«القضية التي جمعتنا لا يجوز أن تفرّقنا… والنهضة أكبر من انقسام»

«القضية التي جمعتنا لا يجوز أن تفرّقنا… والنهضة أكبر من انقسام»

«من جرح الانقسامات إلى وحدة القضية: هل يكتب المجلس الأعلى تاريخاً جديداً؟»

كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز

في ظلّ الشقوق التي أصابت جسد القضية، حتى غدت الهوّة بين أبنائها أوسع من العمر الذي جمعهم، وفي خضمّ جدلٍ تُستنزف فيه الأعمار حول من يملك شرعية القيادة ومن ينازعه فيها، يبرز اليوم حدثٌ لا يجوز أن يمرّ كخبر عابر: للمرة الأولى، يُقدم المجلس الأعلى على عزل ربيع بنات من موقع الرئاسة. ولا ينبغي أن يُقرأ هذا القرار بوصفه تدويراً للكراسي أو فصلاً في خصومة داخلية ضيقة، بل بوصفه مدخلاً إلى سؤال أعمق: هل نحن أمام منعطف يمهّد لإصلاح حقيقي، أم أمام معالجة سطحية لجرح يتجاوز الأسماء والمناصب، ويمتد إلى تاريخنا التنظيمي كله؟

 

ومعيار الأمانة في هذه اللحظة واضح: كل قيادي لا يجعل إنقاذ البيت الواحد، وطيّ صفحة الانقسام، واستعادة وحدة القضية شغله الأول، لا ينهض بما تفرضه عليه مسؤولية القيادة. فالقيادة ليست امتيازاً يُوهب، ولا موقعاً يدافع عنه صاحبه كأنه غاية في ذاته؛ إنها تكليف تاريخي يقتضي تقديم مصلحة القضية على كل اعتبار، والجرأة على كشف الخلل، أياً كان مصدره، مهما بلغت كلفة الإصلاح.

 

لم يعد الواقع يحتمل المواربة. فما إن نطلّ على منبر من منابر القول أو وسيلة من وسائل الإعلام حتى نواجه أقسى الانتقادات. ولا أملك، والمرارة تملأ حلقي، إلا أن أقول إن جانباً واسعاً منها صادق؛ لأنه لا يصدر عن خصومة فحسب، بل يستند إلى ما تراه العيون. فما بلغناه ليس خلافاً عابراً تطفئه تسوية ظرفية، بل حصيلة علّة متراكمة أصابت الوعي التنظيمي في جذوره، وزعزعت أعمدة الثقة، ومهّدت لتغليب الحسابات الشخصية والولاءات الضيقة على القضية ومبادئها.

 

والأثقل أن هذه الأزمة ليست وليدة اللحظة، ولم تبدأ مع الخلافات الراهنة. فالثغرات والانشقاقات رافقت مسيرتنا منذ استشهاد الزعيم أنطون سعاده، وما زالت تعود بأشكال مختلفة. تعاقبت الوجوه، وتبدّلت المواقع، وتغيّرت الأزمنة، فيما بقيت الأسئلة الجوهرية معلّقة؛ تدور بنا الأزمات في فلكها، كأننا نعاين التجربة من بعيد ولا نتعلم منها، وكأننا لم نجرؤ بعد على لمس الجرح النازف، فضلاً عن مواجهته في عمقه كي يبرأ.

 

من هنا، لا يجوز أن يكون عزل ربيع بنات — مهما اختلفت الآراء بين مؤيد ومعترض — محطة وصول، ولا أن يُقدَّم انتصاراً لفريق على آخر. فقيمته مرهونة بما يفتحه من باب لمراجعة شاملة وصريحة لا تستثني أحداً، ولمسار إصلاحي يعالج الخلل في بنية العمل الحزبي لا في مظهره، ويعيد الاعتبار إلى المؤسسات، وينهي منطق المعسكرات الذي جعل الخلاف في الرأي تهديداً لكيان القضية.

 

وهنا تحديداً تقع على المجلس الأعلى مسؤولية تاريخية. والنهوض بها يحتاج إلى شجاعة وحكمة وتجرّد، وإلى حل جذري يقرّب التنظيمات المتفرقة من وحدة حقيقية، ويضع حداً للتشرذم الذي استنزف القضية جيلاً بعد جيل. فالمطلوب ليس ترقيعاً يسكّن الألم، ولا اقتساماً للمواقع والنفوذ، ولا صيغة محاصصة وتبادل منافع؛ بل مشروع وحدة يقوم على المبدأ والعقيدة، ويعيد للمؤسسة هيبتها، ويشرك الجميع على قاعدة واحدة: الالتزام بالقضية، لا الارتهان للأشخاص.

 

وأمام هذه المحطة، يُدعى المجلس الأعلى إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها، ومن تحويل قرار العزل إلى خطوة تنظيمية عابرة إلى جعله بداية لمسار وحدة حقيقية. وحدة لا تُفرض بإقصاء أحد، ولا تُشترى بتنازلات عن المبادئ، بل تُبنى بإرادة صادقة على جمع الصف وتوحيد الجهد وإنقاذ ما بقي. فالوحدة المنشودة ليست اتفاقاً على تقاسم السلطة، بل اتفاقاً على استعادة القضية مكانتها، وعلى أن تخضع المواقع والمسؤوليات لمصلحة الجماعة، لا أن تُخضع الجماعة لحسابات شاغلي المواقع.

 

وُجدت التجارب كي نتعلم منها، لا كي نعيد إنتاجها. ومن المؤسف أن نرى التاريخ يعيد نفسه، وأن يكون ما يشهده الواقع بين الأطراف المعنية امتداداً لما عانيناه في أزمة أيلول 2020. فبدلاً من الاتعاظ واستخلاص العبر، صار بعض التخبط والأخطاء نمطاً يتكرر، وبقيت المعالجات أسيرة اللحظة، عاجزة عن بلوغ الأسباب التي تدفع الأزمة إلى التجدد.

 

ولا يقف الإصلاح عند عزل مسؤول أو تعيين آخر، ولا يتحقق بمجرد إعادة توزيع المواقع والصلاحيات. يبدأ الإصلاح بمصارحة الذات، والاعتراف بالثغرات، ومحاسبة الأخطاء، وإعادة بناء الثقة على أساس المبادئ والمؤسسات، لا الولاءات الشخصية. ويقتضي مراجعة المسار الذي أفضى إلى هذا الواقع، بلا انتقائية أو محاباة؛ فقضية بهذا القدر لا تُدار بتسويات مؤقتة، ولا تُختزل في صراع على شرعية أو نفوذ.

 

لم يكن العبء النضالي يوماً ما يثقل صاحب القضية لذاته؛ فصاحب القضية لا يتهرب من المسؤولية إذا كان ثمنها الاضطهاد أو الملاحقة أو مخاطر المواجهة. لكن الطامة الكبرى أن يُمسخ «رجل القضية» — الذي يفدي مبادئه ومعلمه وتاريخ نضاله وحاضره ومستقبله — فيصير «رجل تنظيم» لا يبقى من نضاله إلا الدفاع عن شرعية منقوصة في مواجهة رفاق الدرب.

 

وهنا يتجلى أحد أخطر وجوه الأزمة: أن يتقدم السؤال عن المرجعية التنظيمية والولاء لها على السؤال عن الموقف من الأحداث، وعن الرؤية الفكرية والعقائدية، وعن مدى الالتزام بالمبادئ التي قامت عليها القضية. عندئذ لا يعود التنظيم وسيلة في خدمة القضية، بل تصبح القضية وسيلة لتسويغ ممارسات التنظيم؛ ويغدو الانتماء امتحاناً للولاء للأشخاص والمواقع، بدلاً من أن يكون التزاماً بالعقيدة والنهج والغاية.

 

فالانتقال من «رجل القضية» إلى «رجل التنظيم» ليس تبدلاً في السلوك أو الأولويات فحسب، بل انحراف في مفهوم المسؤولية ذاته. القضية لا تحتاج إلى من يحرس المواقع، بل إلى من يحرس المبادئ؛ ولا إلى من يسوّغ الأخطاء باسم الشرعية، بل إلى من يملك شجاعة تصحيحها، ولو واجه في ذلك أقرب الناس إليه.

 

والمرحلة الراهنة تفرض استكمال الإصلاح، لا الاكتفاء بقرار العزل مهما كانت دلالته التنظيمية. المطلوب أن تتحول هذه الخطوة إلى مدخل لمراجعة تاريخية وتنظيمية جريئة، تضع حداً لتكرار الانشقاقات، وتعيد الاعتبار إلى المؤسسات، وتؤسس علاقة سليمة بين القيادة والقضية، بحيث تكون المواقع في خدمة المبادئ، لا المبادئ رهينة المواقع. والأهم أن يترجم الإصلاح إلى مشروع وحدة يضم التنظيمات المتفرقة، وينهي التشرذم من جذوره، بعيداً عن محاصصات قد تجمع الأطراف على المصالح، لكنها تعجز عن جمعها على القضية.

 

وبين هذا الانحدار والتوازنات العابرة، يبقى سؤال لا مفر منه: هل نملك الإرادة للانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة أسبابها، ومن الدفاع عن شرعيات متنازع عليها إلى استعادة شرعية المبادئ والممارسة، ومن انقسامات تستنزف القضية إلى وحدة تصونها وتعيد إليها دورها؟

 

أظن أن لأصحاب النهج الحق رأياً آخر وموقفاً ينتظران الكلمة الفصل. فالقضية أكبر من الأشخاص، وأبقى من المواقع، وأسمى من كل ولاء لا تهديه المبادئ. والمجلس الأعلى أمام أمانة لا تحتمل التسويف: أن يجعل من هذه المحطة فاتحة إصلاح حقيقي ووحدة راسخة، لا تسوية جديدة تؤجل الانفجار إلى محطة أخرى.

 

فالإصلاح لا يكتمل بعزل رئيس، والوحدة لا تتحقق بتقاسم المواقع، والقضية لا تُنقذ بتدوير الأزمة؛ بل بمواجهة الحقيقة، ووضع اليد على الجرح النازف منذ سنوات، واتخاذ قرار تاريخي يلمّ ما تفرّق، ويعيد القضية إلى أهلها، والمبادئ إلى موقع القيادة.

 

خاتمة: فيكم قوةٌ لو فعلت

ولا نودع هذه المحطة قبل أن نعطي الأمل حقه من الكلام. فقد انتخب المجلس الأعلى الأمين الدكتور عصام شاهين رئيساً، ونرجو أن يكون قادراً على جمع ما فرّقه الزمن، وإعادة الوجه الذي أراده أنطون سعاده للحزب: مدرسة في الإيثار، لا ملكية في النفوذ؛ ومسيرة في خدمة القضية، لا غنيمة يتقاسمها المتخاصمون. وهو رجل من أهل العلم والفكر، ونأمل أن تكون بصيرته أعمق من الانفعال، وأن يتجه في خطوته الأولى إلى من أبعدهم الانقسام عن ساحة المشاركة، لا إلى من استقروا على الكراسي. وعلى هذا الرهان نعوّل: أن يعود الحزب فكرة تتسع للجميع، قبل أن يعود تنظيماً يجمعهم.

 

أما القوميون الاجتماعيون، فلا ينبغي أن يتحول نقد الذات إلى جلد لها، ولا أن يطول الوقوف أمام مرآة العطب. فتاريخ هذه النهضة ليس صفحة يُخجل بها، بل سجل سُطّرت فيه بطولات، ورقد في ثراه شهداء لم يبخلوا بأعمارهم ولا بأهلهم. وقد قال الزعيم: «إن فيكم قوة لو فعلت لغيّرت مجرى التاريخ»؛ ويبقى السؤال: كيف نترجم هذه القوة قولاً وفعلاً؟ لقد تجلت، في محطات من تاريخنا، في مواجهة المشروع الصهيوني والحيلولة دون تمدده. ومن تلك المحطات اغتيال حبيب الشرتوني بشير الجميل في بيروت؛ وهي واقعة يوردها المقال بوصفها محطة مفصلية، ويستحسن إسناد توصيفها وسياقها إلى مصادر تاريخية موثوقة.

 

وتتابعت بعد ذلك محطات النضال، من عملية الويمبي التي نفذها الشهيد خالد علوان، إلى العمليات التي شهدتها الجبهة الجنوبية، ومنها ما عُرف بعملية «كسر أمن الجليل»، ثم عمليات الاستشهاديين التي كان وجدي الصايغ من أوائل من ارتبطت أسماؤهم بها. وتوالت قوافل الشهداء، وكانت «عروس الجنوب» من مآثرها، حتى امتزج تراب الجنوب بدماء أبنائه، وغدا كل حجر فيه شاهداً على التضحيات.

 

إن تاريخاً كهذا لا يُستدعى طلباً للعذر، ولا يُغلق به الملف؛ بل يُجعل ميزاناً نقيس به حاضرنا، لا ستاراً نبرئ به أنفسنا. فمن أنبت مثل هؤلاء قادر على أن ينبت غيرهم، ومن صمد رغم الانقسام طوال هذه العقود، جدير بأن ينتصر على نفسه مرة.

 

فالمسيرة مستمرة، والخيط الذي بدأه سعاده لم ينقطع، وسجل الشهداء لم يُطوَ. ويبقى أن يكون الإصلاح مرحلتها القادمة، وأن تكون الوحدة بطولتها الجديدة؛ فأمة تملك من الدم ما تملك، حريّ بها أن تملك من الوعي ما يكفيها.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي