الغاز الأوروبي يشتعل قبل الشتاء... الأسعار تلامس ذروة أربع سنوات والمخزونات تثير القلق

الغاز الأوروبي يشتعل قبل الشتاء... الأسعار تلامس ذروة أربع سنوات والمخزونات تثير القلق

السوق الأوروبية تواجه اختباراً جديداً لأمن الطاقة: سعر الغاز يقارب 86 يورو للميغاواط/ساعة، والمخزونات دون مستوياتها المعتادة، فيما تتزايد المخاوف من اضطراب الإمدادات وارتفاع فاتورة الشتاء على الأسر والصناعات.

 

ايكون نيوز

14 أكتوبر 2026

 

تدخل أوروبا موسم الشتاء على وقع تصاعد الضغوط في سوق الغاز الطبيعي، مع اقتراب الأسعار من أعلى مستوياتها منذ أواخر عام 2022، وتراجع مخزونات الغاز عن المعدلات المعتادة لهذه الفترة من السنة، في مشهد يعيد إلى الواجهة هواجس أمن الطاقة وكلفة المعيشة والقدرة التنافسية للصناعة الأوروبية.

 

وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه الأسواق تداعيات التوترات الجيوسياسية واضطرابات إمدادات الغاز الطبيعي المسال، ولا سيما المخاوف المرتبطة بحركة الشحن عبر مضيق هرمز، بالتزامن مع استعداد الدول الأوروبية لارتفاع الطلب على التدفئة خلال الأشهر الباردة.

 

وبحسب بيانات السوق المتاحة في 14 تشرين الأول، بلغ السعر المرجعي الأوروبي للغاز نحو 86.18 يورو لكل ميغاواط/ساعة، بعدما اقترب في الجلسات السابقة من 87 يورو، وهو مستوى يعكس حجم الضغوط على السوق مع اقتراب موسم الاستهلاك المرتفع. وتشير البيانات إلى أن الأسعار ارتفعت بنحو 170% على أساس سنوي، وفق المؤشر الذي نشرته منصة «Trading Economics».

 

المخزونات الأوروبية عند 74%... أين تكمن المشكلة؟

 

تُظهر أحدث البيانات المتاحة لمنصة «Gas Infrastructure Europe» أن مخزونات الغاز في الاتحاد الأوروبي بلغت، عند الساعة السادسة صباحاً بالتوقيت الأوروبي في 13 تشرين الأول، نحو 836.77 تيراواط/ساعة، أي ما يعادل 74.04% من السعة التخزينية.

 

ورغم أن هذه الكميات تشكّل احتياطياً مهماً لتلبية الطلب، فإنها تبقى أدنى من المستويات المسجلة في الفترة نفسها من العام الماضي، ومن المتوسطات المعتادة قبل دخول الشتاء.

 

وتشير بيانات «Gas Infrastructure Europe» إلى أن المخزونات كانت تبلغ نحو 940 تيراواط/ساعة، أو قرابة 85 مليار متر مكعب، في الأول من تشرين الأول 2025، مقابل نحو 811 تيراواط/ساعة، أو 74 مليار متر مكعب، في التاريخ نفسه من عام 2026.

 

وتكمن أهمية هذه الأرقام في أن المخزونات ليست مجرد كميات احتياطية، بل تمثّل أداة أساسية لموازنة العرض والطلب خلال فترات الذروة، عندما يرتفع استهلاك المنازل والمصانع، ولا يمكن زيادة الإمدادات المستوردة بالسرعة نفسها.

 

وكلما انخفضت الكميات المخزنة عند بداية الموسم، ازدادت حساسية السوق لموجات البرد المفاجئة أو الأعطال في البنية التحتية أو تأخر وصول الشحنات، ما قد يترجم سريعاً إلى ارتفاعات إضافية في الأسعار.

 

لماذا ترتفع الأسعار رغم وجود الغاز في المخازن؟

 

لا يرتبط ارتفاع الأسعار بالضرورة بوجود نقص فعلي وفوري في الغاز، بل يتأثر أيضاً بتوقعات المتعاملين بشأن الإمدادات والطلب في الأسابيع والأشهر المقبلة.

 

فالسوق الأوروبية تعتمد على مزيج من الإنتاج المحلي والغاز المستورد عبر الأنابيب والغاز الطبيعي المسال الذي يصل بحراً. وعندما تتراجع المخزونات، تصبح أوروبا بحاجة إلى تأمين إمدادات إضافية لتلبية الاستهلاك وإعادة بناء الاحتياطيات.

 

وفي هذه الظروف، يمكن لأي اضطراب في مصدر رئيسي للإمدادات أن يدفع الأسعار إلى الارتفاع، حتى قبل ظهور نقص فعلي لدى المستهلكين.

 

كما أن المنافسة بين أوروبا وآسيا على شحنات الغاز الطبيعي المسال تزيد من تعقيد المشهد؛ إذ يمكن أن يؤدي ارتفاع الطلب في الأسواق الآسيوية إلى توجيه مزيد من الشحنات نحوها، ما يضطر المشترين الأوروبيين إلى تقديم أسعار أكثر جاذبية لاستقطاب الإمدادات المتاحة.

 

مضيق هرمز... عامل ضغط على سوق الغاز العالمية

 

تحتل التطورات في الشرق الأوسط موقعاً مؤثراً في حسابات أسواق الطاقة الأوروبية، مع استمرار المخاوف بشأن سلامة الملاحة وإمدادات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز.

 

وتزداد أهمية هذه المخاطر بسبب الدور الذي تؤديه قطر، أحد أبرز مصدّري الغاز الطبيعي المسال في العالم، في تزويد الأسواق الدولية. وأي اضطراب طويل الأمد في حركة الشحن أو الصادرات الخليجية قد يحدّ من الكميات المتاحة عالمياً، ويزيد المنافسة بين المشترين الأوروبيين والآسيويين.

 

ولا يعني ذلك أن كل شحنة تصل إلى أوروبا تمر عبر المضيق، أو أن جميع الإمدادات الأوروبية تعتمد على الخليج، بل إن التأثير يمتد إلى السوق العالمية بمجملها، من خلال تقليص المعروض المتاح ورفع كلفة الحصول على الشحنات البديلة.

 

وتحاول أوروبا الاستفادة من الإمدادات الأميركية ومصادر أخرى، لكن زيادة الواردات تحتاج إلى توافر الكميات المطلوبة وقدرات النقل والاستقبال، فضلاً عن أسعار تسمح للمشترين الأوروبيين بمنافسة بقية الأسواق.

 

هل تواجه أوروبا نقصاً حاداً خلال الشتاء؟

 

حتى الآن، لا تعني مستويات المخزون الحالية أن أوروبا تتجه حتماً إلى أزمة نقص حادة. فقد أكدت المفوضية الأوروبية، في بيان صدر في 8 تشرين الأول، أن منظومة الغاز في الاتحاد الأوروبي تتمتع بالمرونة اللازمة لتلبية الطلب خلال شتاء 2026-2027، رغم انخفاض مستويات التخزين عن المعدلات التاريخية.

 

واستند هذا التقييم إلى تنويع مصادر الإمداد، وتوسّع قدرة استقبال الغاز الطبيعي المسال، وانخفاض الطلب على الغاز مقارنة بمراحل سابقة.

 

لكن المفوضية شددت أيضاً على أهمية الحفاظ على مستويات مناسبة من المخزون خلال الموسم، تحسباً لموجات البرد المتأخرة أو الارتفاع المفاجئ في الاستهلاك، ولتسهيل إعادة ملء المخازن خلال صيف 2027.

 

وعليه، فإن الخطر الأكثر وضوحاً في المرحلة الراهنة لا يتمثل في انقطاع واسع ووشيك للإمدادات، بل في ارتفاع الأسعار وتزايد الكلفة التي ستتحملها الأسر والشركات، خصوصاً إذا تزامن شتاء قاسٍ مع اضطرابات جديدة في الإمدادات العالمية.

 

ألمانيا تتحرك لإنشاء احتياطي طارئ

 

وفي مؤشر إلى تنامي الاهتمام بأمن الطاقة، أفادت وكالة «رويترز» في 13 تشرين الأول بأن ألمانيا تدرس إنشاء احتياطي وطني طارئ للغاز، بقدرة تبلغ 24 تيراواط/ساعة، لتغطية نحو 30 يوماً من تعطل أكبر بنية تحتية لاستيراد الغاز في البلاد.

 

وبحسب مسودة مشروع قانون اطلعت عليها الوكالة، قد تصل كلفة المشروع إلى 3.08 مليارات يورو على مدى عشر سنوات، مع بحث تمويله من خلال رسم سنوي على الأسر يصل إلى 7.20 يورو.

 

ولا تزال هذه الخطوة في إطار مشروع قيد الدراسة، لكنها تعكس توجهاً نحو تعزيز الاحتياطات الاستراتيجية في مواجهة مخاطر تعطل البنية التحتية أو وقوع اضطرابات كبيرة في الإمدادات.

 

فاتورة الطاقة... التحدي الأكبر للأسر والصناعة

 

تنعكس تقلبات أسعار الغاز على قطاعات واسعة من الاقتصاد الأوروبي، بدءاً من إنتاج الكهرباء والتدفئة، وصولاً إلى الصناعات التي تعتمد على الغاز مادةً أولية أو مصدراً أساسياً للطاقة.

 

وتواجه الصناعات الكيميائية والأسمدة والمعادن، على وجه الخصوص، تحدياً إضافياً عندما ترتفع أسعار الطاقة، لأن زيادة كلفة الإنتاج قد تقلّص هوامش الأرباح وتضعف القدرة على المنافسة مع منتجين في أسواق تتمتع بطاقة أرخص.

 

أما بالنسبة إلى الأسر، فقد لا تظهر آثار ارتفاع الأسعار بصورة فورية في جميع البلدان، إذ يعتمد انتقالها إلى الفواتير على آليات التسعير المحلية والعقود والدعم الحكومي. لكن استمرار الأسعار المرتفعة يهدد بزيادة الأعباء عند تجديد العقود أو تعديل التعرفات.

 

وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ظل سعي الحكومات الأوروبية إلى احتواء التضخم وحماية القدرة الشرائية، من دون العودة إلى برامج الدعم الواسعة التي أثقلت الموازنات العامة خلال أزمة الطاقة السابقة.

 

أزمة قد تمتد إلى ما بعد الشتاء

 

لا يتوقف التحدي عند تأمين الغاز خلال الأشهر الباردة. فأوروبا تحتاج بعد انتهاء الشتاء إلى إعادة بناء مخزوناتها استعداداً للموسم التالي، وهو ما قد يبقي الطلب على الغاز مرتفعاً حتى مع تراجع الاستهلاك المرتبط بالتدفئة.

 

وحذّرت «رويترز» في تقرير نشرته في 12 تشرين الأول من أن الأسر والصناعات الأوروبية قد تواجه عاماً آخر من أسعار الغاز المرتفعة، حتى في حال انحسار الحرب في إيران واعتدال الطقس، بسبب الحاجة إلى إعادة ملء المخزونات التي استُنزفت خلال الفترة الماضية.

 

وهذا يعني أن عودة الأسعار إلى مستويات أكثر اعتدالاً لا تتوقف على عامل واحد، بل تحتاج إلى تحسن مستدام في الإمدادات، وتراجع المخاطر الجيوسياسية، وتوازن أفضل بين العرض والطلب، إلى جانب ظروف مناخية لا تدفع الاستهلاك إلى مستويات استثنائية.

 

ثلاثة سيناريوهات تحدد مسار السوق

 

تبدو السوق الأوروبية أمام ثلاثة مسارات محتملة خلال الأشهر المقبلة:

 

- السيناريو الأول: شتاء معتدل وإمدادات مستقرة. في هذه الحالة، قد تتمكن أوروبا من تجاوز الموسم من دون نقص حاد، مع احتمال تراجع الضغوط على الأسعار تدريجياً.

 

- السيناريو الثاني: برد قاسٍ مع استمرار اضطرابات الإمدادات. سيؤدي ارتفاع الطلب بالتزامن مع محدودية الشحنات إلى زيادة السحب من المخزونات، ما قد يرفع الأسعار ويزيد المنافسة بين المشترين.

 

- السيناريو الثالث: تحسن الطقس مع استمرار المخاطر الجيوسياسية. قد يخفّ الضغط على الاستهلاك، لكن المخاوف المرتبطة بالإمدادات وإعادة ملء المخزونات قد تمنع الأسعار من العودة سريعاً إلى مستوياتها السابقة.

 

وتبقى هذه السيناريوهات احتمالات مشروطة بتطورات السوق والطقس، وليست توقعات مؤكدة لمسار الأسعار.

 

الخلاصة: أوروبا تملك الغاز... لكن بكلفة أعلى

 

تكشف المؤشرات المتاحة في 14 تشرين الأول 2026 عن سوق أوروبية تدخل الشتاء بهامش أمان أضيق من المعتاد، وأسعار مرتفعة، وحاجة متزايدة إلى استيراد الغاز وإعادة بناء الاحتياطيات.

 

ومع أن المفوضية الأوروبية ترى أن منظومة الإمدادات قادرة على تلبية الطلب، فإن استمرار الاضطرابات الجيوسياسية أو اشتداد البرد قد يرفع الكلفة ويزيد الضغط على الأسر والصناعات.

 

لذلك، لن يكون الاختبار الأوروبي هذا الشتاء مجرد تأمين كميات كافية من الغاز، بل تأمينها بأسعار يمكن للاقتصادات والمستهلكين تحمّلها، مع الحفاظ على مخزونات تسمح للقارة بتجنب أزمة جديدة في الموسم التالي.

 

المصادر الأساسية: المفوضية الأوروبية، و«Gas Infrastructure Europe»، ووكالة «رويترز»، وبيانات السوق المرجعية الأوروبية للغاز المنشورة حتى 14 تشرين الأول 2026.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي