه 225 صاروخ اعتراضي "باتريوت" يومياً. هذا الرقم وحده يتجاوز بكثير ما تنتجه المصانع الأمريكية في أشهر.
الإنتاج لا يواكب الاستهلاك
في عام 2025 بأكمله، أنتجت شركة "لوكهيد مارتن" نحو 620 صاروخ PAC-3 فقط، أي بمعدل 1.7 صاروخ في اليوم. ورغم أن البنتاغون وقّع اتفاقيات لرفع الإنتاج إلى 2000 صاروخ سنوياً بحلول 2030، فإن هذا لن ينقذ أوكرانيا هذا الشتاء.
الحلفاء يترددون
ضغطت واشنطن على حلفائها الأوروبيين لنقل مخزوناتهم من "باتريوت" إلى أوكرانيا، لكن عدة دول رفضت، خوفاً من إضعاف دفاعاتها الوطنية. كما تخشى كييف أن تحوّل واشنطن شحنات مخصصة لها نحو الشرق الأوسط.
كييف تبحث عن مخرج
تواجه أوكرانيا معادلة صعبة: كيف تدافع عن سمائها دون صواريخ؟
أولاً، طلبت كييف من حلفائها توفير 300 صاروخ اعتراضي بشكل عاجل من مخزوناتهم الحالية، مع التعهد بسدادها لاحقاً من الإنتاج الجديد. وقد تعهدت ألمانيا بتقديم عدد غير محدد من صواريخ PAC-2، بينما قدمت بريطانيا تمويلاً عبر مشروع للناتو.
ثانياً، اقترح زيلينسكي على شركتي "رايثيون" و"لوكهيد مارتن" إنشاء مصنع لإنتاج صواريخ "باتريوت" داخل أوكرانيا، مع منح الشركتين الأمريكية ملكية المصنع والسيطرة عليه. لكن مسؤولي البيت الأبيض أكدوا عدم اتخاذ قرار نهائي، بحجة حماية التقنية الأمريكية الحساسة.
ثالثاً، تعمل شركات أوكرانية محلية على تطوير صاروخ اعتراضي منخفض التكلفة باسم "FREYJA"، لكنه لم يُثبت بعد قدرته على اعتراض الصواريخ الباليستية في القتال الفعلي.
شتاء قاتم في الأفق
مع اقتراب فصل الشتاء، عادةً ما تشنّ روسيا حملات مكثفة على البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا. لكن هذا العام، لن تكون المشكلة في نقص الكهرباء فحسب، بل في القدرة على حماية السماء نفسها.
يقول مسؤول أوكراني رفيع المستوى، طلب عدم الكشف عن اسمه: "نحن لا نطلب المستحيل. نطلب فقط القدرة على الدفاع عن أنفسنا. لكن حتى هذا يبدو الآن بعيد المنال."
في ظل جمود الإنتاج، وتردد الحلفاء، واستمرار الاستنزاف في جبهات أخرى، يبدو أن أوكرانيا مقبلة على أشهر قاسية — ليس بسبب نقص الإرادة، بل بسبب نقص الصواريخ.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :