يستطيع المساعد الذكي أن يختصر دقائق من البحث والحساب في ثوانٍ. لكن ماذا يحدث حين يُطلب من مستخدمه إكمال المهمة وحده؟ هذا السؤال أعادت جامعة كاليفورنيا في بيركلي طرحه، في تقرير نشرته في 9 تشرين الأول، عن دراسة محكّمة عُرضت في مؤتمر نمذجة اللغة، وتناولت أثر المساعدة الآلية في الأداء المستقل والمثابرة.
استقطبت الدراسة 1222 مشاركاً عبر الإنترنت، ضمن ثلاث تجارب عشوائية شملت مسائل الكسور وفهم النصوص. حصلت مجموعات على مساعد ذكي خلال مرحلة من العمل، ثم سُحبت المساعدة، بينما عملت مجموعات أخرى من دونها. تحسّن الأداء أثناء إتاحة الأداة، ثم ظهر تراجع عند الانتقال إلى الحل المستقل، مقارنة بالمجموعات التي لم تحصل عليها.
وفي التجربة الثانية، بلغ متوسط الإجابات الصحيحة في الاختبار النهائي نحو 71 في المئة لدى المجموعة التي أُتيحت لها المساعدة، مقابل 77 في المئة للمجموعة الأخرى. أمّا زيادة تجاوز الأسئلة، التي استخدمها الباحثون مؤشراً إلى انخفاض المثابرة، فلم تبلغ الدلالة الإحصائية في هذه التجربة، خلافاً للتجربتين الأولى والثالثة. وهذا تفصيل مهم عند تقييم قوة النتائج.
وعند تحليل أساليب الاستخدام، تركزت النتائج الأضعف بين الذين طلبوا الحلول المباشرة، مقارنة بمن طلبوا تلميحات وتوضيحات. لكن هذه المقارنة ارتباطية؛ فالمشاركون اختاروا طريقة استخدامهم، ولم يُوزَّعوا عشوائياً بين طلب الإجابة وطلب الشرح.
كذلك، قاست التجارب الأداء مباشرة بعد سحب الأداة. ولم تختبر استمرار الأثر بعد ساعات أو أيام، أو تأثير الاستخدام اليومي الطويل. لذلك لا تثبت أن دقائق من الاستعانة بالذكاء الاصطناعي تُحدث ضرراً دائماً في القدرات الذهنية.
يقترح الباحث المشارك براين كريستيان تفسيراً يستحق النقاش: الاعتياد على الحل السريع قد يغيّر توقعات المستخدم من الجهد الذي تتطلبه المهمة. وعندما تتأخر الإجابة، قد تصبح مواصلة المحاولة أقل جاذبية. وفي حديثه إلى بيركلي، دعا إلى تطوير مساعدين يهتمون ببناء قدرات المستخدم على المدى الطويل، ويؤدون دوراً أقرب إلى المدرّس الذي يوجّه المتعلّم خلال الصعوبة.
وتمنح دراسة سابقة، نُشرت في مجلة PNAS عام 2025، هذا النقاش بُعداً عملياً. ففي تجربة شملت نحو ألف طالب ثانوي في تركيا، تحسّن أداؤهم أثناء التدريب باستخدام أدوات مبنية على الذكاء الاصطناعي. لكن المجموعة التي استخدمت أداة تتيح المساعدة العامة سجّلت لاحقاً درجات أقل بنحو 17 في المئة في الاختبار المستقل، مقارنة بالمجموعة الضابطة. وتراجع هذا الأثر السلبي بدرجة كبيرة مع نسخة تعليمية صُمّمت لتقديم تلميحات وفق توجيهات المدرّسين، من دون أن تحقق تفوقاً واضحاً في الاختبار المستقل.
وتشير تجربة أخرى عرضها معهد ماك في جامعة بنسلفانيا هذا العام إلى أهمية تصميم التعلّم نفسه. فقد حصل طلاب في عشر مدارس ثانوية في تايبيه على المساعد التعليمي ذاته، لكن المجموعة التي تلقت تمارين تتكيّف صعوبتها مع تقدّم كل طالب حققت نتائج أفضل من المجموعة التي اتبعت ترتيباً ثابتاً. هنا كان الفارق في تنظيم التدريب، مع ثبات إتاحة الأداة للجميع.
بالنسبة إلى المدارس والجامعات، تفتح هذه النتائج باباً لتقييم مختلف: كم يستطيع الطالب أن يشرح من الحل الذي قدّمه؟ وهل يستطيع تطبيق الفكرة على مسألة جديدة؟ وما مقدار التوجيه الذي يحتاجه قبل أن يتمكن من المتابعة بنفسه؟
فالواجب المكتمل على الشاشة يعطي صورة عن إنجاز المهمة. أمّا قدرة صاحبه على التفكير عندما تُغلق الشاشة، فهي الاختبار الذي يستحق أن يبقى في قلب التعليم.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :