ليس الانهيار الاقتصادي اللبناني مجرد أزمة مالية عابرة، بل هو تفكك لنموذج كامل قام على تدفق رؤوس الأموال وتوزيع الريع بدل توليد القيمة. لعقود اعتمد الاقتصاد على الودائع المصرفية والتحويلات والقطاع العقاري والخدمات، فيما تراجعت الزراعة والصناعة إلى هامش ضيق. وحين توقف تدفق الدولار، لم يكن أمام البلد سوى أن يكتشف أنه لا يملك ما يكفي من الإنتاج ليعيش عليه.
لكن الانهيار يحمل في طياته سؤالاً أعمق من الخسارة: هل يملك لبنان القدرة على إعادة بناء اقتصاد إنتاجي؟ الجواب يتطلب الاعتراف بأن الاقتصاد النقدي الذي ساد لعقود لم يترك وراءه بنية صناعية قادرة على الصمود. فالمصانع الصغيرة أغلقت أو هاجرت، والمزارع فقدت أسواقها بسبب الكلفة والمنافسة، والشركات الناشئة تواجه بيئة تمويلية شبه معدومة. وما بقي من الإنتاج المحلي هو جزر متفرقة من الإبداع، لا منظومة متكاملة.
وهنا تبرز التجارب الإقليمية والدولية كمرايا للتفكير. فالدول الصغيرة التي نجحت في تنويع اقتصاداتها لم تفعل ذلك عبر الإعانات وحدها، بل عبر سياسات صناعية واضحة، واستثمار في التعليم المهني، وتسهيل تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وحماية الإنتاج الوطني في مراحل التأسيس. وفي المقابل، فإن الاقتصاد الذي يعتمد على الاستهلاك المستورد يبقى رهينة لسعر الصرف وتقلبات الأسواق.
إن إعادة الإعمار الاقتصادي لا تبدأ من الأرقام الكبرى، بل من أسئلة صغيرة وعملية: كيف يحصل صاحب مشروع زراعي على قرض بشروط معقولة؟ كيف تصل منتجات القرى إلى الأسواق المدينية بكلفة منخفضة؟ كيف يُحمى الشاب الذي يبتكر تطبيقاً أو منتجاً غذائياً من الانهيار قبل أن يكبر؟ هذه الأسئلة هي التي تصنع الاقتصاد الحقيقي، لا البيانات الكلية وحدها.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :