د. رشا أبو حيدر
حين تعجز الدولة عن تمويل مرفق عام أساسي، يصبح الاستعانة بالقطاع الخاص خياراً مشروعاً ومفهوماً. لكن بين الشراكة مع القطاع الخاص والتخلّي عن مسؤولية الدولة مسافة قانونية ومالية لا يجوز تجاوزها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالكهرباء، وهي خدمة أساسية لا يستطيع المواطن الاستغناء عنها ولا يجوز للدولة التعامل معها كأي مشروع استثماري عادي.
من هنا، فإن طرح نظام الـBOT لمعالجة أزمة الكهرباء في لبنان لا ينبغي أن يُختزل في سؤال: هل يملك القطاع الخاص المال والخبرة لإنقاذ هذا القطاع؟ بل في سؤال أكثر أهمية: بأي شروط سيدخل، ومن سيتحمّل كلفة هذه الشراكة في النهاية؟
فالـBOT يسمح للقطاع الخاص بتمويل المشروع وإنشائه وتشغيله لفترة محددة، على أن تعود ملكيته إلى الدولة وفق الشروط المتفق عليها. وهو نموذج يمكن أن يخفف العبء المباشر عن الخزينة ويتيح تنفيذ مشاريع قد تعجز الدولة عن تمويلها منفردة.
لكن نجاح هذا النموذج لا يقاس فقط بإنجاز المعمل أو تأمين الكهرباء، بل بشروط العقد الذي يحكم العلاقة بين الدولة والمستثمر.
من يحدد التعرفة؟ كيف يُحتسب ربح المستثمر؟ من يتحمّل ارتفاع كلفة الوقود؟ ماذا يحدث عند تغيّر سعر الصرف؟ هل تقدّم الدولة ضمانات مالية؟ وما حدود هذه الضمانات؟ ومن يتحمّل الخسائر إذا تراجعت قدرة مؤسسة كهرباء لبنان على الدفع؟ وما هي آليات الرقابة والمحاسبة؟ وماذا يحدث إذا أخل المستثمر بالتزاماته؟ والأهم: ماذا تستعيد الدولة فعلياً عند انتهاء مدة العقد؟
هذه الأسئلة ليست تفاصيل تفاوضية ثانوية، بل هي التي تحدد ما إذا كان الـBOT سيشكّل شراكة حقيقية أم التزاماً مالياً طويل الأمد.
فالخطر لا يكمن فقط في أن تكون التعرفة مرتفعة، وإنما في أن تُصمم الاتفاقية بطريقة تجعل الدولة تتحمّل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مخاطر المشروع الذي يفترض أن يموّله القطاع الخاص. فإذا ضمنت الدولة للمستثمر حدّاً أدنى من العائد، أو التزمت بشراء كمية معينة من الطاقة، أو قدمت ضمانات واسعة لتسديد المستحقات، فقد تنتقل المخاطر في النهاية إلى الخزينة.
وعندها يصبح المواطن الطرف الأكثر تعرّضاً للنتائج: يدفع فاتورة الكهرباء، وقد يدفع أيضاً ثمن العقد من خلال الخزينة أو الضرائب أو ارتفاع التعرفة.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: الدولة تفاوض، والمستثمر يستثمر، لكن المواطن قد يتحمّل كلفة ما اتُّفق عليه.
لذلك، لا تكمن المشكلة في دخول القطاع الخاص إلى قطاع الكهرباء. فالقطاع الخاص يمكن أن يكون شريكاً في التمويل والإدارة والخبرة، لكن حماية المصلحة العامة تبقى مسؤولية الدولة. وهذه المسؤولية لا تنتقل بمجرد توقيع عقد مع شركة خاصة.
بل إن الدولة، قبل توقيع أي عقد طويل الأمد، تحتاج إلى قدرة تفاوضية وقانونية تضمن عدم اختلال التوازن بين الطرفين. فالعقد الذي يبدو مريحاً للخزينة اليوم قد يتحوّل، بعد سنوات، إلى عبء يصعب تعديله إذا كانت شروطه جامدة أو إذا تضمنت التزامات وضمانات واسعة للمستثمر.
كما أن مدة العقد ليست مسألة شكلية. فكلما طال أمده، ازدادت أهمية تضمين آليات واضحة لمراجعة التعرفة، ومعالجة تغيّر الظروف الاقتصادية، وضبط الأرباح، ومراقبة الأداء، وإنهاء العقد عند الإخلال الجسيم، من دون تحويل الدولة إلى طرف عاجز عن حماية المصلحة العامة.
ولذلك، فإن حاجة لبنان إلى الكهرباء لا تبرر الاستعجال في توقيع أي عقد. الحاجة الملحّة يجب أن تدفع إلى الإسراع في الحل، لا إلى التسرّع في الالتزام.اخبار لبنان
إذا كان الـBOT هو الخيار المطروح، فالمطلوب أولاً شفافية كاملة في العقد، ومنافسة حقيقية في اختيار المستثمر، ورقابة مستقلة وفعالة، وتوزيع واضح للمخاطر، وضمان ألا يتحوّل أي تعثّر في المشروع إلى دين جديد على الدولة أو كلفة إضافية على المواطن.
فالدولة قد لا تملك اليوم القدرة المالية على بناء معامل الكهرباء وحدها، لكن عليها أن تملك القدرة القانونية والتفاوضية على حماية المال العام والمصلحة العامة.
المطلوب ليس أن تخرج الدولة من قطاع الكهرباء، بل أن تدخل الشراكة مع القطاع الخاص وهي تملك شروطها؛ لأن الكهرباء قد تُنتجها الشركات، لكن حماية المواطن لا يستطيع أن يقوم بها إلّا الدولة.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :