الصين بين رعاية التسويات وامتحان النفوذ… هل تستطيع كسر جدار الأزمة الأميركية–الإيرانية؟

الصين بين رعاية التسويات وامتحان النفوذ… هل تستطيع كسر جدار الأزمة الأميركية–الإيرانية؟

د. رشا أبو حيدر

لم تعد الصين قوة اقتصادية تسعى إلى توسيع أسواقها فحسب، بل أصبحت لاعبًا دبلوماسيًا يطمح إلى تعزيز حضوره في الملفات الدولية المعقدة. ومع استمرار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، يبرز سؤال جوهري: هل تستطيع بكين توظيف نفوذها لدى طهران وعلاقاتها مع واشنطن للمساهمة في تسوية النزاع، كما فعلت في الاتفاق السعودي–الإيراني عام 2023؟

في العاشر من آذار 2023، أعلنت السعودية وإيران، برعاية صينية، اتفاق استئناف العلاقات الدبلوماسية بينهما. ولم تكن بكين صاحبة المسار التفاوضي الوحيد، إذ سبقت الاتفاق جولات حوار استضافتها العراق وسلطنة عُمان، لكنها وفّرت مظلة سياسية ساعدت على تحويل التقارب إلى اتفاق معلن. وقد أثبتت التجربة أن النفوذ الدبلوماسي يستطيع تهيئة الظروف للتسوية، لكنه لا يغني عن استعداد الأطراف لها.

غير أن نقل هذه التجربة إلى النزاع الأميركي–الإيراني أكثر تعقيدًا؛ فالأزمة تتجاوز العلاقات الدبلوماسية لتشمل البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الاقتصادية، والأمن الإقليمي، والقدرات العسكرية، وحرية الملاحة في مضيق هرمز. وهي ملفات تتشابك فيها حسابات الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية، ما يجعل التسوية أصعب من الاتفاق السعودي–الإيراني.

تسعى بكين إلى خفض التصعيد والعودة إلى الحوار، بالتوازي مع التنسيق مع باكستان التي تؤدي دورًا في تيسير الاتصالات والمفاوضات. لكن الدعوة إلى التفاوض لا تعني أن الصين أصبحت الوسيط الوحيد أو أنها نجحت في انتزاع تنازلات من واشنطن وطهران. ففاعلية الوساطة لا تُقاس بعدد الاتصالات، بل بقدرتها على تحويلها إلى التزامات متبادلة قابلة للتنفيذ.

تمتلك الصين أوراق تأثير مهمة؛ فهي من أبرز مشتري النفط الإيراني، وترتبط بطهران بعلاقات اقتصادية وسياسية، فيما تحافظ على مصالح تجارية واسعة مع الولايات المتحدة ودول الخليج. وتتيح لها هذه المواقع تشجيع الحوار وتوفير حوافز للتهدئة، لكنها لا تمنحها القدرة على التحكم بقرارات الأطراف.

وهنا يبرز التحدي الأكبر: التأثير في القرار الأميركي. فالتبادل التجاري وتشابك سلاسل الإمداد والمصالح الاقتصادية قد تدفع واشنطن وبكين إلى تجنب التصعيد، لكن الولايات المتحدة تمتلك أدوات ضغط واسعة، تشمل العقوبات المالية والثانوية ونفوذ الدولار. لذلك، لا يضمن الترابط الاقتصادي تغيير الموقف الأميركي من إيران، كما لا تستطيع بكين فرض خياراتها على الإدارة الأميركية.

وتكمن المفارقة في أن الصين تسعى إلى ترسيخ مكانتها قوةً دولية قادرة على إدارة الأزمات، لكنها تحرص في الوقت نفسه على حماية مصالحها وتجنّب الانجرار إلى مواجهة مفتوحة. فعلاقاتها بطهران لا تعني استعدادها لتحمّل كلفة الصراع دفاعًا عنها، مثلما لا تمنحها مصالحها مع واشنطن القدرة على إملاء شروط التسوية. وقد يكون دورها الأكثر واقعية هو رفع الكلفة السياسية والاقتصادية لاستمرار المواجهة، وتشجيع الطرفين على تفضيل التفاوض على التصعيد.

ويكتسب هذا الدور أهمية إضافية بسبب مضيق هرمز، الشريان الحيوي لتجارة الطاقة العالمية. فأي اضطراب طويل في الملاحة يهدد إمدادات النفط ويرفع تكاليف النقل، ويضر بالاقتصاد العالمي، بما فيه الاقتصاد الصيني. ومن هنا، لا يرتبط سعي بكين إلى التهدئة بطموحها الدبلوماسي وحده، بل بمصالحها المباشرة في أمن الطاقة واستقرار التجارة.

لكن أي وساطة تحتاج إلى إرادة سياسية لدى الطرفين، والتزامات واضحة قابلة للتحقق، وضمانات تحدّ من تجدد المواجهة. فالتسوية المستدامة لا ينبغي أن تقتصر على هدنة مؤقتة، بل أن تعالج أسباب النزاع، وتأخذ في الاعتبار الأمن الإقليمي واحترام القانون الدولي وحرية الملاحة.

تستطيع الصين فتح نافذة للحوار وتهيئة شروط التسوية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل إرادة واشنطن وطهران. فبين رعاية اتفاق إقليمي وتسوية نزاع دولي بالغ التعقيد، مسافة لا يختصرها النفوذ وحده. القوة الحقيقية للوسيط لا تُقاس بقدرته على جمع الخصوم حول الطاولة، بل بقدرته على جعل الاتفاق أقل كلفة من استمرار الصراع.

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي