يستورد لبنان كميات أقل من الطاقة، لكنه يدفع لقاءها أموالاً أكثر. مفارقة يكشفها تقرير البنك الدولي لشهر تشرين الأول 2026، وتختصر جانباً من الأزمة المعيشية: تراجع الكميات لا يعني تراجع الفاتورة، فيما تزداد كلفة تأمين الكهرباء على الأسر.
بحسب التقرير، بلغت قيمة واردات الطاقة ثلاثة مليارات دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري، بارتفاع 9% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، رغم انخفاض الكميات المستوردة بنسبة 31%. وتتعلق هذه الأرقام بواردات الطاقة إجمالاً، ولا تمثّل مشتريات مؤسسة كهرباء لبنان وحدها.
ويضع البنك الدولي ارتفاع الكلفة في سياق اضطراب سلاسل الإمداد وزيادة أسعار النفط والشحن والتأمين. كما يشير إلى أن خفض إنتاج كهرباء لبنان المعتمد على الوقود يدفع الأسر إلى تحمّل زيادات حادة في أسعار كهرباء المولدات، بما يضعف قدرتها الشرائية ويعمّق أزمة المعيشة.
وتظهر انعكاسات هذه الضغوط في الأسعار أيضاً. ففي حزيران، ارتفعت مجموعة المياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى ضمن مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 25.3% على أساس سنوي، فيما ارتفعت أسعار النقل 29.5%. وهذه نسب تخصّ مجموعات إنفاق واسعة، ولا تعني أن فاتورة الكهرباء لكل منزل زادت بالنسبة نفسها.
الدلالة الاقتصادية لهذه الأرقام أن خفض الاستيراد، بمفرده، لا يحمي لبنان من الصدمات الخارجية. فعندما ترتفع كلفة الطاقة الوافدة، تصبح القدرة على توفير كهرباء عامة منتظمة وتقليل الاعتماد على البدائل المكلفة مسألة حماية اجتماعية، إلى جانب كونها ملفاً تقنياً ومالياً.
ولا تكفي مقارنة قيمة المستوردات بكمياتها لإثبات هدر أو تحميل جهة بعينها مسؤولية الفارق؛ ذلك يحتاج إلى بيانات تفصيلية عن أنواع الوقود وأسعار الشراء وشروط العقود. لكنها تبرّر مطالبة واضحة بنشر هذه البيانات، وربط الإنفاق على الطاقة بنتائج قابلة للقياس في التغذية والكلفة.
المواطن لا يقيس نجاح سياسة الكهرباء بحجم الأموال المدفوعة، بل بساعات التغذية التي تصله وما يبقى من دخله بعد تسديد الفواتير. وحين يدفع البلد أكثر مقابل كميات أقل، يصبح السؤال الملحّ: ما الإجراءات التي تحمي الناس من انتقال كل زيادة في الكلفة إلى جيوبهم؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :