انخفض معدل الوفيات المسجّل في الكوارث، فيما ارتفع معدل المتضررين. مفارقة تكشفها بيانات الأمم المتحدة، وتطرح سؤالاً يتجاوز النجاة المباشرة: كيف يواصل الناس حياتهم بعدما يخسرون منازلهم ومصادر رزقهم؟
وفي بيان صدر في 13 تشرين الأول، أعلن مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث أن السكن يمثّل 43% من الخسائر الاقتصادية المباشرة التي أبلغت عنها الدول عبر آلية متابعة إطار سنداي. ودعا إلى تعزيز سلامة المنازل، بدءاً من اختيار مواقع البناء ومعاييره، وصولاً إلى استعداد الأسر وقدرتها على التعافي.
وتكشف بيانات تقرير أهداف التنمية المستدامة لعام 2026 حجم المفارقة. فقد انخفض معدل الوفيات المرتبطة بالكوارث من 2.11 إلى 0.75 وفاة لكل مئة ألف نسمة، عند مقارنة الفترة 2005–2014 بالفترة 2015–2024، أي بتراجع يقارب 65%، مع استبعاد الوفيات المرتبطة بكوفيد. أما متوسط العدد السنوي للوفيات فانخفض بنسبة 53%.
في المقابل، ارتفع معدل الأشخاص المتضررين من 1199 إلى 2445 شخصاً لكل مئة ألف نسمة، أي أكثر من الضعف. وهذه مقارنة بين فترتين تمتدّ كل منهما عشر سنوات، وليست حصيلة كوارث عام 2026 وحده. ويشير التقرير إلى أن تحسّن الاستعداد وأنظمة الإنذار المبكر ساعد على إنقاذ الأرواح، بينما يستمر اتّساع التعرّض للمخاطر.
وتوضح تقديرات أخرى حجم الخطر على المنازل. إذ يقدّر النموذج العالمي لمخاطر البنية التحتية ومؤشر القدرة على الصمود متوسط الخسائر السنوية المتوقعة في المباني السكنية بنحو 228 مليار دولار، نتيجة الأعاصير والفيضانات والتسونامي والزلازل، بما يعادل قرابة 53% من مجمل خسائر المباني المتوقعة.
هذا المبلغ تقدير ناتج عن النمذجة، وليس فاتورة أضرار مسجّلة خلال سنة محدّدة. كذلك، تختلف نسبة 53% الخاصة بخسائر المباني المتوقعة عن نسبة 43% التي تعبّر عن حصة السكن من الخسائر الاقتصادية المباشرة المُبلّغ عنها.
خلف الأرقام، تبدأ معاناة قد تستمر طويلاً بعد انحسار المياه أو انتهاء الهزّة. فقد تنجو أسرة، لكنها تجد منزلها غير صالح للسكن، ومدّخراتها مستنزفة، وعملها متوقفاً. وتصبح العودة إلى الحياة الطبيعية مهمة شاقة، خصوصاً لمن لا يملكون الموارد اللازمة للإصلاح أو الانتقال إلى مكان آمن.
ويؤكد المكتب الأممي أن الإنذار الفعّال يتطلّب سلسلة مترابطة: معرفة بالمخاطر، ورصداً وتوقّعاً، وتحذيراً يصل إلى الناس ويفهمونه، واستعداداً يتيح لهم التحرك. وتكتسب هذه المنظومة قيمتها حين تقود إلى إجراءات مبكرة تحمي الأرواح والممتلكات ومصادر العيش.
وفي لبنان، تفتح هذه المعطيات نقاشاً عملياً حول سلامة الأبنية، وتصريف مياه الأمطار، وصيانة البنى التحتية، وقدرة البلديات على الاستجابة. وهي ملفات تحتاج إلى تقييم محلي واضح، من دون إسقاط النسب العالمية على الواقع اللبناني.
إنقاذ الأرواح هو الإنجاز الأول. وتكتمل الحماية حين يجد الناجون بيتاً يعودون إليه، وخدمات تعمل، ومصدراً للرزق يتيح لهم البدء من جديد.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :