من الجنوب اللبناني إلى البحر الأحمر: لعبة إقليمية بلا جبهة واحدة

من الجنوب اللبناني إلى البحر الأحمر: لعبة إقليمية بلا جبهة واحدة

ايكون نيوز

لم يعد إيقاع الحياة اليومية في الجنوب اللبناني يُقاس بالساعات، بل بالغارات والتفجيرات والبيانات. القرى الحدودية تعيش منذ أسابيع على وقع قصف مدفعي متواصل واستهدافات متفرقة، بينما تتوالى التفجيرات المتعمدة في بلدات كفرحمرة وطيبة والخيام، في عملية تبدو أقرب إلى إعادة تشكيل الجغرافيا بالقوة من كونها مجرد عمليات عسكرية تكتيكية. وفي مقابل ذلك، تكرر الحكومة اللبنانية أن قرار الدولة في احتكار السلاح لا رجعة فيه، وأن الجنوب يجب أن يعود إلى سلطة الدولة وحدها. لكن الحديث عن الجنوب اليوم لم يعد شأناً لبنانياً خالصاً، بل هو حلقة في سلسلة تمتد من طهران إلى صنعاء، ومن الرياض إلى واشنطن، حيث تتشابك الحسابات وتتداخل الساحات.

ولفهم هذه السلسلة، قد لا يكون المنطلق من بيروت، بل من اليمن.

 اليمن: دوامة التصعيد من البحر الأحمر إلى الرياض

أعلن الحوثيون في الأيام الأخيرة استهداف مطاري الرياض وعدن بصواريخ باليستية. السعودية أعلنت اعتراض صاروخ شمال العاصمة، لكنها لم تؤكد علناً وقوع إصابات في المطار نفسه. هذه ليست عملية معزولة. فمنذ انخراط الحوثيين في الحرب إلى جانب طهران في آذار/مارس 2026، تحوّل البحر الأحمر من ممر تجاري إلى ساحة استنزاف جديدة. وتحليل هيئة الإذاعة الأسترالية (ABC) يرى أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على ما يسميه "التصعيد الأفقي" — أي نشر الصراع جغرافياً وتوزيع الضغط على عدة حلفاء أمريكيين في المنطقة، بدلاً من حصره في جبهة واحدة.

النتيجة المباشرة لهذه الاستراتيجية أن الرياض تجد نفسها، للمرة الأولى منذ سنوات، أمام تهديد مباشر على أراضيها. وقد حذّر الحوثيون العاملين في منشآت النفط السعودية من مغادرتها، في رسالة تضع أمن الطاقة في قلب المعادلة. وردّ الرياض تجاوز ساحة اليمن نفسها: فقد فعّلت آلية "اتفاق مكة للدفاع المشترك" مع باكستان وتركيا. ووفقاً لوكالة رويترز، فإن ما تقدّمه تركيا حالياً يقتصر على دعم دفاعي تقني — إمدادات عتاد ومعلومات استخباراتية ودعم لأنظمة الدفاع الجوي — دون نشر تشكيلات قتالية، لأن الدستور التركي يشترط موافقة البرلمان على إرسال قوات خارج البلاد، وهو ما لم يحدث بعد.

أما المؤشر الأكثر دلالة فقد جاء من دمشق. فوفقاً لرويترز، نقلاً عن مسؤولين أمريكيين وعسكريين سوريين، طلبت السعودية من سوريا إرسال قوات للمشاركة في القتال ضد الحوثيين، فيما تدرس دمشق الخيارات بين دعم دفاعي أو انتشار هجومي. وأوردت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) العربية معلومات مماثلة، مشيرة إلى أن تحفظات دمشق تنبع من أن المواجهة المباشرة مع الحوثيين قد تحمل بعداً طائفياً حساساً، وقد تُقرأ من إيران وحلفائها الإقليميين كخطوة عدائية، في وقت تُولي فيه دمشق أولوية لاستعادة الاستقرار الداخلي.

الجنوب اللبناني: موقع استراتيجي ومنطق "المحو"

عودة إلى الجنوب اللبناني، حيث يبدو المشهد العسكري أكثر تعقيداً في الخيام وطيبة. فوفقاً لتقرير نشرته "مدى مصر"، سيطرت القوات الإسرائيلية على الأطراف الشرقية والشمالية والجنوبية لبلدة الخيام، في محاولة لإكمال تطويق هذه البلدة الاستراتيجية المطلة على الجليل الأعلى والجولان. والدلالة واضحة: السيطرة على الخيام تعني قطع الممر الحيوي بين الجنوب اللبناني وسهل البقاع، وهو ما قد يؤدي إلى فصل أجزاء من الجنوب عن العمق اللبناني.

لكن التقدم الإسرائيلي واجه مقاومة غير متوقعة. ويصف اللواء اللبناني المتقاعد علي أبي رعد تكتيكات حزب الله بـ"مناطق القتل": استدراج القوات المتقدمة إلى مناطق محددة ثم استهدافها، قبل الانتقال السريع إلى مواقع أخرى. هذه الحرب غير المتماثلة هي التي حالت، بعد أسابيع من القتال، دون تثبيت السيطرة على مركز البلدة. وفي محور طيبة، تقدمت القوات الإسرائيلية من بلدة عيتا الشعب الحدودية وسيطرت على بعض المرتفعات والبنى التحتية، لكنها لم تدخل البلدة نفسها.

وبالتوازي مع الجمود الميداني، هناك عملية هدم منهجية للقرى الجنوبية. فوفقاً لتحليل صور الأقمار الاصطناعية الذي نشرته قناة "سكاي نيوز عربية"، فإن نطاق الهدم في الخيام وطيبة وبنت جبيل وحداثا يتجاوز بكثير ما تصفه إسرائيل بـ"المواقع المرتبطة بحزب الله"، ليشمل أحياء سكنية وطرقاً ومرافق مدنية وأراضياً زراعية. وتشير التقديرات إلى أن 46 قرية على الأقل من أصل 54 قرية داخل ما يُسمى "الخط الأصفر" تعرضت لدمار واسع أو تسوية جزئية. والأثر المباشر لهذه العملية هو أن مسار عودة مئات الآلاف من المهجّرين إلى ديارهم قد قُطع فعلياً.

 مأزق بيروت: إعلان السيادة وفجوة القدرة

تركّز استجابة الحكومة اللبنانية على مبدأ واحد: احتكار الدولة للسلاح. ففي آب/أغسطس 2025، أقرّ مجلس الوزراء قراراً يقضي بوضع جميع الأسلحة — بما فيها أسلحة حزب الله — تحت الولاية الحصرية للدولة، وكلّف الجيش بوضع خطة لنزع السلاح. وفي كانون الثاني/يناير الماضي، أعلن الجيش اللبناني أن المرحلة الأولى من خطة "درع الوطن" حققت أهدافها في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، وأنها تدخل "مرحلة متقدمة".

لكن الجيش نفسه يعترف بأن تنفيذ الخطة يواجه عوائق بنيوية. فالاعتداءات الإسرائيلية المستمرة والاحتلال الإسرائيلي لأراضي لبنانية، إلى جانب تأخر وصول العتاد العسكري الموعود، يشكلان قيداً فعلياً على إيقاع العمليات. وقد شدّد الرئيس جوزيف عون في بيان الذكرى الحادية والثمانين لتأسيس الجيش على أن المرحلة المقبلة تتطلب "انتشار الوحدات العسكرية على كامل الحدود الجنوبية، وبسط سلطة الدولة بشكل حصري على أراضيها". والمقصود الضمني لهذه العبارة أن الانتشار الكامل، قبل انسحاب إسرائيل وقبل استكمال القدرات والعتاد، يبقى إعلاناً سياسياً لا خطة عملياتية قابلة للتنفيذ.

 السردية الإيرانية والسردية الأمريكية المضادة

خلف كل هذه الجبهات، تظل إيران الحاضر الأكبر. ويقدّم بيان السفير الإيراني في براغ الإطار الرسمي لطهران: ففي 28 شباط/فبراير 2026، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل "هجوماً واسعاً" خلال مفاوضات جارية بين إيران وواشنطن، استهدف مدارس ومراكز طبية وبنى تحتية. ويصف البيان الحرب بأنها انتهاك للسيادة الإيرانية، ويرى أن "ذريعة السلاح النووي" تخفي هدفاً حقيقياً هو التحكم في شروط تدفق الطاقة العالمية، وبالتالي الضغط على المنافسين الصناعيين في أوروبا وآسيا.

أما السردية الأمريكية فتتجه إلى الاستنتاج المعاكس. فقد قال وزير الخارجية الأمريكي إن إيران فقدت "السيطرة الكاملة" على مضيق هرمز، في إشارة إلى تراجع النفوذ الإيراني الإقليمي. والتوتر بين هاتين السرديتين يشكّل ساحة الصراع الإدراكي الأكثر مركزية في الشرق الأوسط اليوم: طهران تتحدث عن السيادة والمقاومة، وواشنطن تتحدث عن النفوذ والسيطرة. وعلى الأرض، لا تستطيع أي من السرديتين أن تفسر ما يجري بمفردها — فحزب الله لا يزال يعطّل تقدم الجيش الإسرائيلي في جبال الخيام، وصواريخ الحوثيين لا تزال تطال الرياض، والسعودية تبحث عن ضمانات أمنية لدى تركيا وباكستان وسوريا في الوقت نفسه.

 من يملك القرار؟

عودة إلى السؤال الأول: حين تتعدد الجبهات وتتشابك المصالح، من يملك القرار؟ ربما تكون الإجابة الصادقة هي: لا أحد يملكه بالكامل. إيران قادرة على نشر الصراع أفقياً، لكنها لا تستطيع التحكم في وتيرة كل تصعيد. والولايات المتحدة قادرة على ممارسة الضغط العسكري، لكنها لا تستطيع منع أراضي حلفائها من التحول إلى أهداف للرد. والسعودية قادرة على حشد تحالفات دفاعية، لكنها لا تضمن تحويل كل تعهد إلى انتشار فعلي. والحكومة اللبنانية قادرة على إعلان السيادة، لكنها لا تستطيع تنفيذها وأرضها محتلة. وإسرائيل قادرة على تدمير القرى، لكنها لا تستطيع عبر التدمير أن تحقق أماناً مستداماً.

هذا مشهد يحكمه حق النقض لا حق القرار — كل طرف يملك القدرة على صناعة الجمود، ولا يملك أي طرف القدرة على فرض النتيجة منفرداً. وحياة القرى الجنوبية تُستهلك بالضبط في المسافة بين هذه الحقوق المتقاطعة.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي