د. علي عيسى
باحث في الجيوبوليتيك والاقتصاد السياسي
لم تعد أوروبا تسأل عن حجم الإنفاق العسكري الذي تحتاج إليه فحسب، بل عن طبيعة الدولة التي تريد الحفاظ عليها وهي تعيد بناء قوتها. فالقارة التي أسّست استقرارها على التعليم والصحة والتقاعد والحماية الاجتماعية، مطالَبة اليوم بتخصيص موارد متزايدة للدفاع، فيما تضغط على موازناتها الديون وكلفة الاقتراض وضعف النمو، ثم صدمة الطاقة التي أعقبت إغلاق مضيق هرمز منذ شباط 2026.
ليست المعضلة اختياراً بسيطاً بين دبابة ومستشفى، فالأمن شرط للازدهار، والإنفاق العسكري قد يحفّز الصناعة والبحث. لكن المشكلة تبدأ حين تتسابق الالتزامات الدفاعية والحاجات الاجتماعية على موارد لا تنمو بالسرعة نفسها. ووراء سؤال "كم تنفق أوروبا؟" سؤال أعمق: من يحدّد ما يُعدّ أمناً؟ ففي هذه المساحة الرمادية يُعاد التفاوض على العقد الاجتماعي الأوروبي، وتقدّم ألمانيا وفرنسا وبريطانيا ثلاثة نماذج مختلفة لإدارته.
من 2% إلى 5%: تحوّل في العقيدة المالية للأمن
بحسب وكالة الدفاع الأوروبية، بلغ الإنفاق الدفاعي لدول الاتحاد 418 مليار يورو في 2025، بزيادة 20%، ويُتوقع أن يصل إلى 454 ملياراً في 2026، أي نحو 2.4% من الناتج. ثم التزم الحلفاء في قمة لاهاي في حزيران 2025 بإنفاق 5% من الناتج بحلول 2035: 3.5% للدفاع الأساسي، وما يصل إلى 1.5% للبنية التحتية الحيوية والأمن السيبراني والجاهزية المدنية.
هذه الشريحة الثانية هي مفتاح النقاش، لأنها تسمح باحتساب إنفاق مدني بوصفه أمنياً. وقد يكون ذلك إيجابياً إذا ربط الدفاع بالمرونة الاجتماعية، على غرار النموذج الفنلندي في "الأمن الشامل" الذي يَعُدّ تماسك المجتمع وجاهزية الخدمات جزءاً من الدفاع. وقد يكون مقلقاً إذا أغرى الحكومات بإعادة تصنيف نفقات قائمة لبلوغ الهدف على الورق. وقد دفعت الحرب الروسية على أوكرانيا، والقلق من الاعتماد العسكري على الولايات المتحدة، إلى إعادة توزيع الأعباء داخل التحالف بعد عقود من الاحتماء بالمظلة الأميركية. والتناقض المركزي أن أوروبا تريد استقلالاً استراتيجياً مشتركاً، لكن دولها لا تملك حيّزاً مالياً متساوياً لتحقيقه.
ألمانيا: إعادة التسلح بوصفها سياسة صناعية
عدّلت برلين "مكبح الديون" في آذار 2025، فاستثنت الإنفاق الدفاعي الذي يتجاوز 1% من الناتج من قيود الاقتراض، وأنشأت صندوقاً بقيمة 500 مليار يورو للبنية التحتية، وتسير نحو إنفاق دفاعي بنسبة 3.5% بحلول 2029. والرهان أن تستفيد قاعدتها الصناعية في الهندسة والآلات والإلكترونيات من الطلب الدفاعي. لكن الأثر لم يتضح بعد: فقد تراجع الإنتاج الصناعي 1.1% في تموز 2026، والطلب الدفاعي لا يعوّض وحده ضعف الصادرات وأزمة الصناعات كثيفة الطاقة.
والسؤال الحقيقي ليس كم تستطيع ألمانيا أن تقترض، بل هل يؤسّس هذا الاقتراض لقدرة إنتاجية تزيد ثروة المجتمع، أم يخلق التزامات دائمة؟ فإذا تسرّبت المشتريات إلى الخارج ضاع جزء من أثرها، وإذا نافست الصناعات الدفاعية القطاعاتِ المدنية على المهندسين والطاقة، كان الثمن مدفوعاً في مكان آخر.
فرنسا: قوة متقدمة في اقتصاد مقيَّد
تملك فرنسا ردعاً نووياً وصناعة دفاعية متقدمة، وقد أعلن ماكرون في تموز 2025 مضاعفة الموازنة العسكرية إلى نحو 64 مليار يورو بحلول 2027. لكن الدين العام يُتوقع أن يبلغ 121.7% من الناتج في 2027، والحكومة تسعى إلى خفض العجز من 5.4% إلى 5%. ومشروع موازنة 2027 يخفّض الإعفاء الضريبي على المعاشات ويجمّد المعاشات الأساسية المرتفعة، بوفر يقارب 5.5 مليارات يورو.
هذه الإجراءات لا تموّل الدفاع مباشرة، لكنها تُظهر أن الحكومة التي ترفع موازنة الجيش هي نفسها التي تطلب من المتقاعدين تحمّل جزء من التصحيح، وهي حكومة بلا أغلبية يهدّدها الاشتراكيون بحجب الثقة. ولا ينبغي اختزال الأزمة الفرنسية في النفقات الاجتماعية، فضعف النمو والانقسام السياسي يضيّقان المجال المالي أيضاً. لكن الدفاع يضيف التزاماً طويلاً يصعب التراجع عنه، فالطائرات والغواصات تحتاج بعد شرائها إلى عقود من الصيانة والتشغيل، والاختبار الحقيقي هو إقناع مجتمع اعتاد حماية واسعة بأن أمنه الخارجي لا يتعارض مع أمنه الاقتصادي.
بريطانيا: حين أسقط التمويلُ وزيراً
في بريطانيا تحوّل التوتر إلى أزمة سياسية. ففي حزيران 2026 استقال وزير الدفاع جون هيلي احتجاجاً على خطة الاستثمار الدفاعي، محمّلاً وزارة الخزانة المسؤولية. وبحسب معهد الدراسات المالية، ترفع الخطة الإنفاق إلى 2.7% من الناتج بكلفة 15 مليار جنيه على أربع سنوات، ثلثها تقريباً بلا تمويل، ونصفها من اقتطاعات في موازنات الوزارات الأخرى. ويقدّر المعهد أن بلوغ 3.5% بحلول 2035 يتطلب نحو 25 مليار جنيه إضافية سنوياً.
ثم جاءت المفارقة: عيّن رئيس الحكومة الجديد آندي بيرنهام هيلي نفسه وزيراً للمالية، لكنه رفض الالتزام ببلوغ 3% بحلول 2030، معتبراً أن الاستثمار في الرعاية الاجتماعية وتشغيل الشباب هو ما سيفتح المجال لتمويل الدفاع. هكذا صار الرجل الذي استقال دفاعاً عن موازنة الجيش مسؤولاً عن موازنة الدولة كلها، أمام رئيس حكومة يقدّم الرفاه شرطاً للقدرة على الدفاع. وستكشف موازنة 28 تشرين الأول أيّ المنطقين يرجح.
الصناعة الدفاعية: فرصة أم تجزئة؟
تحاول المفوضية الأوروبية عبر خطة "الجاهزية 2030" تعبئة ما يصل إلى 800 مليار يورو، منها قروض أداة SAFE البالغة 150 ملياراً. لكن الأثر يتوقف على التنسيق. فالمشتريات المشتركة لم تتجاوز 24% من الإنفاق على المعدات، أي أن ثلاثة أرباع السلاح الأوروبي ما زال يُشترى وطنياً. فألمانيا تريد تعزيز قاعدتها الصناعية، وفرنسا تتمسك بصناعاتها السيادية، وبريطانيا تبحث عن موقعها في سلاسل التوريد الأطلسية. وهنا المفارقة: كلما سعت كل دولة إلى حماية استقلالها الصناعي، صعُب بناء استقلال دفاعي أوروبي جماعي. ثم إن أرباح شركات الدفاع لا تعني تحسّن معيشة المواطنين، فالمقياس هو ما يضيفه الإنفاق إلى الإنتاجية والتشغيل في الاقتصاد كله.
الدين: القيد الحقيقي؟
تبقى السندات الألمانية ملاذاً آمناً، بينما تتعرض الفرنسية لضغوط العجز وعدم اليقين السياسي. ومن يقترض بكلفة منخفضة يوزّع نفقات التسلح على سنوات أطول، بينما يخصّص المثقل بالدين جزءاً أكبر من موارده لخدمته. والصعوبة الأعمق أن الدفاع لا يحقق عائداً مالياً مباشراً: قيمته في ردع حرب لم تقع، وكلفته واضحة بينما تبقى كلفة التهديد الذي يمنعه غير مؤكدة.
العقد الاجتماعي أمام اختبار جديد
ارتبطت الشرعية السياسية في أوروبا الغربية منذ 1945 بدولة الرفاه، التي سمحت بها المظلة الأطلسية والنمو. واليوم يخضع هذا التوازن لإعادة تفاوض غير معلنة. لا توجد علاقة آلية بين التسلح وتراجع الرفاه، لكن المشكلة السياسية تظهر حين يشعر المواطن بأن التكاليف الاجتماعية فورية، بينما الفوائد الأمنية بعيدة وغير مرئية. لذلك تحتاج إعادة التسلح، كي تحتفظ بشرعيتها، إلى أن تُقدَّم سياسة قابلة للمساءلة، لا التزاماً خارج النقاش العام.
ثلاثة مسارات
قد تنجح أوروبا في ربط الإنفاق الدفاعي بمشروع صناعي مشترك يرفع الإنتاجية، فيصبح التسلح رافعة للنمو. وقد يرتفع الإنفاق من دون نمو موازٍ، فتشتد المفاضلة بين الجيش والخدمات ويتصاعد التوتر، كما بدأت بوادره في باريس ولندن. وقد تتعمق الفوارق بين الدول القادرة والمثقلة بالدين، فيختلّ توزيع النفوذ داخل القارة. هذه سيناريوهات لا توقعات، تحسمها السياسات التي تُعتمد الآن.
خاتمة: أمن الدولة وأمن المجتمع
القوة العسكرية ليست مستقلة عن القاعدة الاقتصادية والاجتماعية التي تموّلها. فالدولة قد تملك جيشاً متطوراً، وتبقى ضعيفة إذا فقدت قدرتها على التمويل المستدام أو اتسعت الفجوة بين أولويات السلطة وحاجات المجتمع. وفي المقابل، فإن تجاهل التهديد يعرّض المكاسب الاجتماعية نفسها للخطر. لذلك لا يكمن التحدي في المفاضلة بين الدفاع والرفاه، بل في بناء علاقة أكفأ بينهما، تقوم على وضوح التهديد والتنسيق الصناعي واستدامة الدين والرقابة الديمقراطية.
فالقوة المستدامة لا تُقاس بما تنفقه الدولة على السلاح في سنة واحدة، بل بقدرتها على تمويل أمنها لعقود من دون أن تستنزف الأسس التي تمنح هذا الأمن معناه. وهنا اختبار أوروبا الحقيقي: أن تصبح أقدر على الدفاع عن أراضيها، من دون أن تُضعف المجتمع الذي تريد حمايته.
المراجع: وكالة الدفاع الأوروبية (تموز 2026)؛ إعلان قمة لاهاي (حزيران 2025)؛ المفوضية الأوروبية، "الجاهزية 2030"؛ معهد الدراسات المالية البريطاني (حزيران 2026)؛ رويترز (تموز 2026)؛ وزارة الاقتصاد الفرنسية ووكالة الصحافة الفرنسية (أيلول-تشرين الأول 2026)؛ المكتب الاتحادي الألماني للإحصاء. الأرقام محدّثة حتى 8 تشرين الأول 2026.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :