من أجل النهضة… ارحلوا.. مناشدة من قلب الوجع القومي

 من أجل النهضة… ارحلوا..   مناشدة من قلب الوجع القومي

كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز

إلى الرؤساء الخمسة، وإلى كل من يحمل مسؤولية في هذا الانقسام: هذه مناشدةٌ من وجعٍ قوميّ يرى رفقته موزّعة، وطاقاته مستنزَفة، وحزبه الذي أراده أداةً للنهوض مُثقَلاً بالخلاف على قيادته.

وجعٌ في القلب لا في الرأي

في حياة كل أمة لحظةٌ تُقاس فيها المحبّة بالتنازل، ويُقاس الفكر بالعمل، ويُقاس القسم بما يُفعَل به. ونحن اليوم في تلك اللحظة، لا في لحظة خصومة. الرفقة التي جمعها سعاده على غايةٍ تتجاوز مصالحها، صارت تُقاس بخرائط ولاءات، ويُسأل الرفيق عن الجهة التي ينتمي إليها قبل أن يُسأل عمّا يقدّمه لقضيته. هذا هو الجرح، لا الخلاف في ذاته. فالخلاف ميراث العقل الحرّ، ومَن لا يختلف لا يفكّر. لكن أن يصير الخلاف هويةً وإدارةً وشرعيةً متنازعة، فذلك مرضٌ في الجسد القومي، لا رأيٌ في مسألة.

تعب القوميون. تعبوا من السؤال عن الجهة قبل السؤال عن القضية، ومن توزّع العلاقات التي صنعها عمرٌ من النضال، ومن تحوّل الاختلاف إلى مسافة بين بيتين، ثم بين مديريتين، ثم بين رفاق كانوا يوماً يجدون في بعضهم سنداً. وتعبوا، قبل ذلك كله، من أن يجدوا في داخلهم ما يشبه أعداءهم في الخارج: تفرّقاً يُفرح مَن يتربّص بالأمة، وضجيجاً يُغطّي على صوت الرسالة.

 النهضة واحدة… فكيف تتعدّد الرئاسات؟

كيف نقبل أن تتعدد الرئاسات فيما النهضة واحدة؟ كيف نطلب من الرفيق أن يثق بالمؤسسة ثم نضعه أمام مرجعيات متنافسة، لكل منها خطابها وتسلسلها الإداري وقراءتها للشرعية؟ وأي طاقةٍ تبقى لمواجهة أخطار الأمة بعد أن نُنفقها في تفسير خلافاتنا والدفاع عن حدودها؟

الوحدة في فكر سعاده ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل مبدأُ قيام. الأمة عنده كائنٌ حيّ له إرادةٌ واحدة ورسالةٌ واحدة ومصلحةٌ عليا فوق كل مصلحة؛ فإذا تفرّقت الإرادة تفرّق الكائن، وإذا تعدّدت المرجعية تعدّدت الأمة في وعي أبنائها. وفي كل يومٍ نؤجّل فيه هذه المعالجة، نُعلّم جيلاً جديداً أن الحزب بيتٌ للخصومات لا مدرسةٌ للنهضة، وأن الانتماء إليه بابٌ إلى الحيرة لا إلى الرسالة.

 الذين انسحبوا بصمت

ومنهم من انسحب بصمت، حاملاً قسمه في قلبه. أغلق باب العمل، لكنه أبقى صورة سعاده في بيته، وذكريات رفقائه في وجدانه. ينتظر علامةً تقنعه بأن ما أحبّه يمكن أن يستعيد حياته، وأن العودة ستفتح له مجالاً للفعل، وتحفظ حقه في الرأي والاعتراض.

هؤلاء أمانة في أعناقكم. وكل رفيقٍ استنزفه الانقسام خسارةٌ يجب أن تشعر بها القيادة قبل أن تطلب منه تجديد ثقته بها. لم يرحلوا عن العقيدة، بل عن مرارةٍ لم يجدوا لها دواءً. وعودتهم ليست منّةً تُمنَح، بل دَينٌ يُوفَّى. وفي كل بابٍ أُغلق بالإهمال، وفي كل رفيقٍ خرج من دون أن يسأل أحدٌ عن سبب خروجه، خسارةٌ لا تُعوَّض بالبيانات.

 ذاكرة اليوم الأول

يا أصحاب المسؤولية، اجلسوا مرةً واحدة بذاكرة الرفيق الذي كنتموه يوم دخلتم الحزب. تذكّروا الحماس الأول، والفرح بمعرفةٍ تحمل معنى لحياة الأمة، والاعتزاز برفقةٍ تجمع أبناءها على غايةٍ تتجاوز مصالحهم. ثم اسألوا أنفسكم: ماذا بقي من ذلك في واقعنا؟ وما الذي تستطيعون فعله الآن كي يعود؟

القسم الذي أدّيتموه لم يكن عقداً على موقع، بل عهداً على رسالة. والرسالة لا تحتاج إلى من يجلس في الصدر، بل إلى من يصون لها بيتها. وقد يكون أصعب قرارٍ على المسؤول أن يترك موقعه؛ لكنه قد يكون أكثر قراراته وفاءً حين يصبح التنحّي مدخلاً إلى حلٍّ عجز البقاء عن تحقيقه. والتاريخ يستطيع أن يحفظ لمن يغادر بشجاعة فضلاً يفوق ما يحفظه لمن يطيل الإقامة في أزمة.

 الرحيل فعل مسؤولية

ارحلوا، ولكن اجعلوا الرحيل فعل مسؤولية. اتفقوا على انتقالٍ دستوري واضح، وعلى ضماناتٍ متساوية للمشاركة، وعلى مرجعيةٍ تُنهي ازدواج القرار. افتحوا الباب أمام الكفاءات، وصونوا المال والسجلات والمؤسسات، واتركوا للقاعدة القومية مجالاً حراً تختار فيه وتراقب وتحاسب.

فاستبدال الأسماء وحده لن يشفي الجرح. المطلوب معالجة الأسباب التي تجعل كل خلافٍ مشروعاً لانقسامٍ جديد: غموض الصلاحيات، وضعف المحاسبة، والخوف من النقد، وتغليب العلاقة بالأشخاص على الالتزام بالمؤسسة. هنا يُمتحَن صدق أي مبادرةٍ للوحدة؛ فالمبادرات تُقاس بنتائجها على القاعدة، لا بنوايا أصحابها ولا ببلاغة بياناتها.

 مسؤولية الرفقاء

وللرفقاء أيضاً مسؤولية. لا تطلبوا من القيادات أن تتجاوز ذاتها ثم تحرسوا أنتم خصوماتها. امنحوا أي مسارٍ جدّي فرصة، وارفضوا التخوين، واحفظوا للرفيق مكانته ولو اختلفتم معه. فالجرح الذي أصاب الرفقة يحتاج إلى من يداويه في القاعدة كما في القيادة. والمحبّة في الفكر القومي الاجتماعي ليست ضعفاً ولا ترفاً، بل قوة الأمة في مواجهة أعدائها؛ بها تُصان الرفقة، وبها يُحفَظ للرأي المخالف حقه في أن يُقال.

 الأمة تنتظر

أما أنتم، فبادروا قبل أن تصبح الخيبة عادة، وقبل أن يفقد جيلٌ جديد رغبته في الاقتراب. لا تنتظروا أن يأتي الحلّ من تعب الناس أو من انسحاب المزيد منهم. أصغوا إلى الذين ظلّوا رغم كل شيء، وإلى الذين ابتعدوا لأنهم لم يعودوا يحتملون، وإلى الذين يخشون أن يورّثوا أبناءهم خلافاً بدل أن يورّثوهم نهضة.

الأمة تحتاج إلى حزبٍ يعرف كيف يجمع طاقاته ويذهب بها إلى المجتمع، إلى الشباب والعمال والطلاب وأهل الأرض. تحتاج إلى فكرٍ يتحوّل إلى عمل، وإلى رفقةٍ تمنح الناس ثقةً بالمستقبل، وإلى بعثٍ قوميٍّ جديد ينظر إلى سوريا الطبيعية أمةً موّحدة لها مكانتها تحت الشمس، لا ساحةً لتسوية الخصومات. وهذه المسؤولية أكبر من أي رئاسة، وأبقى من أي ولاية.

 ارحلوا وابقوا في خدمة القضية

من أجل النهضة… ارحلوا.

ارحلوا عن التمسّك بالمواقع، وابقوا في خدمة القضية. أعطوا القوميين فرصةً ليجتمعوا حول مؤسسةٍ يطمئنون إليها، ويستعيدوا الفرح بالعمل الذي جمعهم أول مرة.

واجعلوا خطوتكم الأخيرة في القيادة بدايةً يستحقها الحزب: أن يجد الرفيق يد رفيقه، وأن يُفتح بابٌ أغلقته الخصومة، وأن يصبح للقوميين، بعد طول التفرّق، طريقٌ واحد يتقدّمون فيه نحو سعاده.

 عبرة الذكرى

وخُذوا من الذكرى عبرةً قبل أن تُطوى الدفاتر. يوم انطلقت هذه الدعوة لم يكن لها ديوانٌ ولا مجلسٌ يتنازعه المتنازعون؛ كان لها رجلٌ يحمل فكرة، ورفقةٌ قليلة آمنت بها، وثمنٌ باهظ يُدفع في سبيلها. لم يجلس أحدٌ يومها في صدر، ولم يكن للصدر يومها معنى. كانت النهضة تُبنى بالعمل والمحبة والفداء، لا بالمواقع ولا بالألقاب.

فالذكرى لا تسألنا: مَن بقي في القيادة أطول؟ بل تسألنا: مَن خدم الرسالة أصدق؟ والزعيم الذي قدّم حياته ثمناً للفكرة لم يُخلّد اسمه بكرسيٍّ جلس عليه، بل بحزبٍ حيّ في وعي أمة. ومن أراد أن يوفّي الذكرى حقّها، فليعلم أن أصدق ما يُهدى إلى ذكرى الشهداء ليس خطاباً في المناسبات، بل رفقةً مجتمعةً على غايةٍ واحدة.

هذه هي العبرة: أن النهضة أبقى من أصحابها، وأن الأمانة لا ترثها المناصب بل الرفقة. فمن أدرك ذلك أدرك أن الرحيل عن موقع، حين يصون الرسالة، آخرُ خدمةٍ وأعلاها. والذين مضوا في طريق سعاده لم يورّثونا كراسيَّ نتنازعها، بل رسالةً نُكمِلها.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي